
الدكتور ألفرد الرياشي … المصدر النهار
في كانون الثاني 2025، بعد إطاحة نظام بشار الأسد، جلس أحمد الشرع على كرسي الرئاسة في دمشق. الرجل الذي كان يُعرف سابقاً بـ”أبو محمد الجولاني”، قائد ثوري تحول إلى رئيس دولة. وفي صيف 2026، بينما كان لبنان لا يزال يعاني تداعيات حرب مدمرة، طُرح سؤال فاجأ الجميع: هل ينقلب الشرع على كل التوقعات، ويعيد إحياء حلم سكة حديد رياق-برلين؟
يعود مشروع سكة حديد رياق-برلين إلى أوائل القرن العشرين، حين كانت الإمبراطورية الألمانية تسعى إلى مد خط سكة حديد برلين-بغداد ليربط أوروبا بالخليج العربي. كانت رياق، تلك البلدة اللبنانية في سهل البقاع، محطة رئيسية على خط بيروت -دمشق. لكن المشروع اصطدم بمعارضة القوى الأوروبية الكبرى، وتلاشى الحلم مع انهيار الدولة العثمانية. بقيت رياق محطة قطارات مهملة، تذكرنا بما كان يمكن أن تكون عليه.
خلال العقود الماضية، تحولت رياق وأهراءات البقاع إلى رمز للصراع على الغذاء والموقع الإستراتيجي. فكانت محاولات إسرائيلية خلال حقبة الثمانينيات للوصول إليها، وكذلك حصل قبلها خلال الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء.
وفي عهد الأسد، عرقلت دمشق كل مشاريع تنمية البقاع وفضّلت ربط خطوط التجارة عبر دمشق، لا عبر بيروت، والهدف عزل لبنان اقتصادياً. وتحولت رياق وسهل البقاع إلى قاعدة عسكرية سورية، بينما ظل حلم السكة الحديد معلقاً.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليدمر أهراءات القمح، ويؤكد أن لبنان أصبح رهينة أمنه الغذائي.
فرصة ضائعة لأهالي البقاع
لكن مأساة البقاع لم تكن في غياب الإمكانات، بقدر ما كانت في تعطيلها. فطوال عقود، فُوّتت على أهالي المنطقة فرص اقتصادية كبيرة كان يمكن أن تجعل من البقاع مركزاً للزراعة والصناعة والتجارة والنقل، لا مجرد ساحة نفوذ وصراع.
ويرى منتقدون أن استمرار الحاجة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة خدم منظومة النفوذ التي بنتها إيران و”حزب الله“، إذ إن بقاء المجتمعات المحلية في حالة اعتماد مالي واقتصادي يسهّل الحفاظ على شبكات الولاء والنفوذ. فحين تغيب الدولة والاستثمارات وفرص العمل، تصبح المساعدات والخدمات المرتبطة بالقوى السياسية والأمنية أكثر تأثيراً، وتتحول الحاجة الاقتصادية تدريجاً إلى أداة من أدوات النفوذ.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة فتح البقاع على الاقتصاد الإقليمي والدولي، وربطه بشبكات النقل والتجارة الأوروبية، لا يعنيان فقط بناء سكة حديد، بل كسر نموذج اقتصادي قائم على العزلة والاعتماد، وفتح المجال أمام أهالي البقاع ليصبحوا شركاء في الاقتصاد بدلاً من أن يبقوا رهائن للحاجة.
الشرع في برلين
في كانون الثاني 2026، زار الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع العاصمة الألمانية برلين. كانت الزيارة رسمية، لكن البعض رأى فيها أكثر من ذلك. فبرلين هي محطة الحلم القديم، عاصمة الإمبراطورية التي خططت للسكة الحديد قبل أكثر من قرن.
والسؤال: هل حاول الرئيس الشرع اختبار الأرضية لإحياء المشروع؟ وهل كانت ألمانيا، التي تسعى اليوم إلى تعزيز وجودها في الشرق الأوسط، مستعدة لدعم هذا الحلم؟
إنه مشروع طموح: إعادة تأهيل خط سكة حديد رياق-برلين، ليكون شرياناً اقتصادياً يربط أوروبا بشرق المتوسط. هذا القرار سيكون “انقلاباً” على مستويات عديدة.
انقلاب على سياسة العزلة: فالرئيس الشرع الذي نفى مراراً أي نية للتدخل العسكري في لبنان، قد يختار بدلاً من ذلك التدخل الاقتصادي. إحياء خط الرياق يعني ربط لبنان بأوروبا عبر سوريا، مما يعطي بيروت منفذاً اقتصادياً كانت تفتقده.
هو أيضا انقلاب على الجغرافيا السياسية: فالمشروع سيعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. وبدلاً من أن تكون تركيا هي البوابة الوحيدة لأوروبا، سيكون للبنان وسوريا دور محوري. وهذا قد يغير موازين القوى مع أنقرة وبغداد.
كذلك سيشكل انقلاباً على الأولويات: ففيما كانت سوريا منشغلة بإعادة الإعمار، قد يبدو مشروع السكة الحديد ترفاً. لكن الشرع الذي أظهر براغماتية في سياسته الخارجية، قد يرى في المشروع أداة لجذب الاستثمارات الأوروبية وإعادة تأهيل البنية التحتية السورية.
والأهم أن المشروع، إذا تحقق، قد يفتح أمام البقاع نموذجاً اقتصادياً مختلفاً تماماً: منطقة إنتاج وتصدير ونقل، تستفيد من موقعها الجغرافي بدلاً من أن تدفع ثمنه. فالطريق الحديدي لا ينقل البضائع فقط، بل ينقل معه الاستثمارات وفرص العمل والأسواق، ويعيد تعريف العلاقة بين المنطقة ومحيطها.
في المحصلة، مشروع ربط لبنان بأوروبا سيبقى حلماً أو سراباً؟
وهل ينقلب الشرع ويفعل خط رياق-برلين؟ السؤال يبقى مفتوحاً.
فمن جهة، يبدو المشروع طموحاً جداً في ظل الظروف الراهنة. ومن جهة أخرى، التاريخ يعلمنا أن المشاريع الكبرى تولد من رحم الأزمات. فخط سكة حديد برلين-بغداد نفسه وُلد في خضم التنافس الاستعماري، وتحول إلى رمز للطموح الإمبراطوري.
ربما يكون الشرع، القائد الثوري الذي أصبح رئيس دولة، هو الرجل الذي يجرؤ على إحياء هذا الحلم القديم. وربما تكون برلين، التي استقبلته رسمياً، هي الشريك الذي ينتظر هذه اللحظة.
لكن المؤكد أن إحياء خط الرياق-برلين سيكون أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية، سيكون انقلاباً على عقود من العزلة والصراع، ورسالة بأن الشرق لا يزال يحلم بقطار يوصله إلى أوروبا.
وسيكون أيضاً فرصة تاريخية لأهالي البقاع لاستعادة ما فاتهم من فرص اقتصادية، والخروج من اقتصاد الحاجة إلى اقتصاد الإنتاج والاستثمار والتجارة. فالبقاع لا يحتاج إلى مزيد من النفوذ السياسي بقدر ما يحتاج إلى ربطه بالأسواق، وفتح أبواب العمل أمام شبابه، وتحويل موقعه الجغرافي من عبء إلى ثروة.
مدينة رياق، محطة قطارات مهملة تنتظر من يعيد إليها الحياة.
فهل يكون الشرع هو من يطلق الصافرة؟