من لا يعرف حكّام الخليج العربي جيداً، ولا يعرف معنى “العتب” أو “الزعل” أو حتى “الغضب” عندهم، لا يعرف بالضبط حقيقة قواعد هذه المشاعر وكيفية تطورها، ويعتقد خاطئاً أنّها غضبة لا نهاية له وأنه “خصام إلى الأبد”، ولا يعرف قواعد عودة العلاقة إلى سابق عهدها. من هنا يغيب فهم طبيعة الصعود والهبوط المتعدد في العلاقات بين أبوظبي والرياض في السنوات الأخيرة.
يقول مصدر خليجي مطلع على ملف هذه العلاقات ولعب دوراً في الوساطة والإيجابية بين البلدين الآتي:
- المسألة بين البلدين ليست مسألة شخصية بين أبو خالد (الشيخ محمد بن زايد) وبين أبو سلمان (الأمير محمد بن سلمان)، ولكنها تعود إلى مصالح موضوعية.
- يشرح المصدر تفسير “المصالح الموضوعية” بأنها مسألة تضارب مصالح يفرضها اختلاف موقف كل طرف من كل ملف خلافي.
- يعود المصدر ويؤكد بأنه إذا كان في السياسة العالمية مبدأ يقول لا يوجد مصالح أو محرمات دائمة، فإن السياسة لدى أهل الخليج العربي تفرض عليهم دائماً بأن مصالحهم لا تحتمل علاقات دائمة.
من هنا يمكن فهم أن الخلاف السياسي في هذه المنطقة “مؤقت دائم” يظهر ويختفي تبعاً لطبيعة الأزمة واشتدادها. مثلاً كان هناك توافق وصل إلى حد التحالف العسكري في التعامل مع الصراع اليمني – اليمني بسبب تهديده للأمن القومي العربي. وصل التحالف إلى حلف مكتوب بالدم بين القوات المسلحة للبلدين، وكانت لهذه العلاقة فاتورة بالمال والسلاح والشهداء والجرحى. بعد ذلك اختلفت الرؤى بين قيادة أهل الجنوب وأهل الشمال بين البلدين وارتفعت نبرة التشدد. انتهى الأمر بخروج قوات الإمارات في الجنوب.
مفاعيل الحرب على إيران
بعدها بأيام ظهرت ما صنعته الحرب الأميركية- الإيرانية. هنا، وعند لحظة الشعور بالخطر، لأنها من طرف غير عربي، من طرف فارسي، من طرف طائفي، من طرف المسألة معه هي مسألة تناقض رئيسي وليس خلاف بين أشقاء يأتي ويذهب بشكل مؤقت، كان لا بد من عودة الجسور بقوة بين الطرفين. هنا يتضح تماماً أن ما بين السعودية والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى هو تناقض رئيسي، وما بين الدولتين الخليجيتين من خلاف هو “تنافس منطقي”.
سخنت حرارة الهواتف المباشرة بين أبو سلمان وأبو خالد، وبين قادة الأسلحة وجهات الاستخبارات للتنسيق في مواجهة جنون المسيرات والصواريخ الآتية المباشرة من طهران ووكلائها. هنا يأتي السؤال: وما هي طبيعة مستوى العلاقات بين الرياض وأبو ظبي الآن؟
طرحت هذا السؤال بشكل مباشر على سيّد الدبلوماسية الرصينة في أبوظبي الدكتور أنور قرقاش مستشار رئيس الدولة للشؤون الدبلوماسية، في حوار معه في قمة المنتدى الإعلامي، وفرد الرجل حرفياً على النحو التالي: ” أمن المملكة من أمن دولة الإمارات وهذا الأمن مترابط لا ينفصل في كافة المجالات”. عاد وقال: “ليس لنا أي مصلحة في أي ضرر يصيب أمن المملكة، والعودة القوية مصلحة لنا”. حين سألته عما إذا كانت الخطوط بين الرياض وأبوظبي مفتوحة قال “بالطبع ولا تنقطع على كل المستويات”.
هل هذا يعني أن خلافات البلدين حول اليمن والسودان وليبيا وإسرائيل والنفوذ والتنافس التجاري قد انتهت؟
العارف ببواطن الأمور في العلاقات بين البلدين يؤكد أن الاختلاف كان وما زال موجوداً لكنه لا يعني القطيعة، بل يعني وضع الأولوية للخطر الإيراني قبل أي شيء آخر. خلاف البلدين مع بعضهما البعض يتضاءل حين يأتي “غريب” من خارج القبيلة الخليجية. وكما قال لي مصدر: “مشاكلنا نخن نعرف كيف نتعامل معها عاجلاً أم آجلاً”. كما يصفون الجهل بالخليج: مثل ذلك الذي لا يعرف الصقر فيشويه!
