وليد سِتي (مواليد دهوك، كردستان العراق، 1954) هو الأبعد في هذه المجموعة تجربةً. درس في معهد الفنون الجميلة في بغداد ثمّ في لوبليانا، ولجأ سياسيًّا إلى بريطانيا عام 1984 حيث ما يزال يقيم ويعمل. بدأ من الحفر والطباعة قبل أن يتوسّع إلى التجهيز والأعمال ثلاثيّة الأبعاد والفيديو والرسم. في أعماله تصبح الحدود المعسكَرة والهجرة استعارتين عن التشتّت وفقدان الاتجاه، متّكئًا على إرثه الكرديّ وعلى تجربة المنفى؛ عُرضت أعماله دوليًّا، ونال جائزةً في بينالي الشارقة الثالث عشر.
ومن محافظة كردستان في إيران، يشتغل هَوار أميني (مواليد ماريفان سنة 1981) على تاريخ كردستان المعاصر وهشاشة الوجود الإنسانيّ. رسّامٌ في الأصل انتقل إلى التصوير والفيديو، يبني صوره من أرشيفاتٍ وصحفٍ قديمة وصورٍ متداولة على الإنترنت ليقارب الذاكرة التاريخيّة والعنف السياسيّ. في سلسلته الأشهر، “شاخ”، لا يظهر مقاتلو البيشمركة أبطالًا بل أوعيةً للذاكرة، حيث تلتحم الهويّة والأرض والمقاومة بالخسارة. أمّا أعماله الأحدث فتتّجه إلى الداخل: الوحدة، والتقدّم في العمر، والغموض السياسيّ.
| عمل لرودا مدحت |
ويتوزّع عمل صاواش بويراز (مواليد إسطنبول، 1980) بين التصوير والفيلم والتجهيز، بعد بداياته مع تجمّع ميزوبوتاميا السينمائيّ ودراسته التصوير في جامعة معمار سنان. يتتبّع كيف تُطبع سلطة الدولة على الأرض والأجساد والذاكرة الجماعيّة، وتبقى الجغرافيا الكرديّة مركز اشتغاله، إذ يستعين بالروايات الشفويّة والأشكال المحليّة لمساءلة السرديّات الرسميّة. عن مشروع تخرّجه، “مناظر غير مرئيّة”، نال زمالة فيكتور من مؤسّسة هاسلبلاد، ويُنجز اليوم دكتوراه في البحث الفنّيّ في جامعة الفنون بستوكهولم.
وتبدأ البريطانيّة الكرديّة جالا وحيد من الأرشيف أيضًا: تنقّب في تواريخ كرديّة مهمَلة، وتسائل كيف رسم الفكر الاستعماريّ والقرارات السياسيّة ما بقي منها وما اندثر. ثمّ تحوّل بحثها إلى منحوتاتٍ وأفلامٍ وتجهيزاتٍ تمنح حضورًا لما فُقد، بدون أن تسدّ الفجوات والصمت الذي يعجز التاريخ عن ملئه. لغتها البصريّة صاخبةٌ ومتوهّجة عن قصد، تناهض تحفّظ الرواية الاستعماريّة وتستمدّ من طاقة التعبير الكرديّ في الموسيقى والأدب والرقص والمسرح. في معرضها الفرديّ “عصيّة على الحكم”، جعلت التمرّد شكلًا من أشكال المقاومة، والاضطرابَ والتحدّي السياسيّ في صميمه.
ويقارب رودا مدحت، المولود في كردستان العراق والمتربّي في الغرب، السؤال ذاته من زاوية أخرى: كيف تُفهَم الثقافة وتُعاد صياغتها عبر الذاكرة والتجربة والمعرفة. يجمع في النحت والتجهيز والصورة المتحرّكة بين المنسوجات الكرديّة والموادّ الأرشيفيّة وإشارات الثقافة الشعبيّة الغربيّة والأشياء اليوميّة، كاشفًا نقاط التماس بين الثقافات وشروط القوّة والضغط والإسناد التي تتيح لها أن توجد. قدّم معرضًا فرديًّا كبيرًا في غاليري بيرلنغتون للفنون، وينتظره معرضٌ فرديّ في غاليري “تو ريفرز” بكولومبيا البريطانيّة.
إذا كان هؤلاء ينقّبون في الأرشيف والخريطة، فإنّ آخرين ينقلون السؤال إلى الجسد. هايف كهرمان (مواليد بغداد، 1981)، الكرديّة العراقيّة التي غادرت بلادها لاجئةً إلى أوروبا قبل أن تستقرّ في الولايات المتّحدة، تشتغل في الرسم التشخيصيّ على وعي المهاجر عبر سياسات الجسد. تتكرّر في لوحاتها امرأةٌ تواجه السلطة الجندريّة وتجربة أن يُنظَر إليها بوصفها غريبة. سلسلتها الأخيرة، “نيرانٌ شبحيّة”، تستجيب لحرائق لوس أنجلس عام 2025 التي أتت على بيت عائلتها؛ أليافٌ مموّهة، ولوالبُ كتّان، وعيونٌ محترقة، تستحضر الدمار البيئيّ عبر الذاكرة والتجدّد، فيما تسمّيه “إعادة تكوين العالم”. ويمضي معرضها الحاليّ، “ما لا يُقال سوف يُبكى” في غاليري بيلار كورياس، في هذا الشرخ: تاريخُها ككرديّة عراقيّة لاجئة في مواجهة فقدان بيتها في الحريق، ولوحاتٌ جديدة عن الحزن والبيئة واستعادة الصلة بالأرض والأسلاف.
وتنقل تارا عبد الله (مواليد السليمانيّة، إقليم كردستان العراق، 1996)، المقيمة في أوسلو، هذا الاشتغال إلى الفضاء العامّ. تتوزّع ممارستها بين الرسم والتجهيز والصوت، وتنهل من تجربتها الشخصيّة ومن واقع النساء في المجتمع الكرديّ لتقارب الجندر والهويّة والحريّة. في تجهيزها “لا تدعونا ننام” (2026) في صالة هفيتستن، واجهت العنف ضدّ النساء، وفي القلب منه ما يُسمّى جرائم “الشرف”: أَسِرّةٌ مُهداة وأظرفُ رصاصٍ فارغة، حوّلت بها مكان الألفة إلى مساحة قلق.
| عمل لوليد سيتي |
ويشتغل آتش ألبار (مواليد نصيبين، ماردين، 1988) على المجتمعات الكويريّة بدون أن يقتصر عليها، فيسائل سرديّاتٍ مهيمنةً أخرى: الحدود، والهويّة، وكيفيّة تشكّل الذاكرة الجماعيّة. في معرضه الأخير، “الإمكان والاحتمال” (2025) في “توتون ديبوسو” بإسطنبول، أعاد التفكير في تواريخ جرى تجاهلها أو محوها، مقارِبًا الاستعمار بوصفه عمليّةً مستمرّة، باحثًا عن منظورٍ يتجاوز الأطر المؤسّسيّة.
على أنّ المواجهة لا تمرّ دائمًا عبر الفجيعة. بدأ جنكيز تكين (مواليد ديار بكر، 1977) من التصوير الفوتوغرافيّ، فصاغ لغةً بصريّةً تشرّبت توتّرات مدينته السياسيّة، ثمّ توسّع إلى الفيديو والنحت والرسم. يُدخل الغريب إلى قلب اليوميّ، ويطمس الحدّ بين الواقعيّ والسورياليّ، مستخدمًا الوهم والسخرية ليكشف أزماتٍ مستترة في مواقف عاديّة ويسائل البُنى السلطويّة. من أحدث مشاركاته الدورة الثانية من بينالي تركيا للنسيج في أنطاليا (2025)، ومعرض “الأمواج لا ترسم خرائط” في غاليري زيلبرمان بإسطنبول (2024).
ومن الفعل اليوميّ نفسه يصنع أحمد أوغوت (مواليد سِلوان، ديار بكر) موقفًا. فنّانٌ مفاهيميّ تدور أعماله حول العدالة الاجتماعيّة والمخيّلة السياسيّة والفعل الجماعيّ، يتنقّل بين التجهيز والأداء، وبين الفنّ والنشاط، محوّلًا أفعال المقاومة الصغيرة إلى تدخّلاتٍ تسائل السلطة القائمة. قدّم في السنوات الأخيرة معارض فرديّة في مؤسّساتٍ من بينها “آرت أون ذي أندرغراوند” و”نيو كونتمبوراريز” في لندن، ومتحف فان أبه، و”ستيت أوف كونسبت” في أثينا.
ويشتغل الرسّام عبدو يالتشينكايا (مواليد قيزيلتبه، ماردين، 1975) على العلاقة المتوتّرة بين الإنسان والطبيعة والمدينة. بتأثيراتٍ من التشخيصيّة الجديدة والتعبيريّة والبوب آرت، تحوّل لوحاتُه الزاهية الألوانَ المشاهدَ والأشياءَ المألوفة إلى أشكالٍ سورياليّة، حيث تتجاور آثار التقنية المدمّرة مع أسئلة العسكرة والهجرة وثقافة الاستهلاك. من معارضه الأخيرة “سوبرناتورا” في غاليري لابيرنت (2025)، و”صرخة نيون” في بينالي ماردين (2026).
| عمل لـسيدات أكدوغان |
أمّا سيدات أكدوغان (مواليد ديار بكر، 1987) فينطلق من جرحٍ لغويّ: نشأ في منطقةٍ كرديّة لم يكد يتكلّم فيها التركيّة حتى السابعة، وهو اليوم يجد صعوبةً في التحدّث بلغته الأمّ. من هنا تقوم ممارسته على صون ذكريات الطفولة والحكايات التي ورثها عن أمّه. يعمل في الرسم والفيديو والتصوير والكولاج الفوتوغرافيّ، مقاربًا الذاكرة إلى جانب البيئة والطبيعة. في معرضه الفرديّ الدوليّ الأوّل، “وثائقيّ سورياليّ” في غراتس، حوّل أرشيفه الشخصيّ إلى مناظر متراكبة يشكّلها التذكّر والمحيط الهادئ.