ترى المبعوثة الأميركيّة السابقة إلى لبنان مورغان أورتاغوس أنّ التحوّل الذي أصاب “الحزب” منذ خريف 2024 لم يغيّر ميزان القوى العسكريّ في لبنان فحسب، بل فتح نافذة نادرة لإعادة صياغة مستقبل البلاد وعلاقتها بإسرائيل وإيران، وأوجد فرصة لتمكين الدولة اللبنانيّة من استعادة المساحات التي شغلها “الحزب” سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً. لكنّها ترى أنّ هذه الفرصة تصطدم بمعضلة أساسيّة: كيف يمكن للدولة أن تحلّ محلّ “الحزب” في الجنوب من دون موارد ضخمة؟ كيف يمكن إقناع المانحين بتمويل إعادة الإعمار من دون ضمان ألّا يستعيد “الحزب” نفوذه؟ كيف يمكن معالجة مسألة سلاحه من دون التعامل مع إيران، الطرف الأساسيّ وراء تمويله وتسليحه؟
في مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيليّة، تقول أورتاغوس، التي تولّت عام 2025 ملفّ العلاقات الإسرائيليّة – اللبنانيّة في إدارة الرئيس دونالد ترامب، إنّ لبنان وإسرائيل قطعا “نصف الطريق نحو الهدف المنشود”، لكنّها ترفض تحديد موعد يمكن فيه الوصول إلى اتّفاق نهائيّ، موضحة أنّ الدبلوماسيّة ليست “مباراة كرة قدم” يمكن معرفة متى يأتي فيها الهدف الحاسم.
فرصة السّلام
بحسب أورتاغوس، يمثّل احتمال السلام بين بيروت وإسرائيل إحدى أهمّ الفرص وأكثرها هشاشة في المنطقة منذ عقود، وتعتقد أنّ هذه الفرصة نشأت من الضعف الكبير الذي أصاب “الحزب” وتغيير ميزان القوى بين إسرائيل ولبنان وإيران. والأهمّ، وفق روايتها، أنّ الدفع نحو السلام لم يبدأ من واشنطن، بل من لبنانيّين أبلغوها بأنّ اللحظة الحاليّة ينبغي استغلالها. وتنقل عنهم قولهم: “علينا السعي نحو السلام، فالفرصة متاحة الآن أو لن تكون متاحة أبداً”.
تحدّد أورتاغوس أيلول 2024 بوصفه نقطة التحوّل الأساسيّة، عندما تعرّض “الحزب” لضربات إسرائيليّة استهدفت قيادته وبنيته التحتيّة العسكريّة. تربط أورتاغوس بين مقتل نصرالله ومقتل قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوريّ الإيرانيّ قاسم سليماني على يد الولايات المتّحدة خلال ولاية دونالد ترامب الأولى. وتقول إنّها اعتبرت آنذاك أنّ واشنطن حصلت على فرصة تاريخيّة لزيادة الضغط على طهران، لكنّها شعرت لاحقاً بأنّ تلك الفرصة أُهدرت.
لذلك، عندما قُتل نصرالله، كان ردّ فعلها، كما تروي: “قلت لنفسي: لا يمكننا إهدار هذه الفرصة”. غير أنّ الفرصة، تضيف أورتاغوس، لم تكن مجرّد إمكانيّة لإضعاف “الحزب” عسكريّاً، وإنّما فرصة “لتغيير لبنان ذاته”. وتقول إنّ اتّصالاتها اللبنانيّة أظهرت حماسة لاحتمال السلام والتطبيع بعد التغيير الذي طرأ على وضع “الحزب”.
تشدّد أورتاغوس على أنّ لبنان لا يمكن اختزاله بـ”الحزب”، وتقول: لقد شكّل “الحزب” مشكلة هائلة. فمن الواضح أنّه يمثّل خطراً أمنيّاً، لكنّ لبنان أكبر بكثير منه. ونفوذ “الحزب” ليس بالسلاح وحده، بل بالطبيعة المعقّدة للمجتمع اللبنانيّ وعلاقات طوائفه المختلفة بـ”الحزب”. فلقد استطاع ترسيخ وجوده في الجنوب لأنّه ملأ فراغاً تركته الدولة. ووفّر للسكّان خدمات مثل الرعاية الصحيّة والبنية التحتيّة والتعليم، في وقت تخلّت الحكومة اللبنانيّة تماماً عن مسؤوليّتها. وتوضح فكرتها بالقول: “إذا كنتِ أمّاً في جنوب لبنان، فإنّ هذه الجهة هي التي كانت توفّر الرعاية الصحيّة والبنية التحتيّة والتعليم لأطفالكِ”.
معضلة إعادة إعمار الجنوب
تعتبر أورتاغوس أنّ إضعاف “الحزب” بعد الحرب فتح المجال أمام الدولة اللبنانيّة لاستعادة هذه المساحة سياسيّاً واقتصاديّاً، ثمّ عسكريّاً في نهاية المطاف. إلّا أنّ المشكلة، كما تقول، تكمن في المال. وتتساءل: “لماذا ينفق المانحون مليارات الدولارات على إعادة إعمار الجنوب إذا كان “الحزب” سيعود في النهاية؟”. وتصف ذلك بأنّه معضلة “البيضة والدجاجة”. فالحكومة اللبنانيّة تحتاج إلى الأموال والموارد كي تتمكّن من الحلول محلّ “الحزب”، لكنّ المانحين يريدون في المقابل ضمانات بأنّ “الحزب” لن يعود ليستولي على ما جرت إعادة بنائه.
تضع أورتاغوس الطائفة الشيعيّة في قلب هذه المعادلة، إذ تعتقد أنّها قد تكون الجمهور الأكثر أهميّة لأيّ اتّفاق سلام مستقبليّ بين لبنان وإسرائيل. وتطرح ما تصفه بـ”سؤال المليار دولار”: كيف يمكن جعل الشيعة اللبنانيّين يدركون أنّ حياتهم ستكون أفضل بمراحل من خلال إقامة علاقات طبيعيّة مع إسرائيل، مقارنةً بالاستمرار لعقود أخرى في التبعيّة لإيران؟
ترى أنّ البديل ليس بالضرورة ضمانة أمنيّة أميركيّة أو حزمة أخرى من المساعدات الدوليّة، وإنّما إمكانيّة إقامة علاقات طبيعيّة مع إسرائيل باعتبار البلدين جارين، قائلة: “إسرائيل ولبنان جاران. وإذا كان لأحد أن ينعم بالسلام، فينبغي أن يكونا هما”. وتضيف أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ يمكن أن تصبح أداة دبلوماسيّة غير متوقّعة، مشيرة إلى أنّ لبنانيّين وإسرائيليّين يلتقون بالفعل في الخارج ويكتشفون أنّهم يتشاركون اهتمامات وثقافة وطعاماً وروح دعابة. لكنّ هذه اللقاءات، بحسب قولها، لا تزال محصورة إلى حدّ كبير في النخب، فيما يجب نقل هذا التفاعل إلى الناس العاديّين، ولا سيّما المجتمعات التي تعيش بالقرب من الحدود.
تعتبر أورتاغوس أنّ إسرائيل أخطأت عندما تعاملت في البداية مع لبنان من منظور تكتيكيّ ضيّق. تتفهّم أنّ حرب غزّة وتعدّد الجبهات فرضا أولويّات أمنيّة على إسرائيل، لكنّها تقول إنّ اهتمامها انصبّ على أسئلة مثل: أين ينقل “الحزب” السلاح؟ أين توجد أنفاقه؟ ما الذي يخفيه تحت المنازل؟
ترى أنّ هذه الأسئلة كانت ضروريّة أمنيّاً، لكنها لم تشكّل استراتيجية شاملة تجاه لبنان. وتقول إنّها حاولت إقناع المسؤولين الإسرائيليّين بأنّ أمامهم فرصة تاريخيّة تتجاوز معالجة التهديدات العسكريّة الآنيّة. وتستشهد بخطاب الرئيس اللبنانيّ جوزف عون عقب انتخابه، معتبرة أنّه أظهر انفتاحاً على صنع تاريخ جديد بين لبنان وإسرائيل وعلى مسار نحو السلام، بينما استمرّت إسرائيل لفترة في التعامل مع الملفّ اللبنانيّ بصورة تكتيكيّة بسبب تعدّد الملفّات التي تواجهها.
تقول أورتاغوس إنّها باتت أكثر تفاؤلاً إزاء المحادثات التي يقودها وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو والسفير الأميركيّ لدى لبنان ميشال عيسى ومسؤولون آخرون، لكنّها تحذّر من توقّع نتائج سريعة، مذكّرة بأنّ اتّفاقات أبراهام نفسها احتاجت إلى سنوات قبل الوصول إليها.
إيران “الفيل الضّخم داخل الغرفة“
لا تفصل أورتاغوس مستقبل لبنان عن الصراع الأوسع مع إيران، التي تصفها بأنّها “الفيل الضخم في الغرفة”. وتقول إنّ أموال “الحزب” وأسلحته ومعدّاته تأتي من طهران، وإنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ بات، بحسب تقديرها، يمارس سيطرة عمليّاتيّة متزايدة على “الحزب”. وترى أنّ نزع الطابع العسكريّ عن “الحزب” في نهاية المطاف يجب أن يرتبط بالاستراتيجية الأميركيّة الأوسع تجاه إيران. لكنّها تحذّر في الوقت نفسه من اعتبار العقوبات استراتيجية مكتملة، قائلة إنّ العقوبات وحدها لا تسقط الأنظمة، وإنّما هي “تكتيكات وليست استراتيجية”. وترى أنّ المطلوب هو الجمع بصورة متماسكة بين الأدوات الاقتصاديّة والعسكريّة والدبلوماسيّة.
