
نفت وزارة الخارجية الأميركية صحة المعلومات التي تحدثت عن تلقّي “حزب الله” تمويلاً جديداً من إيران بقيمة 200 مليون دولار، مخصصة لمساعدة العائلات النازحة والمتضررة من الحرب في لبنان، معتبرةً أن “الحزب” يحاول الترويج لروايات تهدف إلى ترميم صورته وإظهار قدرته على مواصلة تقديم المساعدات، في ظل الضغوط العسكرية والمالية التي يتعرض لها.
وجاء الموقف الأميركي رداً على تقرير نشرته وكالة «رويترز»، الأربعاء 7 تشرين الأول، نقلت فيه عن مصدرين مطلعين أن “حزب الله” تلقّى خلال أيلول الماضي دفعة مالية من طهران بلغت 200 مليون دولار، بهدف تمويل برنامج مساعدات يستهدف عشرات آلاف العائلات اللبنانية المتضررة من الحرب.
وبحسب التقرير، فإن “الحزب” يعتزم تقديم مساعدات أولية بقيمة 3 آلاف دولار لكل عائلة، على أن تشمل الخطة نحو 50 ألف عائلة، في محاولة للتخفيف من الأعباء المعيشية والإنسانية التي خلّفتها الحرب، ولا سيما في المناطق الجنوبية.
وأشار التقرير إلى أن عملية نقل الأموال واجهت صعوبات كبيرة نتيجة العقوبات والرقابة المالية المشددة، ما دفع الوسطاء المكلفين بتحويلها إلى تقاضي عمولات وصلت إلى 20% من قيمتها، أي ما يعادل أربعة أضعاف الرسوم المعتادة، وفقاً للمصادر التي استندت إليها الوكالة.
وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مسؤول في “حزب الله” تأكيده تأمين مبلغ مالي بالفعل، مشيراً إلى أن خطة توزيعه ستُعلن لاحقاً، من دون أن يكشف عن قيمة المبلغ أو مصدره، أو يؤكد بصورة مباشرة المعلومات المتعلقة بالتمويل الإيراني.
الخارجية الأميركية: الأموال غير موجودة
وفي ردّ على هذه المعلومات، رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، الرواية المتعلقة بوصول التمويل الإيراني، معتبراً أن “حزب الله” لديه أسباب تدفعه إلى ترويج مثل هذه الأخبار عبر مصادر مجهولة.
وقال بيغوت إن “الحزب” يستطيع إطلاق الادعاءات التي يريدها، لكن «الأموال غير موجودة»، في نفي أميركي مباشر للمعلومات التي تحدثت عن تحويل 200 مليون دولار من إيران.
واعتبر أن “حزب الله” يسعى، من خلال هذه الروايات، إلى حفظ ماء الوجه وإعادة ترميم صورته، بعدما تعرض لضربات كبيرة خلال الحرب، وتسبّب، بحسب تعبيره، في معاناة مئات آلاف اللبنانيين.
وربط المتحدث الأميركي بين الحديث عن التمويل الجديد والوضع الذي يمر به “الحزب”، معتبراً أن نشر مثل هذه المعلومات يهدف إلى الإيحاء بأنه لا يزال يمتلك الإمكانات المالية اللازمة لدعم بيئته وإعادة بناء قدراته، رغم الضغوط المفروضة عليه وعلى شبكات تمويله.
واشنطن تشكك في قدرة إيران على التمويل
ولم يقتصر الرد الأميركي على نفي وصول الأموال، بل شمل أيضاً التشكيك في قدرة إيران على توفير هذا الحجم من التمويل في المرحلة الحالية.
وأشار بيغوت إلى أن طهران تواجه ضغوطاً اقتصادية ومالية شديدة، في ظل القيود المفروضة على صادراتها النفطية والتراجع الحاد في قيمة عملتها، معتبراً أن هذه الظروف تحدّ من قدرتها على الاستمرار في تقديم الدعم المالي لحلفائها في المنطقة.
وبحسب الموقف الأميركي، فإن العقوبات والقيود المفروضة على التحويلات المالية تشكّل عائقاً أمام وصول الأموال إلى “حزب الله”، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تضييق الخناق على مصادر تمويله وشبكاته المالية.
وشدد بيغوت على أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستواصل سياستها الصارمة تجاه “الحزب”، مؤكداً أنه «في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، لن يتمكن حزب الله أبداً من التعافي أو إعادة بناء بنيته التحتية».
ويعكس هذا التصريح إصرار واشنطن على مواصلة الضغوط المالية والسياسية على “الحزب”، ومنع إعادة تكوين قدراته، سواء عبر التمويل المباشر أو من خلال الشبكات والجهات التي تتهمها الولايات المتحدة بتسهيل وصول الأموال إليه.
الخزانة الأميركية: إيران تعاني نقصاً في الأموال ووسائل تحويلها
وفي السياق نفسه، علّق متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية على المعلومات المتعلقة بالتحويل المالي، مؤكداً أن إيران تواجه صعوبات متزايدة في توفير الأموال ونقلها إلى الجهات التي تدعمها.
وقال المتحدث إن طهران «تنفد منها الأموال ووسائل نقلها»، في إشارة إلى تأثير الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأميركية على قدرتها على تمويل حلفائها.
ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار العقوبات الأميركية على إيران والشبكات المالية المرتبطة بـ”حزب الله”، والتي تهدف واشنطن من خلالها إلى الحد من قدرة “الحزب” على الحصول على التمويل وتحويل الأموال عبر الحدود.
إعادة إعمار الجنوب في صلب الموقف الأميركي
وأكدت الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف مصادر تمويل “حزب الله” من خلال العقوبات، بالتوازي مع دعم قدرة الحكومة اللبنانية ومؤسسات الدولة على تولّي مسؤولية إعادة إعمار المناطق المتضررة في الجنوب.
وشدد بيغوت على أن واشنطن ستستمر في تضييق الخناق المالي على “الحزب”، مع مساندة الحكومة اللبنانية في جهود إعادة الإعمار، في موقف يبرز تركيز الإدارة الأميركية على دور مؤسسات الدولة في إدارة مرحلة التعافي وإعادة البناء.
ويأتي هذا التوجه في إطار السياسة الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ المالي والسياسي لـ”حزب الله”، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية اللبنانية في إدارة الملفات الاقتصادية والإنسانية، ولا سيما ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.
تحديات مالية وإعمارية كبيرة في لبنان
ويأتي الجدل بشأن التمويل الإيراني في وقت يواجه فيه لبنان تحديات كبيرة على صعيد إعادة الإعمار وتأمين المساعدات للعائلات النازحة، بعدما تسببت الحرب في دمار واسع في القرى الجنوبية ومناطق أخرى.
وكان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام قد أشار، بحسب «رويترز»، إلى أن الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار نتيجة الحربين منذ عام 2024 قد تتجاوز 27 مليار دولار، ما يعكس حجم الأعباء المالية المترتبة على الدولة اللبنانية.
كما أشار تقرير الوكالة إلى أن “حزب الله” كان قد تمكن، عقب حرب عام 2006، من توزيع مساعدات مالية سريعة على المتضررين والمساهمة في إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما تبدو الظروف الحالية أكثر تعقيداً نتيجة حجم الدمار والصعوبات المالية والقيود المفروضة على التحويلات.
وبذلك، تبقى المعلومات المتعلقة بوصول 200 مليون دولار من إيران موضع خلاف بين رواية المصادر التي نقلت عنها «رويترز» والموقف الرسمي الأميركي الذي ينفي وجود هذه الأموال. ولم يقدّم “حزب الله”، في التصريح الذي نقلته الوكالة، تأكيداً مستقلاً لقيمة المبلغ أو مصدره، ما يترك مسألة التحويل المالي من دون حسم علني حتى الآن.
وتتجاوز أهمية هذا السجال مسألة التمويل بحد ذاتها، لتطال مستقبل المساعدات وإعادة الإعمار في لبنان، وسط استمرار الضغوط الأميركية على “حزب الله” وإصرار واشنطن على دعم دور الدولة اللبنانية في إدارة هذا الملف