سندريلا عازار – صحافية لبنانية.. موقع درج
يصبح المستهلك شريكاً في صناعة السعر. بل أحياناً يصبح السعر المرتفع نفسه سبباً للرغبة في المنتج. لو كانت السندويشة نفسها تباع بخمسة دولارات في محل صغير، ربما لما صوّرها أحد، ولما أثارت اهتماماً، ولما أصبحت شيئاً يستحق الحديث عنه. الـ19 دولاراً ليست عيباً في المنتج، إنها جزء من جاذبيته.
سندويشة حبش وجبنة، من دون خبز. بضع شرائح من الحبش، الجبنة، وخضار، وصلصة، ملفوفة بورقة خس. السعر: 19 دولاراً.
لا نتحدث عن طبق معقّد، ولا عن مكوّن نادر وصل للتو من مزرعة صغيرة في جنوب فرنسا، ولا عن تقنية طهو تحتاج إلى ساعات من العمل. نحن، حرفياً، أمام سندويشة استُبدل خبزها بالخس.
لكنها ليست أي سندويشة. إنها سندويشة من “إم شريف”. وهنا تبدأ الحكاية.
ليس جديداً على المطعم أن يأخذ أطباقاً شديدة البساطة، وبعضها مرتبط أساساً بالمطبخ اللبناني، ويقدّمها في سياق فاخر وبأسعار بعيدة جداً عن كلفتها الأصلية. من المغربية إلى معكرونة اللبن، وصولاً إلى سندويشة البطاطا، الفكرة متشابهة: ما كان طعاماً عادياً، شعبياً، أو طبقاً تأكله في بيتك، يدخل إلى مكان مختلف، يُقدّم بطريقة مختلفة، ويحمل اسماً تجارياً مختلفاً، فيصبح فجأة منتجاً فاخراً.
يمكن اختصار النقاش بجملة لبنانية شهيرة: “اللي بيشتري ما حدا جبره”. وهذا صحيح. لا أحد يقف عند باب “إم شريف” ويجبر الزبائن على دفع 19 دولاراً مقابل سندويشة خس وحبش. السعر مكتوب، والزبون يراه، ويطلب، ثم يدفع بكامل إرادته. لكن هذه ليست نهاية النقاش. ربما هي بدايته.
لأن السؤال ليس فقط: لماذا يبيع المطعم سندويشة كهذه بهذا السعر؟ السؤال أيضاً: لماذا يوجد من يريد شراءها؟
ماذا نشتري عندما نشتري الطعام؟
اقتصاد المطاعم لم يكن يوماً قائماً فقط على كلفة المكونات. نحن لا ندفع ثمن البطاطا واللحم والخس والطماطم فحسب. ندفع الإيجار، ورواتب الموظفين، والخدمة، والديكور، والموقع، والخبرة، والاسم، والسمعة. ومن حق أي مطعم أن يحدد السعر الذي يريده، ومن حق الزبون أن يقرر إن كان سيدفعه.
لكن عند نقطة معينة، تصبح الفجوة بين قيمة المنتج المادية والسعر كبيرة إلى درجة تجعل السعر نفسه جزءاً من المنتج. أنت لا تشتري السندويشة فقط، أنت تشتري الاسم الذي يقف خلفها والأهم ربما أنك تشتري قدرتك على دفع 19 دولاراً مقابلها. وهذا فرق أساسي.
فالسلع الفاخرة لطالما اشتغلت بهذه الطريقة. قيمة الحقيبة ليست في الجلد وحده، وقيمة الساعة ليست في قدرتها على إخبارك بالوقت، وقيمة السيارة الفاخرة ليست في قدرتها على نقلك من مكان إلى آخر. الاسم يضيف قيمة رمزية، وأحياناً تكون هذه القيمة أهم من السلعة نفسها.
لكن المثير للاهتمام هو وصول المنطق نفسه إلى أكثر الأشياء يومية وبساطة: البطاطا، المغربية، معكرونة باللبن، وسندويشة الحبش. هنا لا يعود الترف مرتبطاً بالندرة بل بالقدرة على إعادة تسعير العادي. هناك مفارقة أكبر في تحويل أطعمة بسيطة إلى منتجات فاخرة.
كثير من هذه الأطباق وُلد أصلاً من منطق معاكس تماماً للترف: مكونات متاحة، وصفات منزلية، وطرق لإطعام العائلة بما هو موجود. سندويشة البطاطا ليست اختراعاً gastronomic عبقرياً. إنها بطاطا في خبز. معكرونة اللبن ليست طبقاً يحتاج إلى تفسير طويل من النادل.
هذه الأطعمة جزء من ذاكرة بيوت كثيرة. ثم تأتي العلامة التجارية، تنتزع الطبق من سياقه، تعيد تقديمه في طبق أجمل، في مكان أجمل، لجمهور قادر على الدفع، وتبيعه له كأنه اكتشاف.
وهنا يصبح السؤال طبقياً أيضاً. ما يأكله شخص لأنه رخيص ومتاح، قد يأكله شخص آخر لأنه أصبح “تجربة”. الأول يأكل سندويشة بطاطا لأنها سندويشة بطاطا، والثاني يستطيع أن يدفع أضعاف سعرها كي يأكل النسخة التي تحمل الاسم الصحيح.
حين يصبح الاستهلاك استعراضاً
تصبح هذه المفارقة أكثر فجاجة في لبنان، البلد الذي يعيش منذ سنوات انهياراً اقتصادياً ومالياً لم تنتهِ تداعياته، وتفاقمت أزماته مع الحرب والتهجير والدمار. في هذا السياق، لا تبدو سندويشة خس وحبش بـ19 دولاراً مجرد وجبة مرتفعة الثمن. فبالنسبة إلى كثيرين، قد يكون هذا المبلغ جزءاً أساسياً من ميزانية طعام، فيما يستطيع آخرون دفعه مقابل وجبة واحدة شديدة البساطة.
لكن المشكلة ليست في أن هناك من يملك المال وينفقه، ولا في مطالبة الناس بالشعور بالذنب كلما دخلوا مطعماً. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستهلاك نفسه إلى استعراض. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم نعد نشتري الطعام دائماً لأننا نريد أن نأكله فقط؛ أحياناً نشتريه لأننا نريد أن نُري الآخرين أننا اشتريناه.
يصبح اسم المطعم جزءاً من الوجبة، والصورة جزءاً من قيمتها، والسعر المرتفع نفسه دليلاً على المكانة والقدرة على الدفع. عندها قد لا تكون سندويشة الـ19 دولاراً مبالغاً في سعرها على رغم بساطتها، بل مطلوبة تحديداً لهذا السبب: لأنها قابلة للتصوير، والتعليق، وإثارة الجدل، ولأن نشرها يقول شيئاً عن صاحبها بقدر ما يقول عن الطعام نفسه.
وفي بلد بهذا القدر من التفاوت، يصبح المشهد أكثر قسوة: أشخاص يحسبون كلفة ما سيأكلونه، وآخرون يشترون الطعام أحياناً كي يثبتوا أنهم لا يحتاجون إلى حسابها.
ليس هجوماً على المطعم
من السهل جداً تحويل هذه القصة إلى هجوم على المطعم. لكنه سيكون نقداً ناقصاً. “إم شريف” في النهاية شركة تعرف جمهورها، وقد بنت علامة تجارية ناجحة وقوية وقابلة للتصدير. وإذا كان هناك مئات الأشخاص المستعدين لشراء منتج بالسعر المعروض، فمنطق السوق يقول إن السعر نجح. المشكلة، إذا أردنا تسميتها مشكلة، ليست عند البائع وحده، بل في الاثنين معاً. في البائع الذي اكتشف أن بإمكانه تحويل أبسط الأشياء إلى منتج فاخر بمجرد وضع اسمه عليها، وفي المشتري الذي لا يكتفي بقبول المعادلة، بل يمنحها معناها، لأن العلامة التجارية لا تستطيع وحدها أن تقرر أن سندويشة خس تساوي 19 دولاراً. يمكنها أن تكتب الرقم على القائمة، لكن القيمة لا تصبح حقيقية إلا عندما يأتي شخص ويطلبها ويدفع ثمنها.
هنا يصبح المستهلك شريكاً في صناعة السعر. بل أحياناً يصبح السعر المرتفع نفسه سبباً للرغبة في المنتج. لو كانت السندويشة نفسها تباع بخمسة دولارات في محل صغير، ربما لما صوّرها أحد، ولما أثارت اهتماماً، ولما أصبحت شيئاً يستحق الحديث عنه. الـ19 دولاراً ليست عيباً في المنتج، إنها جزء من جاذبيته.
من اقتصاد التفاهة إلى اقتصاد العادي
في “اقتصاد التفاهة”، كان السؤال عن عالم المؤثّرين الذين حوّلوا الزواج والطلاق والخلافات والأطفال وحتى العنف إلى محتوى قابل للبيع. لكن لا يمكن تحميل المؤثر وحده مسؤولية هذا الاقتصاد. هناك دائماً شخص على الجهة الأخرى من الشاشة يشاهد، ويشارك، ويعلّق، ويمنح هذا المحتوى قيمته التجارية. السوق يحتاج إلى طرفين. والمنطق نفسه يظهر هنا بصورة مختلفة.
يمكن تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة إذا كان هناك من يريد استهلاكها. ويمكن تحويل ورقة خس إلى غلاف لسندويشة بـ19 دولاراً إذا كان هناك من يريد شراءها.
ربما لهذا السبب لا تكفي السخرية من السعر. فالسؤال الحقيقي ليس كيف تجرأ مطعم على طلب هذا المبلغ. السؤال الأكثر إزعاجاً هو: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها دفع مبلغ مبالغ فيه مقابل شيء شديد العادية جزءاً من التجربة التي نبحث عنها؟
في اقتصاد التفاهة، لا ترتفع قيمة الأشياء بالضرورة لأنها أصبحت أفضل. أحياناً ترتفع لأننا اتفقنا جماعياً على التعامل معها كما لو أنها أصبحت أفضل.
يضع البائع السعر.
يدفع المشتري.
ثم ينظر كل واحد منهما إلى الآخر، مقتنعاً بأنه خرج رابحاً.
وربما يكون الاثنان على حق.
وهذه تحديداً هي المشكلة.
إقرأوا أيضاً: