ملخص
تواجه أفريقيا فرصة ديموغرافية استثنائية مع انتقال ملايين الشباب إلى سن العمل وانخفاض معدلات الخصوبة، مما قد يطلق موجة نمو اقتصادي وديمقراطي غير مسبوقة. لكن هذه الفرصة من الممكن أن تنقلب إلى مصدر لعدم الاستقرار إذا عجزت الحكومات عن توفير التعليم والرعاية الصحية والوظائف والإصلاحات المؤسسية. ويظل التحرك اليوم حاسماً لضمان أن يصبح التحول السكاني محركاً للازدهار لا وقوداً للاضطرابات.
لعقود، عزا مراقبون بطء النمو الاقتصادي في أفريقيا إلى الفساد وضعف المؤسسات وسوء القيادة. لكن هذه التفسيرات تغفل عاملاً أعمق تأثيراً. فالمتغير الأقوى على الإطلاق في تحديد سرعة النمو الاقتصادي والاستقرار وفرص ترسيخ الديمقراطية في البلدان الأفريقية يتمثل في التركيبة العمرية لسكانها.
تميل الدولة إلى تحقيق أعلى مستويات الإنتاجية عندما ينخفض معدل الخصوبة فيها بما يكفي لجعل عدد البالغين في سن العمل يفوق عدد الأطفال والمسنين الذين يحتاجون إلى الرعاية. وعندما يشكل الشباب البالغون نسبة كبيرة من السكان، ويكونون متعلمين وأصحاء وقادرين على العثور على عمل، يمكن للاقتصاد أن ينطلق بقوة. كذلك، تميل المجتمعات ذات السكان الأكبر سناً إلى أن تكون أكثر ديمقراطية وأقل عنفاً من المجتمعات الأصغر سناً.
ولا يزال معدل الخصوبة في أفريقيا يعادل تقريباً ضعف نظيره في أميركا اللاتينية وجنوب آسيا، فيما يبلغ العمر الوسيط في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى اليوم 19.5 سنة، مقارنة بـ29.0 سنة في جنوب آسيا و34.0 سنة في أميركا الجنوبية و43.0 سنة في أوروبا. لكن من المتوقع أن تنفتح “النافذة الديموغرافية” الرئيسة في كثير من البلدان الأفريقية خلال بضعة عقود، ومع انتقال ملايين الأفارقة إلى سن العمل، يمكن للنمو الاقتصادي في القارة أن يتسارع بقوة، غير أن الظروف نفسها التي يمكن أن تطلق العنان للازدهار والديمقراطية قد تؤدي أيضاً إلى انفجار الأوضاع إذا أسيء حكم البلاد. وإذا لم تتوافر وظائف كافية، فمن المحتمل أن يثور الشباب البالغون أو تستميلهم وعود الحكام الأقوياء. لذلك يتعين على البلدان الأفريقية أن تبدأ اليوم بالاستعداد للحظة الفرصة المقبلة.
على قدر العمر
لا تزال آفاق الازدهار في أفريقيا تتحدد إلى حد كبير بعوامل ديموغرافية. وتضم القارة حالياً 22 دولة منخفضة الدخل و23 دولة من فئة الدخل المتوسط الأدنى. ولأن البلدان الفقيرة تملك رأس مال محلياً محدوداً ولا تجتذب سوى قليل من الاستثمارات الأجنبية، فإن العمالة تشكل المحرك الأساس للنمو الاقتصادي. ووفقاً لتحليل يستند إلى منصة “المستقبل الدولي” للتنبؤ التابعة لـ”مركز باردي”، يميل النمو إلى التسارع عندما يبلغ عدد الأشخاص في سن العمل 1.7 شخص في الأقل مقابل كل طفل أو مسن. لكن المتوسط القاري اليوم لا يتجاوز 1.4 شخص في سن العمل مقابل كل شخص معال.
ومع انتقال البلدان إلى فئة الدخل المتوسط، يصبح توافر رأس المال أكثر أهمية من العمالة في دفع النمو الذي تقوده الصناعة والخدمات. وكلما ازداد ثراء البلدان، أصبحت التكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى مثل القطاع المالي، العامل المهيمن تدريجاً في دفع التوسع الاقتصادي، متجاوزة العمالة ورأس المال معاً. واتبعت الصين وما يعرف باسم “النمور الاقتصادية” الآسيوية، وهي هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، نمطاً مماثلاً: ففي البداية قادت النسبة الكبيرة من السكان في سن العمل النمو السريع، ثم أضاف تراكم رأس المال ونقل التكنولوجيا مزيداً من الزخم.
لم يستفِد معظم البلدان الأفريقية بعد من التركيبة الديموغرافية التي أطلقت اقتصادات تلك البلدان الآسيوية. وتأخر التحول الديموغرافي في أفريقيا بسبب عبء تاريخي استثنائي الثقل. فتباطأ تحول القارة مقارنة بمناطق أخرى، أولاً بسبب استنزاف السكان في سن العمل من خلال تجارة الرقيق، ثم لأن الحكم الاستعماري ترك السكان ضعيفي التعليم ومنفصلين عن البنية التحتية والمؤسسات اللازمة للمشاركة في طفرة التجارة والتصنيع وانتشار التكنولوجيا بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى مدى قرون، أدى الانتشار الاستثنائي للأمراض الفتاكة في أفريقيا، بما في ذلك الملاريا ومرض النوم، إلى إبقاء معدل الوفيات أعلى والنمو السكاني أبطأ مما كان عليه في المناطق ذات المناخ المعتدل، حتى عندما كانت النساء ينجبن سبعة أطفال أو أكثر على مدى حياتهن.
ومن خمسينيات القرن الماضي إلى نحو عام 1981، ظلت نسبة السكان في سن العمل إلى المعالين في أفريقيا عند مستويات متدنية أو أخذت في الانخفاض، في وقت كانت هذه النسب تتجه بالفعل إلى الارتفاع في أجزاء واسعة من آسيا وأميركا اللاتينية. وخلال الأعوام الـ45 الماضية، بدأت هذه النسبة بالارتفاع ببطء، لكنها لا تزال أقل من 1.4 في أجزاء واسعة من القارة. أما النمو الاقتصادي الذي حققته أفريقيا منذ الأعوام الأولى من الألفية الثالثة وحتى منتصف العقد الثاني منها، فكان مدفوعاً بدرجة استثنائية بارتفاع أسعار النفط والنحاس وخام الحديد، نتيجة التوسع الصناعي والتحضر السريع في الصين، وليس بتركيبة عمرية مواتية.
لكن سكان أفريقيا الشباب يتقدمون في العمر. ومن المتوقع أن يتضاعف تقريباً ثلاث مرات بين عامي 2025 و2050 عدد الدول الأفريقية التي يتجاوز العمر الوسيط فيها 30 سنة. وانخفض معدل الخصوبة في معظم أنحاء القارة، فيما يعزز تحسن معدلات بقاء الأطفال على قيد الحياة وتعليم النساء هذا الاتجاه. وتشير التوقعات باستخدام منصة “المستقبل الدولي” إلى أن أفريقيا ككل ستبلغ عتبة 1.7 شخص في سن العمل مقابل كل معال نحو عام 2053، فيما ستصل إليها شمال أفريقيا وجنوبها ودول جزرية عدة قبل ذلك بكثير. وتشير نماذجنا أيضاً إلى أن الحكومات، إذا اتبعت السياسات المناسبة، يمكنها تسريع انفتاح النافذة الديموغرافية الرئيسة بنحو عقد. ويعني هذا التحول غير المتكافئ أن الفرصة ستظهر دولة بعد أخرى، لا في وقت واحد. وإذا استعد القادة لها، فستجد دول أفريقية إضافية نفسها بين الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم.
الشباب والقلق
لكن التركيبة الديموغرافية نفسها التي يمكن أن تطلق العنان للنمو الاقتصادي قد تصبح أيضاً مصدراً لعدم الاستقرار السياسي إذا أسيء التعامل معها. فالمجتمعات الفتية تفرض ضغوطاً هائلة على المدارس والعيادات الصحية وأسواق العمل، مما يقوض بدوره ثقة الجمهور بالحكومات التي تعجز عن مواكبة الطلب على الخدمات. وعندما يشكل الشباب البالغون الذين يكونون عموماً أفضل تعليماً وأكثر استعداداً لتحمل الأخطار وأكثر ميلاً إلى التعبئة السياسية من نظرائهم الأكبر سناً، نسبة كبيرة من السكان، ولا يوفر لهم الاقتصاد سوى فرص محدودة للتقدم، ترتفع أخطار الاضطرابات بشدة. وظهرت هذه الدينامية خلال انتفاضات “الربيع العربي” التي بدأت عام 2010، وتتكرر اليوم في أكثر الدول الأفريقية تقلباً، ومن بينها جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد ومالي والنيجر والصومال وجنوب السودان والسودان وأوغندا.
ووفقاً لأبحاث أجراها باحثون مثل جاك غولدستون وريتشارد سينكوتا، فإن القدرة التنبؤية للعمر الوسيط تظل ثابتة بصورة لافتة. ويظل خطر النزاع الداخلي والاضطرابات الثورية مرتفعاً ما دام العمر الوسيط للسكان أقل من نحو 25.5 سنة. ويشكل تجاوز هذه العتبة أحد أفضل المؤشرات إلى تراجع أخطار النزاع. وتنخفض الاضطرابات السياسية بدرجة أكبر بكثير بمجرد تجاوز العمر الوسيط 30 سنة، حتى قبل أن يبلغ المجتمع مرحلة النضج الديموغرافي الكامل عند 35.5 سنة. وعام 2025، لم يتجاوز العمر الوسيط 30 سنة سوى عدد قليل من الدول الأفريقية.
وبالتأكيد، فإن تحول مظالم الشباب إلى اضطرابات يعتمد أيضاً على قدرة الحكومة على احتواء المعارضة. ويمكن للدول الغنية بالموارد والضعيفة المؤسسات مثل الجزائر، أن تنفق الأموال على الشرطة والمراقبة لقمع الاضطرابات على المدى القصير. لكن في غياب المؤسسات الخاضعة للمساءلة، تؤدي الاستثمارات في الأمن إلى الفساد واستيلاء النخب على موارد الدولة، بدلاً من تحقيق الاستقرار على المدى الطويل. ولنتأمل، على سبيل المثال، أنغولا وغينيا الاستوائية وليبيا وجنوب السودان والسودان، حيث تتيح الثروة المستمدة من الموارد الطبيعية دعم أنظمة تفتقر موقتاً إلى الشرعية السياسية. وتتفاقم أخطار الاعتماد على الموارد الطبيعية ووجود سكان شباب بفعل كل منهما الآخر، إذ يزيد كل عامل على حدة احتمال اندلاع حرب أهلية، وعندما يجتمعان تصبح الأخطار أكبر.
ويؤكد التاريخ الأفريقي الحديث ذلك. فبيانات مشروع “مواقع النزاعات المسلحة وبيانات الأحداث”، وهو منظمة غير ربحية متخصصة في أبحاث العنف السياسي ومقرها ولاية ويسكونسن، تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في أعمال الشغب والاحتجاجات السلمية على حد سواء في مختلف أنحاء القارة منذ “الربيع العربي” عام 2010. وتجري هذه الأحداث عموماً في المناطق الحضرية، وتدفعها مجموعة عوامل قادرة على تفجير الأوضاع من ارتفاع مستويات التعليم ومحدودية فرص العمل والتحضر السريع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. وتندرج في هذا الإطار الاحتجاجات المرتبطة بالضرائب في كينيا منذ عام 2023، والاضطرابات التي أعقبت الانتخابات في موزمبيق خلال عامي 2024 و2025، والتظاهرات التي قادها الشباب في المدن المغربية عام 2025 احتجاجاً على الخدمات العامة وأولويات الإنفاق: إذ حشدت مجموعات شابة أفضل تعليماً وأكثر ترابطاً في مواجهة نخب تسيطر على الموارد والمناصب التي لا يستطيع هؤلاء الشباب الوصول إليها عبر القنوات السياسية العادية.
لعبة الكبار
لا تقتصر المجتمعات الشابة على أنها أكثر عرضة للاضطرابات، بل إنها أيضاً أقل استعداداً لبناء ديمقراطية مستقرة. فأظهرت أبحاث غولدستون وسينكوتا وباحثين آخرين مثل جنيفر سكيوبا أن المجتمعات ذات العمر الوسيط المنخفض جداً والخصوبة المرتفعة، تخضع عموماً لأنظمة سلطوية. ويعود ذلك جزئياً إلى أن النمو السكاني السريع يتجاوز عادة نضج المؤسسات المدنية التي تعتمد عليها الديمقراطيات في أداء وظائفها، بما في ذلك وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المناصرة القانونية والنقابات العمالية. وفي المجتمعات الفتية، نادراً ما يتوافر لهذه المؤسسات الوقت الكافي لتطوير العمق والاستقلالية اللازمين للحد من سلطة السلطة التنفيذية ومساءلتها. وفي غياب النمو الشامل والمشاركة المدنية الواسعة، من المرجح أن يؤيد الشباب المحبطون أحياناً حكاماً أقوياء يعدونهم بالنظام والوظائف، كما حدث في إثيوبيا ورواندا.
أما المجتمعات ذات السكان الأكبر سناً، فتميل إلى الديمقراطية المستقرة. وتُعد موريشيوس التي يبلغ العمر الوسيط فيها 35.5 سنة، الدولة الأفريقية الوحيدة التي تتمتع بتركيبة ديموغرافية مواتية في هذا الصدد. وأظهرت الأبحاث أن الديمقراطيات الليبرالية في مختلف أنحاء القرن الـ20 مالت إلى ترسيخ دعائمها عندما ارتفع العمر الوسيط إلى منتصف الثلاثينيات، وغالباً ما تزامن ذلك مع ظهور طبقة وسطى أكبر واقتصاد أكثر تنوعاً. وهناك بالطبع استثناءات، فبيلاروس والصين وكوبا وروسيا لا تزال مستقرة سياسياً وسلطوية، على رغم ارتفاع أعمار سكانها. أما المجتمعات الانتقالية التي يبلغ العمر الوسيط فيها نحو 30 سنة، فكثيراً ما تنتج أنظمة هجينة، لا هي سلطوية بالكامل ولا ديمقراطية بالكامل، تتعايش فيها الانتخابات مع هيمنة السلطة التنفيذية أو ضعف الضوابط والتوازنات أو التنازع على قواعد المنافسة السياسية.
ولا يعني ذلك أن على الناس العاديين في المجتمعات الفتية قبول حكم المستبدين، أو أن السلطوية مرشحة لتفضي إلى استراتيجية تنمية فاعلة. فمقابل كل نموذج للتقدم الاقتصادي في ظل نظام سلطوي، هناك نموذج آخر للانحدار. لكن بمجرد تحقيق حد أدنى من النظام والتنمية نتيجة نمو السكان في سن العمل بوتيرة أسرع من نمو عدد المعالين، يصبح الإصلاح الديمقراطي التدريجي أكثر استدامة. وبعبارة أخرى، يمكن أن يأتي التحول الديموغرافي في أفريقيا مصحوباً بالاستقرار والتحول الديمقراطي.
قصة بلدين
توضح المقارنة بين غانا وكوريا الجنوبية كيف يمكن للحكومة أن تؤثر في التركيبة العمرية للسكان وتستفيد منها في الوقت نفسه. ففي أواخر خمسينيات القرن الـ20، كان البلدان قد استقلا حديثاً، وكان العمر الوسيط في كل منهما نحو 18 سنة، كما كان مستوى الدخل متقارباً. وتحركت كوريا الجنوبية في وقت أبكر من غانا في مجال الإصلاح الزراعي والتعليم الأساس الشامل وتنظيم الأسرة والصحة العامة، مما أدى إلى انخفاض معدل الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال بحلول عام 1984. وبحلول عام 1999، كان هناك 2.6 شخص في سن العمل مقابل كل معال، وهي من أعلى النسب المسجلة على الإطلاق، ولم تضاهِها سوى الصين واقتصادات “النمور الآسيوية”. والأهم أن كوريا الجنوبية شهدت أيضاً تحضراً سريعاً. فعام 1982، كان 60 في المئة من الكوريين الجنوبيين يعيشون في المدن، مما أدى إلى تركز السكان والشركات على نحو رفع الإنتاجية وعمّق أسواق العمل.
أما التحول الديموغرافي في غانا، فسار وفق جدول زمني مختلف. فظل معدل الخصوبة قريباً من سبع ولادات لكل امرأة طوال ستينيات القرن الـ20، وانخفض اليوم إلى نحو 3.4. ولا يُتوقع أن تدخل غانا نافذة فرصتها الديموغرافية الرئيسة قبل نحو عام 2033، أي بعد نصف قرن من كوريا الجنوبية، وإن كان ذلك لا يزال أبكر من معظم جيرانها في غرب أفريقيا. وتحقق التحضر أيضاً في وقت لاحق، إذ لم تصبح غانا ذات غالبية حضرية بنسبة 60 في المئة إلا أخيراً. وأبقت النسبة المرتفعة من المعالين مدخرات الأسر منخفضة وقيدت القاعدة الضريبية ومنعت سوق العمل من التوسع بالطرق التي كانت ستدعم نمواً صناعياً أسرع.
وكانت كوريا الجنوبية في وضع أفضل للتأثير في تركيبتها العمرية لأنها تلقت كميات كبيرة من المساعدات الخارجية، وحكمتها نخبة ركزت على التصنيع والنمو السريع. وبين عامي 1960 و1980، قدمت الولايات المتحدة ودول أخرى مثل اليابان، 39 مليار دولار من المساعدات إلى كوريا الجنوبية، بالقيمة الثابتة لعام 2021. وخلال الفترة نفسها، تلقت غانا 6 مليارات دولار. وخضع البلدان لحكم عسكري فاسد لفترة من الزمن، لكن القادة الكوريين الجنوبيين كانوا يميلون إلى استثمار مكاسبهم غير المشروعة داخل البلاد، في حين استثمر الغانيون أموالهم في لندن وباريس.
وأطلقت كوريا الجنوبية تحولاً زراعياً حيوياً أدى إلى زيادة الإنتاجية. واليوم، تعود ملكية 94 في المئة من الأراضي في كوريا الجنوبية للقطاع الخاص، بالتالي تخضع لحقوق ملكية آمنة وقابلة للإنفاذ تحفز الاستثمار وتتيح إعادة تخصيص الأراضي. وفي المقابل، تملك جماعات محلية 80 في المئة من الأراضي في غانا، حيث يعمل مزارعون كثر لمجرد تأمين قوتهم.
تميل المجتمعات ذات السكان الأكبر سناً إلى الديمقراطية المستقرة
لكن القوى نفسها التي رفعت كوريا الجنوبية إلى مصاف الاقتصادات المتقدمة ستظهر قريباً في أجزاء واسعة من أفريقيا، وإن كان ذلك بصورة غير متساوية. وتقع على عاتق الحكومات الأفريقية مسؤولية ضمان انفتاح نافذة الفرصة الديموغرافية الرئيسة والاستفادة منها إلى أقصى حد عندما تنفتح. وينبغي أن تبدأ بخفض وفيات الأطفال والأمهات عبر توسيع نطاق الرعاية الصحية للأطفال والنساء الحوامل. فعندما ينجو مزيد من الأطفال حتى سن الرشد، لا تشعر الأسر بالحاجة إلى إنجاب عدد كبير منهم كنوع من التأمين ضد فقدان بعضهم، ويبدأ معدل الخصوبة بالانخفاض. كما أن إتاحة وسائل منع الحمل الحديثة طوعاً والتثقيف الجنسي تمنح النساء وأسرهن خيار إنجاب عدد أقل من الأطفال.
ويُعد تعليم الفتيات أقوى وسيلة منفردة لخفض معدلات الخصوبة، لكن آثاره تستغرق وقتاً أطول للظهور. فكلما بقيت الفتيات في المدرسة فترة أطول، تأخر زواجهن وبدء إنجابهن للأطفال، مما يخفض الخصوبة مباشرة ويرفع في الوقت نفسه إنتاجية النساء وإمكانات كسبهن في المستقبل، بما يعزز الصلة بين التغير الديموغرافي والنمو الاقتصادي. كذلك، تساعد الاستثمارات في المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الصحية الأساسية، لأنها تسهم في الوقاية من الأمراض التي تؤدي إلى ارتفاع الوفيات، بالتالي ارتفاع الخصوبة. والتأثير في معدلات الخصوبة لا يتعلق فقط بتوفير الخدمات، إذ تؤدي أيضاً التحولات في المعايير المرتبطة بالنوع الاجتماعي والمواقف من زواج الأطفال والاستقلالية في القرارات الإنجابية دوراً مهماً. وعلى رغم أن هذه التحولات تحدث تدريجاً، يمكن للسياسيين والحملات الإعلامية ومشاركة المجتمع المدني أن تدفع الناس نحو تفضيل أسر أصغر.
وفي نهاية المطاف، لا يتحول العائد الديموغرافي إلى نمو إلا إذا تمكنت أعداد السكان في سن العمل الناتجة من العثور على وظائف منتجة. وعلى الحكومات الأفريقية الاستعداد لذلك من خلال ربط التدريب المهني والتقني بالطلب الفعلي على العمالة، مثلاً عبر توفير برامج تدريب مهني يصممها أصحاب العمل في قطاعات البناء وتصنيع المنتجات الزراعية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية. ويمكن للحكومات أيضاً توسيع الفرص عبر تسهيل إنشاء الشركات الصغيرة وتوسيع ضمانات الائتمان والتمويل الرقمي وتحسين شبكات النقل وتوفير الطاقة. كما أن إزالة الحواجز القانونية ومتطلبات الضمانات التي تحول، بصورة غير متناسبة، دون حصول النساء على الائتمان وامتلاك الأصول، مع ضمان المساواة في فرص العمل والترقية، من شأنها أن تساعد أيضاً.
وتحتاج المؤسسات المدنية إلى وقت كي تنضج بالتوازي مع السكان. ويمكن للحكومات تحسين فرص التحول الديمقراطي من خلال حماية وسائل الإعلام المستقلة والمحاكم وتعزيز إدارة الانتخابات والرقابة التشريعية وفرض حدود زمنية لتولي المناصب وخلق فرص أمام الشباب للمشاركة في الأحزاب السياسية والحكومات المحلية. ويمكن لإشراك الشباب في المجتمع المدني أن يعزز التفاهم بين الأجيال، بين النخب المتقدمة في العمر والشعوب التي تحكمها.
عصر الأعمار
من المتوقع أن تبدو التركيبة الديموغرافية لأفريقيا مختلفة بصورة كبيرة بحلول منتصف القرن. وستواصل قوتها العاملة التوسع في وقت تنكمش القوى العاملة في الصين وأوروبا وغيرها من الاقتصادات المتقدمة في العمر. وإذا تمكنت البلدان الأفريقية من تحقيق مكاسب متواضعة حتى في الإنتاجية، فمن المفترض أن تتجاوز معدلات نموها اقتصادات المجتمعات التي تشيخ الآن والتي قادت النمو العالمي خلال نصف القرن الماضي.
لكن أفريقيا لن تتمكن من أن تصبح المنطقة الصاعدة في الاقتصاد العالمي ما لم تتحرك حكومات بلدانها اليوم. والأخطار كبيرة. وتشير نماذج برنامج “المستقبل الأفريقي” إلى أنه إذا تمكنت البلدان الأفريقية من إضافة نحو نقطتين مئويتين إلى متوسط النمو الاقتصادي السنوي، من خلال تسريع انخفاض الخصوبة وتحسين إدارة التحضر وتعزيز قدرتها على توفير وظائف لقوة عاملة متنامية وزيادة تكامل التجارة ورفع الإنتاجية الزراعية، فسيكون اقتصاد القارة عام 2050 أكبر بنسبة 50 في المئة مما سيكون عليه في ظل سيناريو استمرار الأوضاع الراهنة. وسيكون عدد سكانها أقل بنحو 166 مليون نسمة، مع استمرار الرخاء في خفض الخصوبة، وسيرتفع أيضاً دخل الفرد من نحو 28 في المئة من المتوسط العالمي إلى 36 في المئة.
أما إذا أهدرت الحكومات هذه الفرصة بسبب ضعف الحوكمة، أو نقص الاستثمار في الصحة والتعليم، أو العجز عن استيعاب قوة عاملة متنامية، فإن الزخم الديموغرافي نفسه الذي يمكن أن يحقق النمو سيتحول بدلاً من ذلك إلى مصدر لعدم الاستقرار، في وقت يتقدم باقي العالم في العمر ويتقلص.
ياكي سيليير هو رئيس برنامج “المستقبل الأفريقي” في مكتب معهد دراسات الأمن في بريتوريا، وهو مؤلف كتاب “طريق أفريقيا إلى الازدهار” الذي اقتُبست منه هذه المقالة.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 17 أغسطس (آب) 2026
