ملخص
ليست الصورة مجالاً فنياً تعبيرياً، بل أضحت مفهوماً فكرياً يمنح للمفكر إمكانات مذهلة للتفكير في كثير من القضايا، مثل الجسد والقلق والإبداع والفضاء العمومي والمرأة، وغيرها من القضايا التي نعثر عليها في ثنايا الصورة، سواء كانت فنية أو إشهارية أو سينمائية.
تعد السينما أكثر الوسائط التعبيرية التي استطاعت أن تمارس فتنتها على الفلاسفة، إذ تعتبر تاريخياً الشكل التعبيري الأكثر سلطة على الفكر الفلسفي، مقارنة بالفنون البصرية، فعلى رغم أننا نعثر على مفكرين، مثل الفرنسي رولان بارت الذي كتب عن المسرح والفوتوغرافيا، لكن السينما استأثرت باهتمام بالغ من لدن فلاسفة فرنسيين وأميركيين، ونجحت في التأثير في مسارهم الفلسفي، وجعلتهم يؤمنون بالسينما وقيمتها الفنية، وما تقترحه من رموز وعلامات لها صلة بحياتنا المعاصرة.
إن السينما قبل أن تكون صناعة وفناً، فهي تمثل مختبراً للتفكير وأداة لابتداع المفاهيم، وبلورتها داخل المتن الفيلمي، وحين كتب جيل دولوز كتابه الفريد “الصورة الزمن” و”الصورة الحركة”، لم يكن يهمّه التأريخ للسينما وصورها ومتخيلها، بقدر ما عمل على وضع الصورة السينمائية في مختبر التفكير الفلسفي، إذ شكل هذا الكتاب الصادر في جزأين، عامي 1983 و1985، علامة فارقة في تاريخ الفلسفة المعاصرة، وأسهم في إنضاج كثير من المفاهيم الفكرية حول الصورة السينمائية ومتخيلها، ولذلك فتح الكتاب قارة شبه مجهولة، دفعت ابن موطنه، ميشيل فوكو، إلى أن يعد بأنه ذات يوم سيصبح القرن دولوزياً، وعياً منه بأهمية الأفكار التي بلورها “جيل دولوز” في مصنفه الفكري، الذي لا يزال أهمّ من كَتب في فلسفة السينما.
ولا تأتي قيمة هذا الإنجاز في الكتاب بحد ذاته، بل في قدرة دولوز على التفكير خارج الأنساق الفلسفية الموروثة، من خلال جعله “الفن السابع” قاطرة للتفكير، وأداة للتأمل في سلسلة من المفاهيم، مثل الآخر والجسد، والصورة والمتخيل والزمن والحركة، ذلك أن التقاط هذه المفاهيم من صلب العملية السينمائية وتشريحها فلسفياً، يمنح للفكر نشاطاً حيوياً وقدرة مغايرة على التفكير خارج مدارات الأنساق التقليدية، التي ينبثق منها الفكر الفلسفي.
نجح هذا الكتاب في تسليط الضوء على السينما عند عدد من الفلاسفة، ونعني بالأساس “براديغيم” الصورة، فهذا المفهوم، وإن كنّا نعثر عليه في تاريخ الأنساق الفلسفية، منذ أفلاطون إلى المرحلة المعاصرة، فإنه ظل يعيش نوعاً من التهميش من طرف مفكرين وباحثين وأكاديميين، لكن تزايد الطفرة التكنولوجية وتفاقم الثورات البصرية، وتشابك المعارف والتأثير في ما بينها، جعل الحقل الأكاديمي يفطن إلى أن الصورة، بمختلف وسائطها البصرية، تكاد تكون علامة فارقة في الحياة المعاصرة والفكر الحديث، إذ أصبحت تمتلك أثراً بارزاً في يوميات الإنسان المعاصر، وتدفعه إلى الانغماس اليومي في مشاغل الصورة، بطريقة تصبح حريته مسلوبة وخاضعة لهذا المد البصري الذي استبد بها.
السينما أفقاً للفكر
ليست الصورة مفهوماً جديداً في حقل التفكير الفلسفي، بل نعثر على الاهتمام بها في تاريخ الفلسفة، لكن الفترة المعاصرة أعادت الاعتبار لهذا المفهوم، بسبب تجلياته المادية وتأثيراته اليومية، في الأجساد والأهواء والمشاغل والممارسات، إذ من المعلوم أن الفلسفة الفرنسية المعاصرة كثّفت الاشتغال على هذه المفاهيم، لكنها لم تقاربها إلا من منطلق الخطاب المكتوب المكرّس منذ قرون.
لكن في مقابل ذلك، راهن هؤلاء الفلاسفة على المتخيل البصري، بحكم ما يمنحه من أفق فلسفي مغاير، يجعل المفكرين يتماهون مع الصورة الفنية بمختلف حواملها وتعبيراتها الجمالية، وعياً منهم أن في المتخيل البصري ما يغنيهم على مقاربة تلك المفاهيم، انطلاقاً من المختبر الواقعي.
وليست الصورة مجالاً فنياً تعبيرياً، بل إنها أضحت مفهوماً فكرياً، يمنح المفكر إمكانات مذهلة للتفكير في كثير من القضايا، مثل الجسد والقلق والإبداع والفضاء العمومي والمرأة وغيرها من القضايا، التي نعثر عليها في ثنايا الصورة، سواء كانت فنية أو إشهارية أو سينمائية، بيد أن فلسفة الصورة في التراث الغربي دفعت كثيراً من المفكرين إلى الاهتمام بها، تارة بصورة مباشرة، مثل جاك أمون وإدغار موران وريجيس دوبري، وتارة أخرى من خلال تجلياتها الفنية، كما هو الحال مع ميشيل فوكو وناتالي إينيك وجيل دولوز وستانلي كافيل، إذ عملت هذه المتون الفلسفية على تشريح الصورة، وجعلها تدخل ضمن مدارات الفكر الفلسفي، وباتت تطالعنا مصنفات فلسفية، تجعل من الصورة مختبراً للتفكير والتأمل.
وتساوق الاهتمام بالصورة مع الطفرة التكنولوجية التي أصبحت تكتسح العالم، وتغيّر كثيراً من المواضعات الاجتماعية، لدرجة أن طوفانها البصري لم يبق رهين الحياة العامة وتجلياتها اليومية، وإنما اخترق النظام المعرفي وأنساقه الفكرية كافة، حتى أصبحنا نتحدث عن فلسفة الصورة والتكنولوجيا والثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولم يكن ذلك ممكناً لولا تفاقم حدة البصري في يومياتنا المعاصرة.
لقد أسهمت هذه الثورة التكنولوجية في تطور الفكر الفلسفي بالانفتاح على التفكير في الصورة، وتأملها بعيداً من المواضيع الأخرى ذات الصلة بالماهيات، مثل ما السعادة؟ ما الحرية؟ ما العدالة؟ فهذه المفاهيم استنفدت مادتها على مستوى البحث والتفلسف، مقارنة مع المتخيل البصري الذي غدت تنتجه الصورة، من خلال لوحات تشكيلية وصور فوتوغرافية وأفلام سينمائية، لكن قبل إقدام الفلسفة على تأمل السينما، استفادت بقوة من التراكم العلمي الذي أنتجه نقاد السينما، وعلى رغم اختلاف المنطلقات العلمية بين الناقد والفيلسوف، فإنها خلقت اشتباكاً فكرياً قوياً بين الخطابين، ويبدو ذلك واضحاً في مختلف المؤلفات التي كتبها المفكر الفرنسي إدغار موران، حول السينما ومتخيلها.
ارتكز التفكير الفلسفي، الذي تعرض لـ “الفن السابع” بالدرس والتحليل، على السينما بوصفها وسيطاً بصرياً يخلق فناً وصناعة ومتعة، لكن ذلك لم يمنع الفلاسفة من تحديد القيمة الجوهرية للعمل السينمائي، والتي تقوم على إنتاج سينما ملتزمة، لها القدرة على فهم آلام الإنسان وتفكيك الواقع، وإبراز ما يخفيه من مآزق ونتوءات، فالسينما اليوم، وإن كانت في ظاهرها تهدف إلى الترفيه، فإنها تظل في عمقها آلية من آليات التفكير، ووسيلة لإدانة الواقع وتعرية مكر السلطة، وأداة لتخييل التاريخ وملامسة شغاف الذاكرة، وبهذا المعنى يتحول “الفن السابع” إلى ذريعة لتحريض الفكر على التفلسف، والصورة على إنتاج الواقع بطريقة مذهلة وخلاقة، تكسر الأحلام والتخيلات كافة التي عادة ما التصقت بالصورة السينمائية ومتخيلها، ولذلك يجزم جيل دولوز، أنه يستحيل فصل الفلسفة عن السينما، كونهما مترابطان في نظره، ولا فصل بعضهما عن الآخر، فالسينما تنتج الصور والفلسفة تنتج الأفكار، لكن ذلك لا ينفي جماليات الترابط الخفي الذي قد ينشأ لحظة تشكل الصورة السينمائية، في علاقتها بالواقع، فهي تمارس سحرها مع أنها لا تكتفي بنقل أو محاكاة الواقع، بقدر ما تعطله وتحاول أن تبني مسارها الفلسفي الخاص، ولذلك تطالعنا داخل أعمال سينمائية لحظات من التأمل الفلسفي، التي قد لا نعثر عليها داخل مؤلفات فلسفية بعينها، فالفيلم السينمائي يبني تصور الأنطولوجي للعالم، وفق الصورة، إذ لا تغدو هذه الأخيرة مجرد طِباق بصري أو نسخ ميكانيكي للعالم، وإنما لحظة متأنية يقبض فيها المخرج السينمائي على روح العالم، فتكون هوية الصور والمشاهد والحوارات أشبه بأيديولوجية تظلل سيرة الفيلم، وترسم ملامحه الجمالية، وأثر الفني في ذائقة المتلقي، الذي بدوره يؤدي دوراً أساساً في بلورة هذه العلاقة، انطلاقاً من مفهوم التأويل، وعلى هذا الأساس، حظيت السينما لدى هؤلاء الفلاسفة باهتمام بالغ، وجعلتهم يؤمنون بقوتها الساحرة في ملامسة اللا مُفكر فيه، فهناك قضايا فلسفية مثل الوجود والجسد والجنس والحرب والألم والتلاشي، لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال الأعمال السينمائية، التي قامت بتخييلها ودرسها وفق منظورات بصرية، يتقاطع فيها الواقعي بالتخيّلي.
لقد وجد الفلاسفة خلاصهم الفلسفي في الصورة السينمائية، مما جعلهم ينتجون فكراً فلسفياً أصيلاً متحرراً من مختلف أشكال الخطاب التقليدي، الذي ظل يرزحه تحته الفكر الفلسفي المعاصر.
السينما… منسي الفكر العربي
إن هذا التصادي مع الصورة الفنية أنتج فكراً فلسفياً لم يدرس بقوة، ولم يُدرس داخل جامعات ومعاهد العالم العربي، إذ لا نعثر على مفكر عربي واحد جعل من السينما وسيلة للفكر، وهو ما يعطي للقارئ صورة عامة عن وضع الفلسفة داخل عالم عربي متصدع، يؤمن بالتقليد ويكرس التطرف الفكري باسم الحداثة والتحديث، لتبدو المشاريع الفكرية للمفكرين المعاصرين خالية في عدتها المنهجية من براعة التجديد، والقدرة على التماهي مع الموروث الفني العربي الإسلامي، لصياغة مداخل فلسفية جديد، فلا يعثر القارئ إلا على مواضيع ذات صلة بالخطاب الديني والهوية والقومية والحداثة والعلمانية، وهي قضايا استنفذت مادتها لدى مفكرين، أمثال الطيب التيزيني وحسين مروة وعبدالله العروي وعبدالإله بلقزيز وهشام جعيط، وأصبحت مجرد حشو فلسفي على هامش الواقع المعاصر، وما يفرضه من تأمل خلاّق في طبيعة القضايا، والإشكالات الجديدة التي أصبحت تقتحم الفضاء العام.
وعلى رغم المكانة الاعتبارية التي أصبحت تتنزلها السينما العربية في مختلف دول العالم، لا نعثر على مؤلفات فلسفية تحاول النظر بعيون فلسفية تجاه هذه الأفلام، وبناء مشروع فلسفي يفكك الواقع العربي وترسباته التاريخية، انطلاقاً من استنبات فكر فلسفي يقوم على تفكيك مشاهد السينما وصورها، ففي السينما اللبنانية المنتجة بين عامي 1975 و1991، نعثر على نماذج سينمائية مضيئة تبرز فلسفة المقاومة، لدرجة تصبح فيها بعض أفلام جوسلين صعب ومارون بغدادي ورندة الشهال، على براعتها التوثيقية وفتنتها التخيّلية، قاطرة لاجتراح مشروع فكري مختلف.
إن الموقف المتصدع للفكر العربي تجاه السينما، هو في عمقه تعبير نكوصي تجاه أكثر الأشكال التعبيرية في الفترة المعاصرة حداثة، فلا غرابة أن تطالعنا المؤلفات الفكرية اليوم غارقة في التكرار المعرفي، الذي يقوم على إعادة قراءة الكتب وتقديم خلاصات نظرية، وإصدارها في كتب، ذلك أن العثور على مفكر استند إلى السينما في مقاربة الواقع، أمر أقرب للاستحالة منه إلى الممكن، وعلى رغم المنطلقات الفكرية والأدبية والفنية، للثقافة العربية المعاصرة، في الثقافتين الفرنسية والأميركية، وما تحبلان به من نماذج نيّرة في العلاقة بين الفلسفة والسينما، لم يترك ذلك أي أثر بالغ في تضاريس الفكر العربي المعاصر، وعلى رغم وجود كتابات عربية مجتهدة، تحاول أن تصنف مؤلفاتها داخل فلسفة الفن، لا ترقى إلى هذا المنزع الفلسفي الذي يتطلب علماً بالسينما وأنماطها وصورها ومشاهدها، وسياحة طويلة في تاريخ الفكر البشري والنظريات الجمالية، ومحاولة توليفها لخلق فضاء فلسفي، وبقدر ما يعمل على تجريب خطابه على مستوى النظريات والمفاهيم، يظل في عمقه قريباً من المتون الفيلمية العربية.
