برلين 2025

بعد زيارة إلى سوريا امتدت لأسابيع، عدتُ إلى منزلي في برلين يملؤني الشوق له ولقطتي «ليل». أعيشُ في منزلي ذي الغرفة الواحدة منذ عامين تقريباً. صغير، لكنه مُشرِق. أحبُّ هذا المكان لأنه الوحيد الذي استطعتُ أن أُرتِّبَ تفاصيله كما أشاء؛ المكان الوحيد الذي تجرأتُ فيه على اقتناء نباتات وتبني قطة.

لم أجرؤ على ذلك من قبل، ولكن برلين كانت آخر محاولاتي لتقبُّلِ غُربتي. لم أستقرَّ في أي مكان أكثر من ثلاث سنوات طوال ثلاث عشرة سنة مضت، كنتُ أرحل من جديد دائماً، على أمل أن أجد ما أبحث عنه: بعض السكينة.

حلب 16 تشرين الثاني 2012

«حانن للحرية حانن، يا شعب بيتو مش آمن. كبار صغار منعرف أنو يلي بيقتل شعبو خاين». نُغنيها وسط جموع كثيرة في مظاهرة تملؤها أعلامٌ بألوان مختلفة في بستان القصر. بستان القصر حي شعبي فقير في حلب. للمصادفة، هو الحي الذي ولدتُ فيه وعشتُ السنوات العشر الأولى من حياتي. حاولتُ مراراً أن أُحدد موقعَ منزلنا السابق ومدرستي عندما كنت أذهب إلى هناك، ولكن لم أُفلح في ذلك تماماً.

تتزاحمُ الأفكار في رأسي وأنا أغني. تارة أحاول أن أَطبَعَ في ذاكرتي كل ما يجري من حولي، وأستمتعَ بالشعور الذي يمنحه إيقاعنا الجماعي، الذي لم أختبر شعوراً مثله أبداً، وتارةً أتهمُ نفسي بالخيانة لأنني أريد الرحيل. لقد ردّدتُ القَسَمَ مع المتظاهرين مرات عديدة، وأقسمتُ أنني «لن أتراجع عن هذه الثورة»، ولكنني مذعورة. تَملَّكَني الذعر منذ أن غابت عنا أختي الصغيرة لمدة عشرين يوماً بدت كأنها دهر، بعد أن اختُطِفت مع مجموعة من شباب وشابات حرستا ودوما في الشهر السابع من ذلك العام، لتكون ضمن صفقة تبادل لضباط اختُطِفوا من قبل الجيش الحر. ظلَّ ثقلُ تلك الفجيعة يُنذِرني بأن الأقدار ما تزال تخبئ لنا المزيد. فورَ عودتها، أخبرتُ مصطفى أن علينا الزواج والرحيل؛ الرحيل سريعاً.

هولندا 2015

هولندا كانت أقسى محطاتي. هنا اختبرتُ معنى الاقتلاع والغربة وأدركتُ أنني في طريق اللاعودة. خلال عملية اللجوء، خُدِشَت كرامتي أكثر من مرة. هنا لسنا ضيوفاً كما كنّا في تركيا، نَرحلُ أو نُرحَّلُ قسراً بعد حين، بل يُعاد تأهيلنا لنُصبح مواطنين «لائقين» للعيش في مجتمعاتنا الجديدة. في هولندا اختبرتُ معنى البرد الحقيقي الذي يتسلّلُ إلى الروح قبل الجسد. ومع ذلك، فهي البلد الذي منحني كرت العبور والتنقُّل إلى البلدان الأخرى. مع جواز السفر الأحمر أصبحتُ أقل خطراً على العالم، ويُمكنني أن أمرَّ عبر البوابات الإلكترونية دون الحاجة إلى ضابط يُحدق في وجهي بارتياب قبل أن يمنحني ختم العبور.

بعد عدة سنوات من وصولي إلى هولندا، رأيتُ ذات يوم حلماً قادماً من أعماق ذاكرتي، من ذلك الزمن البعيد؛ لا أدري إن كان حلم يقظة أم مناماً. رأيتُني كذاتٍ منفصلةٍ عني: مها في السادسة والعشرين من عمرها، تنظر إليَّ بعينيها ذوات الكحلة الزرقاء كما اعتادت أن تُكحِّلهُما. تنظرُ إليَّ بدهشة وعطف لما سيحلُّ بي لاحقاً. هربتُ منها وخفتُ أن أواجهها بكل ما أملك من قهر وحنين. حنين إلى آخر لحظة شعرتُ فيها أن هذا الكون يُمكن احتماله. رأيتُني في منزلي في حلب، بقربي مصطفى يُحيطني بكل الحب، قبل أن أسمعَ صوت انفجار يهزُّ الأرضَ من تحتي. كان ذلك لحظة تفجير ساحة سعد الله الجابري، قبل أن تحلَّ المصيبة عليَّ بأسابيع قليلة فقط.

حلب 16 تشرين الثاني 2012

اعتدنا أنا ومصطفى مع مجموعة من أصدقائنا أن نذهب إلى بستان القصر بعد أن حررها الجيش الحر آنذاك، إمّا للتظاهر أو للقيام بنشاط ما. في ذلك اليوم لم أُرِد الذهاب ومانعتُ بقوة.

– «بدنا نسافر…»

– «بوعدك هي آخر مرة…»

في كل مرة نأتي إلى بستان القصر، نبقى أياماً لنُنجِزَ ما ننوي فعله قبل أن نعود. ليس من السهل التنقُّلُ بين حلب الغربية وحلب الشرقية اللتين يفصل بينهما قنّاص. ولكن ما أن تطأ أقدامنا المكان وننجو من القنّاص، حتى يتملكنا شعور غامر بالفرح ونبدأ باللهو والصراخ: «يلعن روحك حافظ». أول لحظات الحرية التي اختبرناها حقاً.

هذه المرة كان لدينا الكثير لنفعله هناك: حملة النظافة، والتنسيق مع أهل الحي لفتح مدرسة للأطفال، إذ أُغلِقَت معظم المدارس فيه منذ أن فقد النظام سيطرته عليه. وبالطبع كنّا سننضمُّ إلى مظاهرة يوم الجمعة.

جاء يوم الجمعة وقلبي يُعتَصر بقوة، أريدُ أن ننتهي من كل شيء ونعود. أرجوك هيا بنا نعود.

أسألُ صديقاً: هل رأيت مصطفى؟

سقطت قذيفة هاون…

ملأ الصراخ والغبار المكان.

عرفتُ أنه قُتِلَ حتى قبل أن أراه أو يُخبرني أحدٌ بذلك. حَدَّثَني قلبي بذلك آلاف المرات. لذلك أردتُ أن نرحل. ولكني لم أُسرِع كفاية بطلب الرحيل. حين أُنبِئت بموته في المستشفى زغردتُ وصرختُ: «بستان القصر شهيدكم شيعي». لم نكن نجرؤ على قولها من قبل، خوفاً عليه. أمّا الآن: لا خوفٌ عليه ولا هم يحزنون.

شَدَّت قصتنا انتباهَ الإعلام، كنّا حبيبين من طائفتين مختلفتين، وعروسين لم نكمل الشهر. ملأت صورنا فيسبوك والجرائد الثورية وبعض شاشات التلفزيون. قُرِّرَ الرحيل بالنيابة عني خوفاً من الاعتقال. لم يسمح لي الوطن بالخيانة: بأن أختارَ الرحيل بنفسي، بل اختارَه عني. ورحلت، ولكن بدونه.

تركيا 2013 ثم 2016 ومرة أخرى 2021

كانت عينتاب أول المحطات في تركيا بعد رحيلي عن سوريا، وكانت وجهةً لكثير من السوريين. هناك ما زالت سوريا قريبة. نستأجر فيها بيوتاً مفروشة، فلا يُمكن امتلاك ما يُبطئ عودتنا حين تحين. طال الانتظار، وشيئاً فشيئاً دفعت الحياة كثيرين منّا نحو الهجرة إلى أوروبا تباعاً. وأنا كنتُ واحدة ممن توجّهوا إلى أوروبا.

استدرجتني إسطنبول مرتين. تلك المدينة الساحرة التي منحتني عامين من الحياة. ربما كان هذان العامان قد مَنحاني صبراً لسنواتي التالية في هولندا، ومع الصبر وهماً بأنها البيت الموعود. عدتُ إليها ثانية بعد أن استلمتُ جواز سفري الهولندي. لكن في هذه المرة أدركتُ حقيقة أنها محطةٌ ليس إلا. رحلَ عنها كثيرٌ من الأصدقاء، وأصبح السوريون ضمن فئة الضيوف غير المرغوب فيهم. في آخر منزل استأجرته في تركيا، لم يعلم صاحبه أنني سورية إلا حين غادرت المنزل وأخبرته (Bu arada, ben Suriyeliyim)؛ بالمناسبة أنا سورية. كان وهماً كبيراً أن تركيا يُمكن أن تمنحني ما أبحث عنه.

كانون الأول 2016، سقطت حلب! 

ومعها سقطت كل آمالنا. تقلَّصَ الوطن كله ليُصبح بحجم قبر. غاصَ قلبي في صدري. هل يُمكن ألّا أزور قبره مرة أخرى؟ مع سقوطها أَُغلقت المدرسة التي حملت اسمه؛ مدرسة الشهيد مصطفى قرمان، وفقدتُ كل معنىً كان يواسيني: فقدَ حياته لأجل ما آمنَ به، لأجل حلم بحياة أكثر عدلاً ورحمة لنا جميعاً. لكن سقوط حلب أعادَ إلي مرارة فقده من جديد، فلم يَعُد هناك لا حلم ولا أطفال ولا حلب. أمن أجل هذا الخراب وهذا الشر كلّه فَقدتُه؟ لماذا يا الله؟!

لم تكن هزيمتنا في حلب فارقة لي فقط، كانت نقطة تَغيَّر عندها مَصيرُنا جميعاً. مع سقوطها انتعشَ النظام من جديد، ودخلنا في تسع سنوات عجاف نذوق هزيمةً تلو أخرى. نُهجَّرُ في باصات، وقد صمَّ العالمُ آذانه عن صرخاتنا وضاقت بنا الأرض داخل سوريا وخارجها.

برلين 2022

مرّت عشر سنوات على غيابي عن سوريا. وحتى ذلك الوقت لم أنجح في العثور على ما أبحث عنه، أتخيله تارة بلداً وتارة شخصاً. أَتنقَّلُ من بلد إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى، ولكن بلا جدوى. ظلَّ هذا الخواء يملؤني، حتى ظننتُ أني جاحدة بنعمة النجاة وحرية التنقل، وهي نِعَمٌ لم يحصل عليها كثيرٌ من السوريين. لم أفهم حينها أن نجاة الجسد لا تعني نجاة الروح أيضاً.

لممتُ خيبتي مرة أخرى ورحلتُ إلى برلين، بلا أحلام ولا توقعات. أتيتُ إلى برلين مرهقة وفي جعبتي كثيرٌ من الأسئلة، أحاول هذه المرة أن أفهمَ مصدرَ هذا الألم والتيه. لماذا تضيقُ الأرض بي؟

ظننت أحياناً أن الحنين هو ما يُؤرقني ويمنعني أن أجدَ سكينتي. لكن كيف أحنُّ إلى بلدٍ اضطهدني؟ بلد عشتُ فيه قهراً وفقداً؟! أغلب ما أذكره عن سوريا هو الفقر، ومعاركنا اليومية معه، التي لا ننتصر فيها أبداً. يُضاف إلى ذلك معاركي اليومية مع المجتمع منذ أَعلنتني الحياةُ شابة. ذكرياتي الجميلة فيها كانت قليلة جداً، تمثّلت في سنوات الصداقة والحب والثورة حين حلمنا ببلد يليق بحجم أحلامنا. كان ذلك أثمنَ ما امتلكت، قبل أن يسحقنا النظام ويأخذ معه كل ماخبّأناه من أحلام وآمال.

لم تقنعني فكرة الحنين رغم أن شيئاً منه كان يسكنني. مرّت عليّ سنوات وأنا كالمحمومة، أقرأ كل ما تقع عيني عليه عن الوطن والانتماء، عن اللجوء والاندماج، عن المنفى وحكاياته. تارة أبحث عن معنى وطن، وتارة أبحث عن أمل يُخبرني أن العيش في الغُربة ممكن. إلى أن قرأتُ نصّاً لياسين الحاج صالح يُعرِّفُ فيه ماذا قد يعني الوطن: «لا أجد تعريفاً للوطن أنسبَ من كونه مكانَ اكتمالِ القصة بعد أن كان بدايتها العارضة».

بكيتُ بحرقة! لم أكن جاحدة لكل الخيارات التي كانت لدي، ولكن الخيار الأهم كان ممنوعاً عني. لم يكن ما أشعرُ به حنيناً فحسب، وإنما كنتُ واحدة من ملايين القصص، وتتوقُ قصتي لأن تكتمل.

حينها، لم يكن الأوان قد حان.

سوريا 2025

طال الزمن كثيراً وذلك الكابوس جاثمٌ في سوريا وفي أرواحنا، حتى ظننا أنه لن يزول أبداً. لكنه سقطَ وأسقطَ معه أسطورة الأبد. وها أنا في سوريا من جديد. زرتُ قبر مصطفى أخيراً. حلمتُ بهذه اللحظة أعواماً طويلة لأقول له: نَم وارتاح، فلقد سقطَ قاتلك. عند قبره وجدتُ روحي التائهة تنتظرني. كان هنالك كل ما كنتُ أبحث عنه، واكتملَ ما تعذّرَ اكتماله من قصتي. عشتُ حدادي المُؤجَّل. بكيتُ حلب لأول مرة من دونه. بكيتُهُ وبكيتني. تجوّلتُ في المدينة، وزُرتُ شوارعَ غنينا فيها للحرية. الكثير من الأماكن لم تعرفني، لكنني عرفتها.

لم أكن لأُدرِكَ ما كان يؤرقني أو أجد أجوبة على أسئلتي لولا أنني استطعتُ الذهاب إلى سوريا، هناك فقط وجدتُ بعضاً من السكينة. هدأت روحي قليلاً، لكن ما تزال حولي أرواحٌ تتوق لعدالة مُنتظَرة، وأخرى تبحث عن قبور أحبتها لتبدأ حِدادها المُؤجَّل، فيما هناك في البلد من تنفتح أمامهم فصول ألم جديدة. كنتُ أعرفُ أننا لم نبلغ آخر المطاف، وأن فصول آلامنا لم تصل نهايتها بعد، وأنها أبعد من أن تُختزَل في أي ثنائية. قصّتي واحدةٌ فقط من ملايين القصص التي تتكون منها حكايتنا جميعا: حكاية سوريا.

استمرت زيارتي هذه ستة أسابيع، يملؤني سؤال العودة؛ سوريا متاحة من جديد. فهل أعود؟

غبتُ عنها قرابة ثلاثة عشر عاماً. مدة كافية لتُوهِمَني أنها كل تاريخي، وأن حياتي في سوريا كانت أقربَ إلى الخيال. ولكن زيارتي لها حملت مفارقة غريبة؛ شعرتُ لبعض اللحظات أنني لم أغادرها أبداً، وأن ما عشته من أعوام خارجها لم يكن حقيقياً، أو كان عالماً ذا بُعد زمني آخر. وكأنما أعيش في عالمين متوازيين، كلما اشتدَّ ظهور أحدهما تَشوَّشَ الآخر.

سألتُ نفسي مِراراً؛ أي من هذه العوالم أقرب لي؟ ومن أكون في كليهما؟ عالمٌ مألوف، أعرف لغته وديناميكياته، وهو مشحونٌ بذكرياتي وفيه كثير من الألفة، لكنني لم أَعُد أشبهه. لا أستطيع أن أكون فيه دون أن أشعر باغتراب داخلي ومع من حولي. وعالمٌ آخرُ لا تجمعني به لا لغة ولا تاريخ. سياساته تَسحق وجودي كعربية، داخله وخارجه، ولكن أستطيعُ فيه أن أكون نفسي دون أي أقنعة أو صراع يومي مع ذاتي.

برلين 2025

هل أَختارُ هنا أم هناك؟ أُدرِكُ الآن أن لي في سوريا الكثير، وأنها ستبقى دائماً جِهة القلب، ولكني أَختارُ العيشَ هنا حيث أستطيع أن أكون أنا. «أختار»؛ كلمةٌ وَقعُها خفيفٌ على الروح وبها خفَّ عبء الغربة، واستطعتُ الوصلَ بين عوالمي وأزمنتي التي عِشتُها.

الآن، أحب برلين أكثر بقليل، وأتصالحُ مع فكرة ألا يكون لي مكان يُشبهني تماماً، وأنه لا بأس أن يكون لي هنا أو هناك بيتٌ أعود إليه.

عدتُ إلى منزلي في برلين كما لم أَعُد من قبل. لأول مرة أشعر بهذا القدر من الخِفّة. صرتُ أستطيع احتمالَ الكون من جديد، وصار بإمكاني أن أُضيف إلى منزلي بعض التفاصيل الجديدة.