ملخص
إن الاعتقاد العالمي، والذي استمر لأعوام، بأن إيران تمارس ألاعيبها في المساحات الرمادية وأن يدها في المنطقة خفية، أصبح اليوم مجرد أداة تخدير فكري يستخدمها المجتمع الدولي للهرب من ضرورات المواجهة الحاسمة، والحقيقة الجلية، وهي إدارة طهران لإستراتيجية خنق علنية، لتوظيف الممرات المائية كسلاح دمار شامل، يستهدف الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائماً بصاروخ، فأحياناً تبدأ بتغيير صغير في خريطة الحركة: ميناء يسقط، وجزيرة تنتقل إلى يد قوة مسلحة، وممر بحري يتعطل، وسفن تجارية تغيّر مسارها، ثم يظهر صاروخ في سماء عاصمة بعيدة يعتدي على سكانها.
لم تعد اللعبة في المعابر البحرية للشرق الأوسط تحدث في الظل، حيث تحولت في الأيام القريبة الماضية إلى استعراض قوة صريح، يمتد خطه من مضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب.
نحن أمام جبهة مائية واحدة، يعاد تشكيلها بتسارع، لتحويل التجارة العالمية وحركة الطاقة إلى ورقة ابتزاز سياسي وميداني، ويعلم المجتمع الدولي أن اليد الإيرانية لم تكن يوماً يداً خفية في الأحداث والمواقع كافة، ومنها اليمن، إذ كانت الإصبع التي تضغط على الزناد، حيث تحول الساحل اليمني تحت رعاية طهران إلى قاعدة إطلاق هجومية، تُستخدم فيها الميليشيات الحوثية كذراعٍ وظيفية، فيما كان السلاح والتخطيط ورسم الأهداف يجري بقرار إيراني مباشر.
وكذلك تجلّت في الأيام القليلة الماضية المفارقة الصارخة بين الشعارات الحوثية والواقع، فبينما يُستثمر شعار “الموت لأميركا والموت لإسرائيل” للتعبئة وحشد الشارع اليمني، اتجهت الترسانة الصاروخية والمسيّرات الإيرانية عملياً نحو العمق السعودي، مستهدفة العاصمة الرياض ومكة والمناطق المدنية، في إمعان سافر واعتداء مباشر، يثبت أن تطاول طهران على أمن السعودية عبر وكلائها، هو محاولة دؤوبة لكسر استقرار الخاصرة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وتحويلها إلى منصة ابتزاز دائم تُصرف فواتيرها السياسية في طهران.
إن السردية التي تحاول ربط هذا التصعيد البحري بمجريات الصراع في غزة والقضية الفلسطينية، تكشفت عن حقيقة عملية وجلية، كونها لم تكن إلا غطاء أيديولوجياً مفرغاً من معناه، صُمم خصوصاً لاستهلاك الشارع اليمني والعربي وكسب تعاطفه، بينما الحقيقة التي تخفيها هذه الشعارات هي أن الاستهداف الممنهج لأمن الممرات لا يضر بإسرائيل وأميركا، بقدر ما يضر بالأمن القومي والاقتصادي لدول الخليج العربي ومصر، وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
اليوم يراقب العالم كيف يقوم النظام العالمي بأسره على مسلمة هشة، تكاد تكون بديهية، وهي أن الممرات المائية الضيقة التي تربط قارات العالم يجب أن تظل مفتوحة ومحايدة، لتمر عبرها حركة التجارة والطاقة بعيداً من حسابات الصراعات المباشرة، والتي تحاك في الظل.
لكن في الشرق الأوسط، سقطت هذه الفرضية بالضربة القاضية، والمشهد اليوم يقول إن المساحة الجغرافية الممتدة من مضيق هرمز في الشمال الشرقي إلى باب المندب في الجنوب الغربي، لم تعد مجرد ممرات عبور دولية، فقد تحولت إلى مسرح عمليات حربية، ومناوشات تديرها طهران.
إن الاعتقاد العالمي والذي استمر لأعوام بأن إيران تمارس ألاعيبها في المساحات الرمادية، وأن يدها في المنطقة خفية، أصبح اليوم مجرد أداة تخدير فكري يستخدمها المجتمع الدولي للهرب من ضرورات المواجهة الحاسمة، والحقيقة الجلية، وهي إدارة طهران لإستراتيجية خنق علنية، لتوظيف الممرات المائية كسلاح دمار شامل، يستهدف الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.
تجاوزت طهران مرحلة استخدام الوكلاء كمجرد أدوات إزعاج تكتيكي، إذ حرّكتهم في مسرح العلميات، ورفعتهم إلى مستوى الأذرع الإستراتيجية القادرة على فرض حصار بحري منسّق.
في مضيق هرمز، يقف الحرس الثوري الإيراني كقوة تقليدية مهيمنة، تمتلك ترسانة من الزوارق السريعة والغواصات الساحلية، ملوحاً بورقة إغلاق المضيق الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط.
في المقابل، أُوكلت مهمة السيطرة على باب المندب والبحر الأحمر لجماعة ميليشيات الحوثي، وإذاً بدعم الأيدي غير الخفية لإيران، تحولت هذه الجماعة بفضل نقل التكنولوجيا العسكرية الإيرانية من “ميليشيات جبلية محلية معزولة” إلى “قوة بحرية تمتلك صواريخ باليستية مضادة للسفن”، وطائرات مسيّرة انتحارية.
إن هذا التزامن والربط العملي بين المضيقين ليس صدفة بالتأكيد، إذ يشكل نتيجة حركية تشمل الأهداف والإحداثيات لغرفة عمليات واحدة، تديرها يد طهران، لتضع مصير الملاحة الدولية بالكامل عرضة للاستفزاز الإيراني.
في هذا المسرح السياسي العبثي، يبرز الحوثيون كحال تستدعي الدراسة، أسمّيها “البيادق المستهلكة”، إذ لا تنظر طهران أبداً إلى هذه الميليشيات كشريك عقائدي أو حليف إستراتيجي دائم، فهي تراها مجرد ذخيرة حية قابلة للنفاد في حروبها الإقليمية في المنطقة، وأداة رخيصة لاستنزاف الخصوم بدم يمني خالص.
الحوثي بالنسبة إلى صانع القرار في “الحرس الثوري” ليس سوى قفاز مستعار تُنفذ به المهمات التخريبية، وبمجرد أن تفرض التسويات الكبرى شروطها، أو تستنفد طهران أوراق تفاوضها مع المجتمع الدولي لتأمين مصالحها العليا، سيُلقى بهذا القفاز في سلة المهملات السياسية، من دون أي تردد.
إنها النتيجة المتوقعة والتراجيديا المعتادة لوكلاء إيران، إذ يتوهمون أنهم يصنعون التاريخ بينما هم في الواقع مجرد حطب يُحرق لإضاءة الطريق أمام النفوذ الإيراني، وسيُتركون لاحقاً لمواجهة مصيرهم المحتوم كعبء منتهية صلاحيته، في حقبة ما بعد أية تسويات أو مصالحات.
إن المجتمع الدولي الذي يحاول تبرير هذا الشلل الإستراتيجي، عبر التستر بحجج منع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، وهذا التردد المحكوم ربما بحسابات انتخابية، وخوف مرَضي من ارتفاع أسعار الوقود، لم يمنع التصعيد بل شرعنه، فعندما تدرك قوة إقليمية توسعية أن خطوطها الحمر تُحترم، وأن رد فعل القوة العظمى يقتصر على إسقاط المقذوفات، أو قصف رادارات فارغة في جبال اليمن، فإنها تندفع بقوة لترسيخ هذا المكسب كأمر واقع، ومن الواضح أن هذا العجز الدولي سيمهد الطريق لسيناريو صادم وكارثي، وهو شرعنة هذا الابتزاز البحري، إذ يسهم في تحول النظام الإيراني ووكلائه إلى سلطة جباية دولية غير رسمية، وسيكون النظام الدولي قد انهار فعلياً في أهم ممراته، وستحل شريعة الغاب البحرية محل القانون الدولي.
من جانب آخر، يبدو أن الرهان على أن التدخلات الدبلوماسية أو الوساطات الآسيوية، وتحديداً الصينية، قد تكبح جماح التمدد الإيراني، هو قراءة سطحية تماماً للمشهد الحالي، وذلك نظراً إلى طبيعة المصالح الكبرى وحقيقة الحركة التجارية القائمة، إذ تستورد بكين الجزء الأكبر من نفطها المهرب من إيران بأسعار مخفضة عبر “أسطول الظل”، ولهذا تجد الصين في هذا التصعيد فرصة ذهبية لاستنزاف الولايات المتحدة، وإرباكها بعيداً من المسرح الحقيقي للمواجهة في منطقة المحيط الهادئ، فبكين ترى أنها ليست معنية بأداء دور رجل الإطفاء في الشرق الأوسط، مادامت النيران لا تحرق سفنها، وهي تستثمر فعلياً في بقاء هذه الدائرة مشتعلة لتعزيز نفوذها الدبلوماسي، وفي الوقت عينه تُظهر واشنطن كقوة عاجزة عن حفظ الأمن العالمي.
في عالم تتشابك فيه المصالح ببراغماتية مفرطة، لا يبدو أن أحداً سيقاتل بالنيابة عن دول المنطقة لحماية شرايينها الاقتصادية، وأمام هذا التراخي الدولي الفاضح والهرب الإستراتيجي للمجتمع الدولي من المواجهة الحتمية، تبرز السعودية كحائط صد صلب، لتدير الرياض هذه المواجهة المعقدة بدبلوماسية وشجاعة إستراتيجية وحيدة تقريباً، فلم تقف موقف المتفرج أو المتباكي، وتصدت بصورة مباشرة ويقظة لمحاولات كسر استقرارها، وأحبطت هجمات باليستية ومسيّرات استهدفت عصب الاقتصاد العالمي، من دون أن تنجر إلى فخ التصعيد الشامل الذي تنصبه طهران، وهذا الثبات السعودي لا يحمي حدود السعودية وحسب، بل يمثل جدار الحماية الأخير للاقتصاد العالمي بأسره.
صمود الرياض في وجه هذه البلطجة الإقليمية يكشف عن مفارقة تاريخية صارمة، فبينما اكتفى المجتمع الدولي بصياغة بيانات تعرب عن القلق وعدم الرضا، وإرسال بوارج مترددة من دون أثر واضح، فإن الدولة التي تُستهدف نيابة عن العالم، هي ذاتها التي تقف اليوم لتدافع عن شريان هذا العالم بحزم، في وقت يقف النظام الدولي في المقابل متفرجاً على نزف هيبته الدولية.
