يشكّل إعلان قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي اكتمال عملية الدمج مع الحكومة السورية وفق الاتفاقات المبرمة بين الطرفين، تحوّلاً مهماً في مسار العلاقة بين “قسد” ودمشق، بعد سنوات من وجود “إدارة ذاتية” وقوة عسكرية وأمنية مستقلة في شمال شرقي سورية تحت رعاية الولايات المتحدة. لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً: هل يعني الإعلان انتهاء “قسد” فعلياً وعودة مؤسسات الدولة إلى ممارسة كامل صلاحياتها، أم أن عملية الدمج لا تزال تحتاج إلى استكمال ترتيبات على الأرض؟ علماً أن مظلوم عبدي أكد أيضاً أن المرحلة المقبلة ستنتقل من العمل العسكري إلى “المعركة السياسية”، التي قال إنها ستتركز على تثبيت حقوق الأكراد ووجودهم الدستوري في سورية.
هل اكتمل اندماج “قسد” فعلاً؟
من وجهة نظر الحكومة السورية، يمثل إعلان عبدي إقراراً بانتهاء المرحلة السابقة والانتقال إلى مؤسسات الدولة. وقال نائب محافظ الحسكة، المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق 29 يناير/ كانون الثاني أحمد الهلالي، إن تصريحات عبدي تعني الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي، وإن الهدف هو إنهاء الازدواجية وقيام “دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات واحدة”. وأضاف الهلالي في حديث لـ”الإخبارية السورية”، أمس الجمعة، إن الدمج لا يقتصر على الإجراءات الإدارية والأمنية، وإنما هو “مشروع وطني شامل”، مشيراً إلى أن مؤسسات الدولة ستستعيد صلاحياتها تدريجياً. كما أكد عضو الفريق الرئاسي مصطفى العبدي أن الدمج تم من الجانبين العسكري والمدني، وأن الدوائر بدأت العمل وفق القوانين والآليات التابعة للوزارات السورية.
لكن تصريحات المسؤولين الحكوميين تشير إلى أن الإعلان السياسي لا يعني بالضرورة انتهاء كل الإجراءات التنفيذية في اللحظة نفسها. فالهلالي قال إن طيّ الملف نهائياً يحتاج إلى استكمال العمل على الأرض، فيما لا تزال بعض الملفات العسكرية والأمنية والإدارية موضع ترتيبات.
“قسد” ما زالت تتمتع بنفوذ فعلي
وتقدم مصادر ميدانية من الحسكة رواية أكثر تحفظاً، إذ تقول لـ”العربي الجديد” إن “قسد” وقوى الأمن الداخلي التابعة لها ما زالت تتمتع بنفوذ فعلي في عدد من مدن المحافظة، وإن بعض مؤسسات الدولة عادت للعمل ورفعت العلم السوري، لكن السيطرة التشغيلية الكاملة لم تنتقل إليها في جميع القطاعات. وتشير المصادر إلى استمرار وجود كوادر “الإدارة الذاتية” في بعض المؤسسات القضائية والنقابية والخدمية، معتبرة أن بعض إجراءات الدمج لا تزال شكلية. وهي رواية تتناقض مع التقييم الحكومي، ما يجعل معيار الحسم هو انتقال الصلاحيات الفعلية، لا مجرد الإعلان عن الدمج.
كما لا تزال ملفات محددة عالقة، بينها مستقبل “وحدات حماية المرأة”. فوزارة الدفاع تقترح، وفق المعلومات المتاحة، دمج المقاتلات ضمن شرطة نسائية في وزارة الداخلية، بينما ترفض “وحدات حماية المرأة” ذلك وتطالب بدمجها ضمن الجيش مع الحفاظ على خصوصيتها التنظيمية. وبذلك يمكن القول إن الدمج أصبح قراراً سياسياً معلناً ومساراً متقدماً على المستوى العسكري والإداري، لكن اكتماله على الأرض لا يزال يحتاج إلى اختبار من خلال انتقال الصلاحيات والموارد والمؤسسات فعلياً إلى الدولة.
كيف وصل الطرفان إلى هذه المرحلة؟
جاء التحول الحالي بعد اتفاق 29 يناير 2026، الذي نصّ على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام الإداري والعسكري. وبدأت العملية بصورة تدريجية، مع عودة مؤسسات حكومية إلى الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة إدارة مطار القامشلي وعدداً من المنشآت والموارد المهمة.
عسكرياً، جرى استيعاب تشكيلات من “قسد” داخل الجيش السوري، بينها ثلاثة ألوية، إضافة إلى ترتيبات خاصة بقوات عين العرب (كوباني). كما أصبح القيادي الكردي سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع السوري عن المنطقة الشرقية، وهو نموذج محتمل لكيفية انتقال بعض قيادات “قسد” إلى مؤسسات الدولة، حيث جرى تداول مقترحات من قبيل تعيين القيادية في “قسد” إلهام أحمد معاونةً لوزير الخارجية السوري، وتعيين مظلوم عبدي نفسه نائباً للرئيس، أو مستشاراً له على الأقل. وهكذا فان التركيز الآن هو حول كيفية إعادة توزيع النفوذ والكوادر والقيادات التابعة لـ”قسد” داخل مؤسسات الدولة بعد انتهاء بنيتها المستقلة.
ما هي “المعركة السياسية” المقبلة؟
يقدم حديث عبدي عن “المعركة السياسية” مفتاحاً لفهم المرحلة الجديدة. ويرى المحلل السياسي الكردي عبد الوهاب خليل، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ انتقال “قسد” من العمل العسكري إلى السياسة يعني نقل المطالب التي كانت مرتبطة بـ”الإدارة الذاتية” والأمن والنفوذ الجغرافي إلى الدستور والقوانين والتمثيل السياسي.
وبذلك تتركز المعركة المقبلة على عدة ملفات تشمل تثبيت الحقوق الكردية في الدستور الدائم، بحيث لا تبقى خاضعة لمراسيم أو قرارات حكومية قابلة للتغيير، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية، بما في ذلك وضع اللغة الكردية في التعليم والحياة العامة، وتحديد شكل الإدارة المحلية في المناطق ذات الكثافة الكردية، من خلال صيغة لامركزية بصلاحيات واضحة، لكن ضمن دولة سورية موحدة. يضاف إلى ذلك ضمان المشاركة السياسية للأكراد في مؤسسات الدولة والبرلمان والحياة الحزبية، بحيث يصبحون شركاء في صياغة مستقبل البلاد وليسوا مجرد سكان مناطق ذات خصوصية، فضلاً عن معالجة ملفات الجنسية والملكية والمهجرين والتعليم والخدمات ضمن قوانين وإجراءات عملية.
ويأتي ذلك بعد المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي اعترف بالأكراد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، واعتبر الكردية لغة وطنية، وألغى آثار إحصاء الحسكة لعام 1962 ومنح الجنسية للمحرومين منها. ويرى سياسيون أكراد أن المرسوم يشكل أساساً يمكن البناء عليه، لكن المطلوب هو تحويل هذه الحقوق إلى ضمانات دستورية وقانونية دائمة.
ماذا يريد الأكراد في المرحلة المقبلة؟
تختلف القوى الكردية في التفاصيل، لكن ثمة اتفاقاً على بعض المطالب المشتركة. ويقول رئيس حزب الوسط الكردي وعضو المجلس الوطني الكردي شلال كدو، لـ”العربي الجديد”، إن الأكراد يتطلعون إلى دولة سورية لامركزية، مع خصوصية للمناطق الكردية، وتثبيت ذلك ضمن الدستور الدائم. أما عبد الوهاب خليل، فيرى أن التحدي الأساسي هو تحويل التضحيات التي قدمتها “قسد” خلال سنوات الحرب إلى مكاسب سياسية وقانونية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الانتقال إلى العمل السياسي ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع وطني سوري أوسع.
وبالتالي، يبدو أن المطالب الكردية تتجه من صيغة السيطرة الإدارية والعسكرية المستقلة إلى صيغة الحقوق الدستورية واللامركزية والتمثيل السياسي والثقافي داخل الدولة. وفي الوقت نفسه، لا تبدو فكرة الانفصال أو إقامة دولة مستقلة هي العنوان المعلن للمرحلة المقبلة. فقد أكدت تصريحات مرتبطة بعملية الدمج على مفاهيم “جيش واحد ودولة واحدة وعلم واحد ووطن مشترك”.
ملفات تتطلب معالجة
ويرى المحلل السياسي الكردي عبد الحليم يوسف، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن القضية الكردية في سورية “قضية سياسية لها أوجه متعددة، اجتماعية واقتصادية وثقافية وقانونية”، معتبراً أنها، بالنظر إلى طبيعة الملفات المرتبطة بها، تشكل أيضاً جزءاً من مسار العدالة الانتقالية في البلاد. ويوضح يوسف أن هناك ملفات وقضايا متراكمة تتطلب المعالجة عبر آليات العدالة الانتقالية، بما يتيح إدراجها ضمن مسار المصالحة الوطنية الشاملة، معتبراً أن المرحلة الحالية تتيح للأكراد فرصة للمشاركة بصورة أوسع وأكثر فاعلية في العملية السياسية السورية.
ويشير يوسف إلى أن القضية الكردية في سورية والشرق الأوسط “مركبة ومترابطة بين عدة دول”، لافتاً إلى أن السياسات والتحالفات والعلاقات بين هذه الدول والأكراد فيها تؤثر بصورة مباشرة في واقع الأكراد في المنطقة. وبحسب يوسف، فإن الأكراد في سورية ليسوا بمعزل عن التطورات الجارية في إيران وإقليم كردستان العراق وتركيا، التي تؤدي، بدرجات متفاوتة، أدواراً مؤثرة في مسار القضية الكردية، معتبراً أن الوصول إلى حل عادل لها يمثل جزءاً من استقرار المنطقة، وكذلك من عملية بناء سورية جديدة بعد عقود من الاستبداد والظلم.
وثمة من يرى أن حديث عبدي عن “المرحلة الجديدة والمعركة الكبرى” يأتي في سياق استكمال الدور المنوط بمنظومة ارتبطت، بالدرجة الأولى، بأجندات استخبارية إقليمية، معتبراً أن الأكراد في سورية كانوا من أبرز ضحاياها، من خلال القتل والتهجير والاعتقالات، فضلاً عن “تمييع الحقوق الكردية وتقييد الحريات”.