ملخص
هل كان “أناشيد مالدورور” في حاجة إلى مثل تلك الأبعاد الإضافية؟ أو لم يكن قادراً في حد ذاته، ومن دون أية زينة، على خلق تلك الأجواء الكئيبة، المؤلمة المرعبة المقلقة، التي كانت قراءة الكتاب تكفي لبعثها لدى قارئ سرعان ما يجد نفسه متواطئاً مع ذلك الشاعر “الملعون”، سلف رامبو وبقية ملعوني نهاية القرن الـ19، من الذين استخدموا اللغة أداة للثورة على وجود كان في رأيهم عدمياً قاسياً؟
حين مات إيزيدور دوكاس، عام 1870، كان في الـ24 من عمره، أي في السن التي يكون فيها المرء خارجاً لتوه من سن المراهقة ليبدأ الحياة. دوكاس كان أنجز كل شيء في تلك السن، وبالأحرى، قال كل شيء بدا أن عليه أن يقوله. قال كل ما كان يمكن أي شاعر أو كاتب آخر أن يقوله خلال حياة طويلة عريضة، وسيكون هذا الأمر من الغرابة إلى درجة أن الحياة الأدبية الفرنسية، التي انتمى إليها دوكاس طوال سنوات عمره القصير، أصرت لزمن أن الرجل لم يوجد أبداً وأن الاسم الذي عرف به إيزيدور دوكاس، وبه وقّع كتابه الوحيد الكبير الذي خلده إلى الأبد، وهو الكونت لوتريامون، إنما هو اسم يغطي أي واحد آخر من الشعراء أو الأدباء الذين عاشوا في ذلك الزمن.
ولقد عزز من قوة هذا الاعتقاد أن الرجل لم يخلّف ما يشير إلى حياته الشخصية، وأن أحداً لم يصوّره أو يلتقيه حقاً، وأن كل الصور التي يزعم أنها له، كانت تقريبية، لا أحد يعرف شيئاً عن الكونت لوتريامون، وهو حين مات بمرض الزهري، شاباً يافعاً، بالكاد انتبه أحد إلى ذلك الحدث، على رغم أن كتابه الذي يعنينا هنا “أناشيد مالدورور” كان صدر قبل عام من ذلك وأقام الأوساط الأدبية، وغير الأدبية، ولم يقعدها، وعلى رغم أن كثراً كانوا بدأوا يحفظون مقاطع من أشعار الكتاب، عن ظهر قلب.
نسيان متواطئ هنا قد يكون من المهم أن نذكر أن “أناشيد مالدورور” بعد فترة الاهتمام الأولى، التي تلت صدوره في الطبعة الأولى، عام 1869، ثم في الطبعة الثانية عام 1870، وأعقبت رحيل كاتبه الشاب، طوي فترة طويلة من الزمن في نوع من “نسيان” متواطئ، حتى كان عصر السوريالية عند نهايات الربع الأول من القرن التالي، فإذا بالسورياليين يخرجون الكتاب من غياهب الصمت ليجعلوه أشبه بإنجيل لهم: يقرأه شعراؤهم ويتأثرون به في ثورتهم على الوجود وعلى اللغة، ويرسم رساموهم مشاهده، لا سيما منهم رينيه ماغريت الذي حقق للكتاب رسوماً أضافت إليه أبعاداً مرعبة جديدة.
ولكن، هل كان “أناشيد مالدورور” في حاجة إلى مثل تلك الأبعاد الإضافية؟ أو لم يكن قادراً في حد ذاته، ومن دون أية زينة، على خلق تلك الأجواء الكئيبة، المؤلمة المرعبة المقلقة، التي كانت قراءة الكتاب تكفي لبعثها لدى قارئ سرعان ما يجد نفسه متواطئاً مع ذلك الشاعر “الملعون”، سلف رامبو وبقية ملعوني نهاية القرن الـ19، من الذين استخدموا اللغة أداة للثورة على وجود كان في رأيهم عدمياً قاسياً؟
بالنسبة إلى كثر من الكتاب والباحثين، يعتبر “أناشيد مالدورور” صورة للشر المطلق، وبالنسبة إلى البعض هو صورة للجنون المطبق، ولئن كان البعض يرى تطابقاً بين هذا النوع من الشر وهذا النوع من الجنون، فإن الباحثين يتفقون اليوم على أنه لا يمكن لكتاب مثل “أناشيد مالدورور” أن يعبر عن أي جنون، ذلك أنه ينطلق من توازن في اللغة ومن إيقاع مضبوط انضباطية “الكونشرتو”، متصاعداً من موضوعيته، متوقفاً عند فروع واضحة، راغباً في نهاية الأمر في أن يكون صارماً في ثورته البروميثيوسية التي يعلنها من دون مواربة، ثورته على الكون وما وراء الكون، ولكن دائماً من خلال الحديث عن الإنسان، محط هجوم الشاعر النهائي، ذلك “الحيوان المترهل الذي لا فائدة منه ترتجى سوى الخنوع والتبذل” وفق تعبيره.
شخص واع تماماً والحقيقة أن الربط بين الإنسان، وأدنى أنواع الحيوان، في “أناشيد مالدورور” ليس مصادفة، ولا هو من نوع الكناية أو الترميز. ذلك أن “بطل” الكتاب، المدعو مالدورور، الذي هو في نهاية الأمر صورة أخرى من الشاعر – الكاتب نفسه، شخص واعٍ تماماً، لكنه في الوقت نفسه يائس تماماً، وهو في خضم حياته الغريبة المرعبة، يتحول طوال المسار من شكل إنساني خالص، إلى شكل هلامي يعتبر تجسيداً للشر، في أبشع حالاته.
إنه، مثل شبح شيطاني “وحش كريه له وجه ضبع”، وهو يتجول فوق سطح الكرة الأرضية مثيراً الهواجس والرعب، زارعاً الخوف والقرف، ويتحول بين الحين والآخر، إلى حشرة أو حيوان قميء، وفي شكل لا يمكن أحداً، حتى ولا هو نفسه، أن يتوقعه سلفاً، فنراه تارة بقة وتارة عنكبوتاً، مرة سمكة قرش ومرة صرصاراً، حيناً في أعالي الشجر وحيناً في المجارير.
وهكذا، على مدى الأجزاء الستة التي يتألف منها الكتاب، الذي لم ينجزه الشاعر أبداً على أية حال، يطالعنا مالدورور على صورة 185 حيواناً، غالباً ما يصفها لوتريامون بطريقة متواطئة، إذ يجد القارئ نفسه واقفاً في صف الوحش ضد النوع الإنساني كله، فإذا أضفنا إلى هذا كل تلك الأفعال الحيوانية التي يمارسها “بطلنا”، ولا يقل عددها في الكتاب عن 400 فعل، نجدنا في نهاية الأمر أمام “حيوانية تكمن في قلب عمل لوتريامون هذا”، وفق تعبير ريمي دي غورمون الذي كان واحداً من المهتمين بلوتريامون ودارسي عمله.
مسرح ساخر غير أن هذا كله ينبغي ألا يغيّب عن بالنا واقع أن الكتاب في حد ذاته، ليس على تلك الكآبة التي يمكن أن تلوح من خلال وصفه، بل بالعكس، نراه حافلاً بنوع من المسرح الساخر، بل أكثر من هذا: بنوع من الهزء من الذات، فإذا كان لوتريامون في هذا الكتاب يسخر من كل ما في هذا الوجود ويهاجمه، فمن الواضح أن السخرية من الذات هي المفتاح الأول للوصول إلى أقصى درجات السخرية… المرة.
يقول لوتريامون على مدى كتابه إنه لم يرد أبداً أن يبدو مخدوعاً بالآخرين، ولا حتى بذاته، مضيفاً “من الطبيعي أن أكون قد بالغت بعض الشيء، من أجل إدخال جديد في هذا النوع من الأدب المؤمثل”.
أما الباحثون الذين كثيراً ما اهتموا بهذا الكتاب وأشبعوه تحليلاً، لا سيما في مجال التحليل النفسي، فلقد أشاروا دائماً إلى أن “أناشيد مالدورور” عمل “رومنطيقي يسخر من الرومانطيقية، وملحمة تهزأ بالنصوص والمسارات الملحمية، وهذيان قسوة منتظمة ومعقلنة”، مما يجعل من هذه “الأناشيد” عملاً عصياً على التصنيف، وفريداً من نوعه في الأدب الفرنسي، وربما في الأدب العالمي كله، بكل ما فيه من عنف وشر، إضافة إلى قدرته الهائلة، بعد كل شيء، على تحرير الإنسان، في داخله، من طغيان ذلك الجانب الليلي المظلم على حياته، الجانب الكامن في أحلامه ولا وعيه واندفاعاته الغريزية الأكثر حيوية.
في اختصار، ألا يعبّر لوتريامون بهذا كله عن وحدة الإنسان وعزلته أمام كون لا يفهمه ولا يدرك مراد قواه الخفية؟ ألا يجد الحل الوحيد لمأساته في تحطيم العقل لترك المجال أمام اليأس يعبر عن نفسه؟
أب شرعي لأدب القسوة، وفي هذا كله، ألم يكن لوتريامون الأب الشرعي لبعض أقسى فنون وأشعار نهاية القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20؟ مهما يكن، فإن لوتريامون لم يعش ليشهد نتائج صنيعه، أو هل تراه عاش حقاً؟ ذلك هو السؤال المطروح دائماً، خصوصاً أننا لا نعرف عن هذا الشاعر سوى اليسير من المعلومات المتداولة، وفي مقدمها أنه ولد عام 1846 في مونتيفيديو، لأبوين فرنسيين، وكان والده دبلوماسياً يعيش آنذاك في تلك المدينة الأميركية اللاتينية، وكان اسمه حين ولادته، كما أشرنا، إيزيدور دوكاس، أما اسم الكونت دي لوتريامون فقد اتخذه لاحقاً اسماً مستعاراً له، مقتبساً إياه، في تحريف بسيط، من اسم رواية “لاتريومون” للكاتب أوجين سو.
ولقد وُصف لوتريامون بأنه كان نحيلاً، محدودب الظهر بعض الشيء، عاش كل حياته وهو يعاني صداعاً ودواراً عنيفين لم يبارحاه حتى الموت. وهو تلقى علومه في جنوب فرنسا، ثم اتجه إلى باريس حيث فقدت آثاره، تماماً، مدة عامين، ثم راح ينشر بعض القصائد، فكتابه الأشهر “أناشيد لوتريامون”، ثم قضى عام 1870، وسط صمت مطبق.
