عاشَ أبيقور في عالمٍ سياسيٍ مأزوم، توالت فيه الحروب الأهلية والحصارات، كما عاشَ في ظل أفكار أمه الغيبية الخانقة. حافظَ رغم كل ذلك على إصراره على إمكانية بلوغ السعادة، بل و«العيش كآلهة بين البشر»، وهو الاقتباس الذي يأتينا من آخر الرسائل التي كتبها لصديقه قُبيلَ وفاته، علّه ينسى آلام البحصة عبر تذكُّر لحظات السعادة البالغة التي سمحت بها صداقتهما وشغفهما بالفلسفة.

لم يكتفِ أبيقور بالتعاليم التي قد تَسمحُ ببلوغ السعادة وراحة البال، وإنما أرسى تعاليمه على صرح منظومة فلسفية كبرى، تركت، سواء في نسختها الأكثر أمانةً أو في القراءات التي ابتذلتها، كثيراً من بصماتها في عالم الحداثة.

بذلك، قد يسمح لنا هذا الفيلسوف بفهمٍ أفضل للعالم الحديث الذي نعيش فيه، كما قد يزوّدنا بمخرَجٍ للقطيعة مع هذا العالم وإعمار حدائقنا في ظلال عالم يبدو وكأنه على وشك الانهيار.

العيش الطيب، على هامش أثينا؟

ولدَ أبيقور في مرحلةٍ تاريخية مختلفة عن المرحلة التي شهدت ولادة أشهر أسلافه كسقراط وأفلاطون وأرسطو. ولد عام 342 قبل الميلاد، بعد انطواء صفحة القرن الخامس الذهبية، قرن بيركليس، التي شهدت فيها أثينا عصرها الذهبي وعرفت خلالها الديمقراطية والآغورا، والتي شهدت على ولادة سقراط ومحاكمته وعلى أثره في المدينة، وعلى صعود نجم تلميذه أفلاطون الذي شهدت الفلسفة ولادتها على يديه. ولدَ بعد هزيمة أثينا أمام إسبارطة وفشل محاولاتها للفكاك من هيمنة الإمبراطورية المقدونية، لتفقدَ المدينةُ استقلاليتها وتصبح مجرد مدينة بين المدن. ولدَ أيضاً عشية موت الاسكندر المقدوني وتفكُّك امبراطوريته واندلاع الحروب الهيلينية بين الجنرالات الذين تنازعوا على وراثة مجده وبقايا امبراطوريته.

كان لانهيار أثينا ونموذج الدولة-المدينة أثرٌ كبير على أبيقور وعلى الفلسفة اليونانية برُمَّتها. كانت فلسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط فلسفةً سياسيةً مهمومة بالإنسان الذي يعيش في قلب المدينة، بل وكانت مسألة الانتماء للمدينة من أكثر ما يميّز سقراط عن السفسطائيين الذين كان يحاورهم، فبينما كان سقراط ابن المدينة المحبّ، لدرجة قبول حكمها بالموت، كان السفسطائيون نموذجاً للخطابيين الرُحَّل الذين لا يستقرون في أرض، ولا ينتمون إلى مدينة، ويعلّمون من يدفع لهم أصول البلاغة، ليراكم فوق قوة ماله قوة الحجة والخطاب. وقد يكون لهذا الاختلاف الجوهري أثرٌ كبير على ولادة الفلسفة برُمَّتها، فحبُّ المدينة والرغبة بفضيلة متعالية، تعطي للعيش المشترك معناه وتُعاكس تلك الفردانية البهيمية التي روَّجَ لها السفسطائيون، هو ربما ما دفع سقراط إلى حب الحكمة وافتراض تعاليها والانهماك في البحث عنها عبر السؤال والحوار، لا عبر على التقنيات البلاغية التي كان يُعلِّمها السفاسطة لطلابهم كي يمتلكوا الحجّة ويتمكنوا من الفوز في النقاشات ومن إشباع عطشهم للمجد. بدوره، ذهب أفلاطون أبعد بكثير من مُعلّمه، ليشترط على رأس جمهوريته أن يكون فيلسوفاً وينتهي إلى تشكيل «حرس جمهوري» هدفه حماية المدينة والفضيلة.

الفلسفة الأرسطية بدورها تعتقد أن غاية الإنسان؛ السعادة، تتحقق عندما يستخدم عقله، الذي يميزه عن غيره من الكائنات الحية، لممارسة الفضيلة، والتي يمكن أن تكون أخلاقية، كالشجاعة والعدالة والاعتدال .. أو فكرية تنهل من عوالم الحكمة والمعرفة، ولكن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا في قلب المدينة، فأرسطو هو من أكّدَ على أن الإنسان حيوانٌ اجتماعي بطبيعته وأن المدينة سابقةٌ على الفرد وشرطٌ من شروط السعادة.

ولكن المدينة لم تمنح في أيام أبيقور لأبنائها سوى الحروب الأهلية والحصارات والمؤامرات والدسائس والديمقراطيات الشكلية. دفع كل ذلك أبيقور، وباقي الفلسفات التي وُلدت في أيامه، كالفلسفة الرواقية والفلسفة الريبية، إلى التكفير بالفلسفة بطريقة مختلفة عن أسلافه، فانتقلت من كونها فلسفة سياسية وفناً للعيش الطيب للفرد والجماعة في المدينة، إلى فلسفة أخلاقية وفن للعيش الطيب للفرد رغم عطب المدينة والسياسة، وبات للفضيلة مكانٌ أقل مركزية في فلسفات هذه المرحلة.

لا بد أيضاً من قول إن أبيقور لم ينحدر من عائلات ثرية ونافذة، مشغولة بأسئلة السياسة والسلطة والثروة، كما كانت الحال مع أفلاطون وأرسطو، وإنما ابناً لرجل فقير، هاجر أثينا ليكون مستوطناً في جزيرة ساموس، فيشتغلَ في الزراعة صباحاً ومُعلِّماً بعد الظهر. أمه كانت أقرب لساحرة، تصطحب ابنها في زياراتها التي تقرأ فيها الكفَّ وطالعَ المواليد الجُدد، وغيرها من الخرافات والغيبيات، التي يبدو أنها تركت كبير الأثر في نفس ابنها.

راحة البال في عالم من ذرّات

تدعو سيرة أبيقور وظروفُ نشأته في ظل عائلة متواضعة، والظروفُ السياسية المضطربة والعنيفة التي نشأ فيها، إلى الاعتقاد بأنه كان فيلسوفاً مُتعَباً يبحث عن سعادة أخلاقية بأقل ما يمكن من الكلفة. بكلمات أخرى، كان يريد عنبه بلا أي معارك مع الناطور، وأن يشرب القليل من نبيذه مع الأصدقاء، فقليله مسرّة وكثيره قد ينتهي بنا إلى الإدمان وفقدان راحة البال. اشترى لذلك قطعة أرض عندما استقرَّ في أثينا ليقوم بتأسيس الحديقة، وهي المكان الذي كان يلتقي فيه مع طلابه وحَوارييه ومع كل من يريد أن ينهلَ من علمه، حتى لو كان امرأةً أو عبداً، وهو ما يبدو مميزاً وفقاً لشروط عصره وأعراف ليسيه سقراط أو المتطلبات شديدة القسوة التي اشترطها أفلاطون على تلامذة أكاديميته، التي «لا يدخل إليها من لا يضلع في الهندسة».

تَطمحُ الأبيقورية إلى الوصول إلى السعادة، أو ما يسميه أبيقور طمأنينة الروح وراحة الجسد، والتي يمكن اختصارها ولو بتعسف بمقولة راحة البال. لبلوغ ذلك لا بد من تَمثُّل أربعة تعاليم ومبادئ: التأكيد على إمكانية  بلوغ السعادة، والتحرر من الخوف من الموت، والتحرر من الخوف من الآلهة ومن سائر الغيبيات، وإمكانية تجاوز الألم. للتأسيس لكل ذلك، تبدأ فلسفة أبيقور مع مجموعة من القواعد التي لا بد منها لأي معرفة. تقول هذه الفلسفة بأن الإحساس هو مصدر الحقيقة، وأن الإحساس الذي نشعر به حقيقي دائماً، حتى لو فهمناه بطريقة مغلوطة، كما يحدث معنا في الخدع البصرية مثلاً. الأحاسيس المتكررة والشائعة تخلق فينا ما يسميه أبيقور بالمفهوم الفطري/البدئي prénotion. يمكننا معاينة ذلك لدى الأطفال وهم يتعلمون لغتهم الأم. القطة مفهوم مبدأي، يتعلمه الطفل ويبدأ باستخدامه لوصف القطط والكلاب قبل أن يتمكن من مفهومه. تُشكِّلُ هذه المفاهيم مادة الفكر والعقل. هناك أيضاً الانفعالات الوجدانية التي يعرفها الإنسان، كالإحساس بالألم أو اللذّة أو الخوف.

تأتي هذه القواعد كَرَدٍّ على الفلسفات المنافسة أو السابقة، فالقول بأن الإحساس هو مصدر الحقيقة يسمح بالرد على الفلسفة الريبية، التي تشبه النسبوية الدارجة في عصرنا، والتي تقول باستحالة معرفة أي شيء يقيناً وهو ما يقود إلى ضرورة «تعليق مَلَكة الحكم»، ليكون الإنسان الحكيم هو الإنسان الذي لا يُصدِرُ أي حكم، وهو ما كان يبدو لأبيقور شديد الخطورة، فهذه الفرضية تعني استحالة الأخلاق بحد ذاتها. التأكيد على الإحساس يأتي من ناحية ثانية للردِّ على الفلسفة الأفلاطونية، وغيبياتها الفكرانية، التي تريد الحط من قيمة العالم المُعاش والانتصار لعالم ما ورائي مُتخيَّل.

لم يكن أبيقور ينفر من مثالية أفلاطون فحسب بل ولم يُبدِ أي ارتباط بكلاسيكيات عصره، من مسرحٍ وشعرٍ وبلاغة، بل وكان يعتقد بأنها قد تُعمي بصيرة المرء وتُبعده عن الحكمة، وكانت الفيزياء هي ما يُعوِّلُ عليه، لتكون فيزياؤه الذرية اللَّبنة الثانية في منظومته، والتي كانت مع فيزياء ديموقريط موضوعَ أطروحة الدكتوراه لكارل ماركس. وفقاً لأبيقور، يتكون العالم من ذرات ومن فراغ، ووجود الفراغ هو ما يسمح لهذه الذرات بالحركة والالتقاء في بُنى معقدة تُشكِّلُ مختلف مواد العالم المعقدة. كل شيء مُؤلَّف من ذرات. تتألفُ الأرواح من ذرات، والرؤية هي عبارة عن وقوع ذرات خاصة Simulacre تبثها المادة المرئية نحو العين. ذرّية أبيقور هي أقربُ إلى تركة ورثها عن أحد تلامذة ديمقريط من سنوات تأهيله الفلسفي، وهو ما لا يعترف به، ولكنه يختلف عن ديمقريط من خلال مفهوم الانزياح الذي يميز هذه الذرات. يقوم مفهوم الانزياح على إسباغ بعض الصدفة والتنوع في حركة الذرات، وهو ما يسمح لذرية أبيقور بمرونة أكبر بكثير من ذرية ديموقريط الحتمية، وما يسمح بمصالحة أفراد عالمه مع مقولة الإرادة الحرة. لو لم تتميز الذرات بالانزياح، لتساقطت عند نشوء الكون بنفس الاتجاه وفقاً لناموس مُوحَّد وتحولت إلى ما يشبه لعبة التيترس. الانزياح، الذي يُميِّزُها، سمحَ عند تَشكُّل الكون بنشوء مُختلَف المواد المعقدة التي نراها ولا نراها.

تعتقد الأبيقورية بأن الآلهة أيضاً هي موادٌ مكونة من ذرات، ولا تنفي وجودها ولكنها تحرمها من قدرتها على التدخل في عوالم البشر، أي تُقصي مفهوم العناية الإلهية من قاموسها، لتكون الآلهة مجرد كائنات تسبح في النعيم الأبدي، دون أن تكترث بالبشر وبالعالم. لا يوجد أي حاجة وظيفية للآلهة في فلسفة أبيقور وعالمه، وهو ما يبدو شديد المنطقية والاتساق مع رغبة الفيلسوف في تحرير البشر من خوفهم من الآلهة. بالمقابل، لا يبد لإصرار أبيقور على وجودها أي مبرر منطقى، ولا يمكن فهم سبب إبقائها في منظومته ما لم نتذكر قاعدة المفاهيم الفطرية التي تقوم عليها هذه الفلسفة، فمفهومُ الإله شديدُ الشيوع، والذي يبدو أقربَ إلى مفهوم فطري، لا يمكن إلّا أن يشير إلى وجود مادي حقيقي.

من جهةٍ ثانية، تسمح مقولة مادية العالم وذريته بالقضاء على الغيبيات وكل أشكال العوالم الماورائية، وهو ما يسمح للإنسان بالتحرر من خوفه من الغيبيات والآلهة ومن الموت أيضاً. إن كنا مجرد تشكيلات ذرّية فإن موتنا لا يعني أي شيء. يسمح ذلك أيضاً بعلاقة أكثر استرخاءاً مع الألم، فالألم إما أن يكون عابراً، وهو ما يسمح بالصبر والسلوان، أو عظيماً وقاهراً ليمضي بسرعة إلى الموت، الذي لا يعني أي شيء أيضاً، وهو ما قد يسمح لأصحاب القناعات الأبيقورية بالسلوان أيضاً.

* * * * *

لتفسير بعض الظواهر وإثبات اتساقها مع فيزيائه، يُصرّ أبيقور على تقديم تنويعة واسعة من المقاربات، والتي قد تتناقض فيما بينها، ويؤكد على ضرورة عدم تغليب إحدى المقاربات على الباقي ما لم تسمح التجربة بذلك. لتفسير خسوف القمر مثلاً، يمكن القول إن الأرض قد حجبت نور الشمس عن القمر، أو أن ضوء القمر، إن كان القمر يعمل كشمعة ويصدر ضوؤه بنفسه، ينطفئ في لحظات معينة، أو أن جُرماً قد عبر أمام القمر فحجبه .. تأتي هذه الاستراتيجية من موقع الفيزياء في منظومة أبيقور الفلسفية، فالفيزياء لا تقدم الشروحات إلا للتأكيد على وجود أسباب مادية ذرية ميكانيكية محسوسة للظواهر، بهدف نفي الغيبيات والعناية الإلهية من تَصوُّر الإنسان لوجوده، بهدف الحفاظ على طمأنينة الروح ووقايتها من الاضطرابات والمخاوف التي يتسبب بها دخول الغيبيات والعوالم الأفلاطونية إلى تصورات الناس  وأفكارهم.

* * * * *

هناك الكثير ممّا يدفع إلى الاعتقاد بأن هذا التصور الأبيقوري كان مدفوعاً برغبته في  التحرُّر من الغيبيات التي كان يسمعها على لسان أمه، قارئة الطالع، والتي لعلّها كانت سببَ أرقه في الكثير من ليالي طفولته، والتي كانت ترسم على وجوه من يسمعها كثيراً من التعابير الغريبة التي تشهد على عظمة أثرها على النفوس. وإن كان لهكذا كلمات ذلك التأثير على الناس، يمكن لرؤية الفلسفة الأبيقورية الخالية من الغيبيات والخرافات أن تساعد الناس على تعلم سبل بلوغ السعادة والتحرر من خوفهم من الموت والغيبيات، أملاً بالوصول إلى راحة الجسد وطمأنينة الروح، لتقطع بذلك مع التقاليد السقراطية والأفلاطونية التي تدافع عن الفلسفة بوصفها وسيلةً لتعلُّم الموت.

السعادة الأبيقورية بين اللذّة والمسرّات؟

كان السجال حول معنى السعادة هو أحد أهم سجالات الفلسفة الإغريقية، والحوار الأفلاطوني الوحيد الذي كان فيه سقراط في مأزق حقيقي تَجسَّدَ في حواره مع كاليكليس، السفسطائي الداعي لمذهبِ اللذّة، ولم يوجد من يُحرِجُ فلاسفة الفضيلة كأفلاطون أكثرَ من ديوجين السينيكي/ الكلبي، والذي تُشكِّلُ سينيكيته أو كلبيته واحدة من أكثر الفلسفات اتّساقاً، والتي تدينُ لها الأبيقورية والرواقية بالكثير، والتي تعتقد بأن العيش في تناغُم شديد الراديكالية مع الطبيعة ومع الذات، كعيش الكلاب، هو أكثر أشكال العيش حكمةً.

رغم مركزية السعي وراء السعادة واللذّة في فلسفة أبيقور، إلا أنه لا يمكن مقاربة الأبيقورية بوصفها مجرد نسخة مُخفَّفة من مذهب اللذّة. يتفق أبيقور مع أريستبوس، مؤسس مذهب اللذّة، بأن السعادة هي غاية الحياة، كما يتفق على أن السعادة تعني التمتع بالمسرّات وتجنب الآلام، ولكنه يضيف بأن للمسرّات أصنافاً وبأن استخدام العقل ومزاولة الفلسفة هي ما يسمح بتحديد المسرّات التي تسمح بالسعادة. يمكن للمسرّات أن تكون ضرورية وطبيعية كالأكل عند الجوع والشرب عند العطش، ويمكنها أن تكون طبيعية دون أن تكون ضرورية كالحب وشرب الخمر أو ممارسة الجنس، فـ«الجنس لم يجلب يوماً الخير لصاحبه، والذي يمكن اعتباره سعيداً إن لم يرتد عليه بوبال». يمكن للمسرّات أيضاً أن تكون غير طبيعية وغير ضرورية كالتعطش إلى المجد والمال والسلطة والنفوذ.

تقوم الأبيقورية بتصنيف الملذّات على هذا النحو لتؤكد بعد ذلك على ضرورة الاكتفاء بالمتع البسيطة، الطبيعية والضرورية، التي تحافظ على راحة الجسد وطمأنينة الروح ليبدو أبيقور وكأنه فيلسوف «عالبساطة البساطة»، على اعتبار أن البساطة «تمرينٌ روحي»، إن استعرنا مقولة بيير آدو التي استوحاها من دراسته الأبيقورية والرواقية ومجمل الفلسفة الإغريقية القديمة. ولكن أبيقور يذهب في بساطته وزهده أبعد بكثير من الصبّوحة، فعندما يعتبرُ مثلاً بأن الحب هو واحدة من المتع الطبيعية ولكن غير الضرورية، فإنه يدعو إلى تَجنُّبها، أو الاعتدال فيها، نظراً للفقد الذي قد تنتجه وللاختلاجات واضطرابات المشاعر التي ترافقه فتمنع عن الروح طمأنينتها. الصداقة، على العكس، هي واحدة من المتع الطبيعية والضرورية، بل وتحتل مكانةً مركزيةً في الفلسفة الأبيقورية، فالصداقة هي وحدها ما قد يدفع أبيقور للموت من أجله، والكثير من خصومه من الرواقيين يشهدون على دماثته ورقته وإخلاصه مع أصدقائه، بل ويمكن اختزال حديقة أبيقور بوصفها مجمعاً لأصدقاء، يمارسون الفلسفة، المتعة الضرورية والطبيعية والتي لا يمكن دونها بلوغ السعادة.

بذلك، تبدو مقاربة الأبيقورية بوصفها فلسفةَ المسرّات أنسبَ من مقولة اللذّة، التي تذكّر باللذيذ، والتي تمتلك شحنة حسّية تساهم في تشويه صورة الأبيقورية، وتُحوِّلها إلى واحدة من عرابي المادية الاستهلاكية. والسرور في العربية، والذي تشتق منه كلمة المسرّات، والذي يشكل حالة راهصة من حالات السعادة، يبدو أقرب للسعادة التي تسمح الأبيقورية بَتخيُّلها، سعادة قائمة على طمأنينة الروح وراحة الجسد.

* * * * *

كتب أبيقور أكثر من ثلاثمائة نص، وحافظت حديقة أبيقور على وجودها طيلة قرون، بل وانتشرت الفلسفة الأبيقورية في مختلف مدن حوض المتوسط، من إيطاليا إلى مصر، إلى الدرجة التي دفعت الفيلسوف الروماني سيسيرون للشكوى من «الأبيقوريين الذين يحتلّون كامل إيطاليا»، وقد حافظت الأبيقورية على حضورها وازدهارها حتى القرن الثالث بعد الميلاد. وإن كان للفلسفة الأبيقورية منذ نشأتها الكثير من الخصوم، وبخاصة بين الرواقيين، وإن استفزت البعض إلى درجة دفعهم للافتراء عليها، كما كانت الحال مع سيسيرون والرواقي بلوتارك، فإن الأكيد بأن صعود المسيحية قد لعب الدور الأكبر في اندثارها، فالمسيحية هي النقيض الموضوعي لكلِّ ما في الأبيقورية تقريباً، والوجود لا يبدأ بذرات وإنما بتلك الخطيئة الأصلية التي اقترفها الإنسان في ملكوت السماء، ليكون الإنسان بذلك مجبولاً من الخطيئة، ولا أمل لروحه الخالدة بالخلاص إلا عبر شفاعة المسيح وعنايته. تتطلب الفضيلة، وفق هذه الرؤية، التخلي عن كل ملذات الأرض، فالعيش بحد ذاته خطيئة وهو ما تشهد عليه رغبة الإنسان في البحث عن السعادة والملذّات الزائلة بدلاً من الانصراف إلى التقوى.

نجحَ الرواقيون الرومان في تشويه صورة الأبيقورية، وتمكنت المسيحية من استكمال المهمة للدرجة التي دفعت دانتي، والذي كان قد وضع جميع الفلاسفة الإغريق في ردهة اللّايقين، إلى استثناء أبيقور من ذلك ووضعه في الحلقة السادسة من الجحيم. حتى اليوم، تحتفظ بعض اللغات اللاتينية ببعض آثار هذا الازدراء للأبيقورية، فالتعبير الفرنسي «خنزير أبيقوري» يُستخدَم لتوصيف من يلاحقون متعهم ولذّاتهم دون أي حسبان، لتبدو حياتهم وكأنها لا تدور إلا حول بطونهم وأعضائهم الجنسية.

قد يدفع التناقض الصارخ بين الأبيقورية الباحثة عن المسرّات والرافضة للعناية الإلهية والغيبيات من جهة، والمسيحية الداعية إلى الانصراف عن كل مسرّة وإلى انتظار الخلاص السماوي، إلى استحضار نيتشه والتساؤل عن مدى دَينه لأبيقور وفلسفته، فالعداء الكبير الذي يكنه نيتشه للمسيحية والماورائيات الأفلاطونية، والقناعات والأفكار التي يمكن أن تتملك العقول وتبث فيها المخاوف فتمنع عنها الحياة، تبدو أقربَ لانتقام أبيقوري من المسيحية التي كَسفَت حضوره. بالمقابل، تبدو مقاربة نيتشه للسعادة أكثر حسّيةً وأكثر التصاقاً بالمقاربة السينيكية، كما يبدو حماسُهُ للحياة أكثر تعطُّشاً من تلك الرؤية الزاهدة والمترفّعة التي يقترحها أبيقور، والتي تقود نيتشه إلى اعتبار الأبيقورية أقرب إلى مسيحيةً وثنية.

الأبيقورية؛ جوهر الحداثة؟

لم يصلنا من كتابات أبيقور إلا عدد قليل جداً من النصوص، ولم تصلنا الأبيقورية إلا بفضل ما نقله عنها ديوجين ديوجانس اللايرتي، طبري الفلسفة في عصرها الأول، أو بفضل قصيدة الشاعر الأبيقوري لوكريس «في طبيعة الأشياء»، والتي لم تعاود الظهور والانتشار إلا في بدايات النهضة.

في كتابه الانزياح، أو كيف بدأت النهضة، يروي الكاتب الأميركي ستيفان جرينبالت قصة استعادة هذه القصيدة، ويحولها إلى الحدث المُؤسِّس لبداية النهضة، ولخروج أوروبا من «ظلمات العصور الوسطى» نحو عالم الحداثة. كانت مخطوطة الشاعر الأبيقوري، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، المصدر الرئيسي للاطلاع على فلسفة أبيقور وفيزيائه، هي ما ألهمَ، بشكل مباشر أو غير مباشر، الكثير من فلاسفة الحداثة ومفكريها، من جاسيندي إلى ديكارت وهوبز ولوك وبيركلي وسبينوزا ونيوتن .. لتتسرَّبَ مقولاته عن مادية الوجود وذرّيته، وعن غياب العناية الإلهية وعدم خلود الروح والأخلاق المستندة على المنفعة واللذّة، إلى فكر هؤلاء وعلومهم وتُساعِدَهم على استكمال قطيعتهم مع الأرسطية السكولائية السائدة يومها وعلى التصالح مع اكتشافات العلوم الحديثة وتطوراتها. صحيحٌ أن جائزة بوليتز التي حظي بها الكتاب لم توفر عليه الكثير من الانتقادات التي لامته على سرعة استنتاجاته وتعسُّفه، إلّا أن أعمالاً أخرى أكثر جدية تؤكد على وجود الكثير من بصمات أبيقور في عالم الحداثة الفلسفي.

فإن كان بيير جاسيندي أول من استدعى أبيقور للرد على فلسفة ديكارت ومثاليتها ومثنويتها بتجريبية أبيقور وذرّيته، إلا أن قيام ديكارت نفسه بشطر الوجود إلى مملكة للمادة تسودها مقولات الميكانيك والعلوم الصاعدة ومملكة للروح تسودها المقولات المستمدة من الفلسفة السكولائية، يمكن أن يُذكِّرنا أيضاً بموقف أبيقور من الآلهة، التي إن كان لا ينفي وجودها، إلا أنه لا يعطيها أي قدرة على التأثير في العالم، الذي تصنعه الذرات وتحركاتها وانزياحاتها في الفراغ.

الأخلاق الأبيقورية التي تقوم على «السعي وراء السعادة»، وفقاً لاسم الفيلم الهوليودي الشهير أو للصيغة التي تتصدر الدستور الأميركي، والتي تعتبر بأن السعي وراء السعادة يعني السعي وراء المسرّات التي تسمح براحة الجسد وطمأنينة الروح، تمتلك الكثير من التقاطعات مع الفلسفة النفعية الإنجلوساكسونية، والتي تشكل أحد أكبر روافد الليبرالية المهيمنة على عالمنا الحديث.

بدورها، تبدو مقولة ذرية العالم شديدة الإغراء للتفكير بالأبيقورية بوصفها فلسفةً طليعية، تَمكَّنت من الوصول إلى مقولات كبرى قبل العلم الحديث بعشرات القرون، ولكن ما يبدو لي أكثر إغراءاً وأكثر اتّساقاً مع عالم الحداثة هو رفضُ الأبيقورية لمقولة العناية الإلهية والتأكيد على رؤية عدمية للواقع المادي، لا تسبغ عليه أي معنى متعالٍ، وهو ما تعجز عن تقبّله بعض ألمع العقول العلمية حتى يومنا هذا، فحتى أينشتاين كان يعتقد بأن الله لا يلعب النرد.

بين الاستقالة السياسية والجذرية الإيكولوجية؟

رغم أن فلسفة أبيقور ترتكز على أسئلة الأخلاق وسعادة الفرد بعيداً عن المدينة ورغماً عنها، إلا أن بعض ما تبقى من نصوص هذا الفيلسوف يُظهِرُ أنه اشتبك مع الكثير من أسئلة السياسة، بل وهناك ما يدعو إلى اعتباره واحداً من آباء التعاقدية. فإن لم يعتقد أبيقور بوجود عدالة كونية أو عدالة متعالية على البشر، إلا أنه اعتقدَ بضرورة مقاربة العدالة بوصفها اتفاقاً، أو عقداً، بين بشر يسعون إلى تنظيم حياتهم المشتركة بما يسمح بردِّ الضرر، ضررهم على الآخرين وضرر الآخرين عليهم.

بالمقابل، تصرّ الفلسفة الأبيقورية على ضرورة الحذر واعتزال المدينة وعلى العيش خفيةً، فالحذر هو أبو الفضائل وهو ما قد نحتاجه في احتساب المسرّات التي يجب أن نرتجيتها والمسرّات والملذّات التي ينبغي علينا تَجنُّبها لضمان راحة الجسد وطمأنينة الروح، والحكيم هو من ينزوي على نفسه ويبتعد عن المدينة/الفضاء العام، فلا يزاول السياسة بل يحيا مع أصدقائه في مجتمعات طرفية، جَسَّدتها حديقة أبيقور في أثينا، فيجنّبُ نفسه الاختلاجات والاضطرابات والانفعالات التي قد تتسبب بها هكذا أنشطة خطيرة. يمكننا بذلك مقاربة الأبيقورية بوصفها مدرسة من مدارس التنمية البشرية، وهو ما لا يجب استغرابه في عوالم الفلسفة الإغريقية، التي تقاربُ الفلسفة بوصفها فناً للعيش. يمكننا أيضاً اعتبارها عرّابة علم النفس الإيجابي، الذي يحاول التركيز على الجوانب الإيجابية، لا المرضية، في النفس البشرية، والذي عرفَ زخماً كبيراً في العقود الأخيرة.

ولكن هذه الأبيقورية التي تدعونا إلى استحضار صورة الحكيم كما تَرتسمُ في مخيال عموم السوريين، تبدو أقرب إلى دعوة إلى الإستقالة السياسية. لا يبدو ذلك بعيداً عن خلاصات الحكمة السورية التي تدور حول  الزهد والترفُّع عن الصغائر والانطواء على الذات حتى الاستقالة من الحياة الواقعية، والاكتفاء بالإقامة في فقاعة خاصة أو برج عاجي، ويشهد على ذلك الكثير من حكماء الدراما السورية، كما هي الحال في الأدوار التي جسّدها أيمن زيدان في مسلسل على طول الأيام أو تيم حسن في التغريبة الفلسطينية. الطبقات الوسطى العليا في المجتمعات الغربية، وافرة الثقافة والتعليم، والتي تمتلك من الأمان الاقتصادي ما يسمح لها بالعيش باسترخاء معقول، تقدم بدورها تجسيداً أكثر اكتمالاً للأبيقورية في عالمنا. فإن كانت ضغوطات الواقع السوري هي ما دفعت حُكماءه إلى هذه الأبيقورية، فإن هذه الشرائح في المجتمعات الغربية تبدو وكأنها قد ذهبت إلى الأبيقورية بمحض إرادتها الحرّة. تمتلك هذه الطبقات علاقة شديدة النقدية بالمادية الاستهلاكية التي تسود مجتمعاتها، وشديدة الاهتمام بسؤال الحفاظ على البيئة والعيش في تناغُم معها، كما يحاول أفرادها عيشَ حيواتهم باعتدال، ولا يتوقفون عن الاشتغال على ذواتهم، وترتبط مَسرّاتهم بعوالم الفكر والثقافة والفنون. سياسياً، غالباً ما تُصوِّت هذه الشرائح لليسار، الإصلاحي، ولكنها لا تستعدُّ للمضي أبعد من ذلك، وخاصةً حين تتعقد المسائل، كما حصل في لحظة غزة وغيرها، بما يجعلها شديدة السلبية سياسياً، أو بكلمات أخرى، أقربَ للمحافظة حين يتطلب الأمر سياسةً أكثر جذرية. بالإضافة، تبدو هيمنة هذه الأبيقورية على مخيال الطبقات الوسطى الغربية واحدة من أسباب تآكل حيويتها السياسية، والتي لم تبلغ ذروتها إلا عندما تَسيَّدت مِخيالها طبقاتٌ مغامرة، أكثر طموحاً وأقل ترفّعاً كالطبقات العاملة أو البرجوازية، وهو ما يشهد عليه تصالح هذه المجتمعات مع سردية «نهاية التاريخ»، بعد أن دفعتها الطبقات العاملة إلى اعتناق السردية الشيوعية.

بالمقابل، لا يمكن اتهام الأبيقورية بالفردانية والسلبية السياسية بهذه البساطة. تدعو الأبيقورية إلى الانسحاب من المدينة وعدم مزاولة السياسة، ولكن وَصفتها لبلوغ السعادة، والتي تُجسِّدها حديقة أبيقور، تتضمن لقاء الأفراد في إطار جماعات Communities أو مجتمعات مضادة، قوامها الصداقة والفلسفة، وهو ما يمكن أن يذكرنا بالمجتمعات الأناركية والبوهيمية وبعض التجارب الثورية التي اختمرت في أحشائها الكثير من الأفكار والممارسات والتي انتقلت إلى المجتمعات الأم، كدور التجمُّعات الطلابية في جامعة بيركلي في حركة الحقوق المدنية. الدور الذي لعبه تطبيق الديسكورد، والذي يسمح بخلق نواة الكترونية للتجمُّعات، في احتجاجات الجيل Z في المغرب يعطي مثالاً على التسييس الذي يولد في هذه التجمُّعات التي نشأت في البداية للاستمتاع بألعاب الفيديو الجماعية. بكلمات أخرى، فكرة الكومينتي، في لحظات استحالة السياسة، كما هي أحوالنا اليوم، ليست بتلك السلبية التي تحاول إظهارها. بالإضافة، ورغم صعوبة تقبل هذا الكلام لدى السوريين الذين أجبروا على العيش في منظومة من الزهد الإجباري ومن غياب كل آثار العالم الاستهلاكي الذي كانوا يشاهدون بعض ملامحه على التلفاز، فإن الزهد والتقشف الذي تقوم عليه السعادة الأبيقورية يمتلك اليوم أيضاً شحنة سياسية شديدة الإلحاح في عالم قد يصل إلى حتفه إن واصل تبنيه للنموذج الاستهلاكي السائد، وهو ما يؤكد عليه مفهوم «التقشف السعيد» الذي عرفَ بعض النجاح في عوالم بعض الإيكولوجيين كتجربة الفرنسي بيير ربحي، وهو المفهوم الذي يجعل من الأبيقورية واحدة من أكثر فلسفات العصر جذريةً.

وإن استحضرنا سوريا، وعموم المنطقة العربية، بعد فشل الربيع العربي ونجاح النظام الرسمي العربي في إعادة إنتاج نفسه في سائر البلدان المنتفضة، وفشل الثورات العربية في إفراز تعبيرات سياسية جامعة وملهمة وقادرة على التفاعل مع الحشود المنتفضة لتحويل شعاراتها إلى برامج وتنظيمات سياسية قادرة على الحياة، والتي تشبه في تيهها أيام تشظي الامبراطورية المقدونية، فإن خيارَ الانسحاب من الفضاء العام نحو فضاءات صغرى، ميكروية، تحتفي بالصداقة/الرفاقية وبالفكر، وتحاول التفكيرَ بجدية في مآزق مجتمعاتها والتأسيسَ لقوى وسلطات مضادة، يبدو فعلاً أكثر جذرية وعملية بكثير من محاولة هز الرأي العام عبر منشورات الشبكات الاجتماعية.

«العيش كإله بين البشر»، حقاً؟

كأغلب السوريين، عشتُ في ظلال الثورة والعنف الذي خبره المجتمع السوري بعد انفجارها، وفي ظلال الحروب الأهلية وحروب الوكالة وإرهاب البراميل والسكاكين. عشتُ لحظة سقوط نظام الأسد، وأعيشُ إحباطات هذه الأيام. أشعرُ بالكثير من الأشياء، ولكنني أشعر بكل تأكيد بالكثير من التعب.

تجتذبني لذلك راحةُ الجسد وطمأنينة الروح الأبيقورية بشدة، بزهدها ومسرّاتها، بتعويلها على الفلسفة والصداقة، وبمقاربتها العقلانية الباردة للواقع المادي والغيبيات، وأكادُ أُصدِّقُ أبيقور حين يقول بأن اتّباع تعاليمه يُحرّرنا من خوفنا من الموت والغيبيات ويساعدنا على العيش وسط المسرّات التي تضمن راحة الجسد وطمأنينة البال إلى الدرجة التي سنشعر بها وكأننا آلهة بين البشر. ولكنني بالمقابل أشعر بأنني لا يمكن أن أكون أبيقورياً خالصاً. قد تسمح الأبيقورية بالكثير من المسرّات في عالمٍ منزوع السحر، ولكنها تبدو في مَطافها الأخير مجرد علم نفس إيجابي يحاول أن يُجابه قسوة الحياة وعدميتها بالترفع والزهد وبعض الحيل والتمارين. أبيقور نفسه، والذي يعطيه تلاميذه هالةً أقرب للنبوة، إلى درجة يقول فيها الشاعر الرواقي سينيك، المتعاطف مع الأبيقورية، بأن «الأبيقوري يجب أن يتصرف وكأن أبيقور يشاهده»، أبيقور الذي اشترط توريث حديقته لمن يقوم بترديد تعاليمه وتعليم فلسفته والذي كتب أكثر من ثلاثمائة كتاب، يبدو هو نفسه عاجزاً عن ضبط عطشه إلى المجد وحاجته إلى الخلود.

من ناحيةٍ ثانية، واحدة من مشاكلي الكبرى مع الأبيقورية تتجسد في فردانيتها. نُولد من رحم إحداهنّ، ولا يمكن أن نولد إن لم يقم أحدهم باقتلاعنا من ذلك الرحم. نقضي طفولتنا، بالغة الطول بالمقاربة مع باقي الكائنات، مع أخوة وأخوات وآباء وأمهات وأقارب وجيران وأصدقاء ومعارف، نتعلم منهم ومعهم كيف نحيا ويُسهم تفاعُلنا معهم في تَشكُّل ذهنيّتنا وذاكرتنا وخبراتنا ومهاراتنا ومجمل كينونتنا. بالتالي، حتى لو امتلكنا حكمة أبيقور وحاولنا خوضَ حياتنا وفقاً لتعاليمه، فإن الروابط التي قد نَسجناها قبل ذلك قد تجعل هذه المهمة مستحيلة.  قد نكون تَورَّطنا في علاقة عاطفية قبل امتلاكنا هذه الحكمة، وقد تكون هذه العلاقة مع شريك لا يتفق معنا في خيارنا الأبيقوري، أو قد نُرزَق بأخ أو ابن طائش، لا نستطيع التخلي عنه، وقد نضطر إلى إعالة أهلنا والعمل، أو إلى مرافقة صديقنا في مظاهرة … بكلمات أخرى، يتطلب تبني الأبيقورية لحظة قطيعة كبرى، نتجرّد فيها من كل روابطنا قبل أن نبدأ «الحياة الحقة»، في حديقة أبيقور، ولكن ذلك شديد القسوة، وقد يتطلب عمراً كاملاً، وهو ما يجعلنا لا نصل إلى هذه الحديقة وحياتها الحقّة إلا في سن التقاعد، لتصبح هذه الحدائق أقرب إلى مأوى للعجزة.

بكلمات أخرى، وإن انتظرَ الكهل التونسي حتى سنواته الستين ليشهد تلك اللحظة التاريخية، فإنني لم أبلغ الأربعين إلّا وكنتُ قد شهدتُ عشرين لحظة تاريخية. صحيح أنني أتمنى اليوم لو أستطيع أن أمحو كل هذه اللحظات التاريخية من مخيلتي. أن أعود إلى مدينتي وأن أستعيد بعض أيام الشباب الأولى. تلك الأيام التي كانت تعني السهر في الكروم. تلك الكروم التي تحتفي بالصداقة والنقاش والسهر ورائحة اليانسون والنار. تلك الكروم التي تقبع في الجبال. ولكن تلك الكروم تطلّ على أضواء المدينة. وهل يمكننا العيش دون المدينة؟