جمال العتّابي…جريدة المدي
في المعرض الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين بتاريخ 13 حزيران، وضمّ ما يقارب مئة وعشرين عملاً لرسامين من مختلف أنحاء العراق، جاءت لوحة الفنانة “نسرين الملا” بوصفها تجربة بصرية تستوقف المتلقي منذ اللحظة الأولى، ليس بسبب صخبها اللوني أو وفرة عناصرها التشكيلية، بل لأنها تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي تبني أثرها عبر الاقتصاد البصري والتكثيف الرمزي، حيث يتحول الشكل إلى حامل للمعنى، ويتحول الجسد إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتأويل.
تقوم البنية العامة للعمل على محور عمودي يقسم اللوحة إلى فضاءين متقابلين. هذا المحور لا يؤدي وظيفة إنشائية فحسب، بل يتحول إلى ما يشبه “العمود الحضاري” الذي تتراكم عليها الرموز والإشارات والزخارف والخطوط. إننا أمام مركز دلالي يستدعي فكرة الذاكرة العراقية الممتدة من العلامة السومرية إلى الزخرفة الإسلامية، ومن الأثر المعماري إلى الرمز الشعبي، وكأن الفنانة تسعى إلى إقامة جسر بصري بين الأزمنة المختلفة.
على جانبي هذا المحور تظهر كائنات بشرية مؤنسنة، صيغت أجسادها وفق اختزال هندسي واضح. فالجسد هنا لا يُراد له أن يكون تمثيلاً تشريحياً واقعياً، بل بنية رمزية تتشكل من وحدات عضوية وأشكال أقرب إلى المفردات النحتية. إن هذا التفكيك المقصود للجسد يحيل إلى مفهوم الإنسان بوصفه كائناً ثقافياً أكثر من كونه جسداً بيولوجياً. لذلك تبدو الشخصيات وكأنها تنبثق من الذاكرة الجمعية لا من الواقع المباشر.
أما الرؤوس الصغيرة المعلّقة فوق الأجساد، فتؤدي دوراً بالغ الأهمية في تنظيم الخطاب البصري للعمل. فهي رؤوس متقشفة التعبير، أقرب إلى الأقنعة منها إلى الوجوه. وهذا الاختزال يحرر الشخصية من فرديتها ليجعلها نموذجاً إنسانياً عاماً، بما يسمح للمتلقي أن يرى فيها صورة الإنسان العراقي أو الإنسان المطلق الذي يحمل أثقال التاريخ والذاكرة.
وتكتسب الدائرة المركزية ذات البنية الحلزونية أهمية خاصة داخل التكوين، إذ تشكل نقطة ارتكاز بصرية وروحية في آن واحد. فمن الناحية الشكلية تمثل مركز التوازن، ومن الناحية الدلالية يمكن قراءتها بوصفها رمزاً للديمومة أو الزمن أو حركة التاريخ التي تدور باستمرار حول ذاتها. إن وجودها بين الكائنين يمنح العمل بعداً حوارياً، وكأن الشخصيتين تتشاركان ذاكرة واحدة أو مصيراً واحداً.
اعتمدت الفنانة تضاد الألوان المدروس بين الخلفية الداكنة والكتل المضيئة بالأصفر والأبيض. هذا الاختيار منح الأشكال قوة حضور استثنائية، وجعلها تبدو كأنها تخرج من العتمة أو تستعاد من عمق التاريخ. كما أن إدخال الأزرق الفيروزي والأخضر في العمود المركزي لم يكن مجرد إثراء لوني، بل إحالة إلى الإرث المعماري والزخرفي لمدن العراق التاريخية، حيث يظل اللون الأزرق حاملاً لذاكرة الماء والقباب والسماء.
تقنياً، يمكن ملاحظة ميل الفنانة إلى بناء السطح التصويري عبر التراكب الطبقي للخامات والألوان، بحيث تكتسب المادة نفسها قيمة تعبيرية. فالملمس هنا ليس عنصراً زخرفياً، بل جزء من السرد البصري، يذكّر بآثار التعرية التي تصيب الجدران القديمة والمخطوطات واللقى الأثرية. ومن ثم فإن اللوحة تبدو وكأنها قطعة أثرية مستخرجة من زمن بعيد أكثر من كونها مشهداً آنياً.
إن ما يميز هذه التجربة أيضاً هو نجاحها في الإفلات من المباشرة السردية. فالعمل لا يروي حكاية محددة، ولا يقدم موضوعاً جاهزاً للقراءة، بل يفتح شبكة واسعة من الاحتمالات التأويلية. وهنا تكمن قيمته الجمالية، إذ ينتقل المتلقي من المشاهدة إلى المشاركة في إنتاج المعنى.
كان من الممكن أن تستوقف المتلقي أعمال أكثر صخباً في اللون، أو أكثر براعة في المحاكاة الواقعية، أو أكثر جرأة في التجريب الشكلي. غير أن لوحة نسرين الملا تميزت بخصائص نادرة اجتمعت فيها معاً:
امتلاكها مشروعاً فكرياً واضحاً يتجاوز حدود الزينة البصرية نحو بناء خطاب ثقافي مرتبط بالهوية والذاكرة.
قدرتها على الموازنة بين التراث والمعاصرة، فالرموز المستحضرة من الموروث لم تستخدم بوصفها اقتباسات زخرفية، بل أُعيد إنتاجها داخل رؤية تشكيلية حديثة.
وبناء لا توجد فيه عناصر فائضة أو زائدة عن الحاجة، وكل مفردة تؤدي دوراً عضوياً في بنية العمل.
الاقتصاد اللوني المقصود منح اللوحة قوة تعبيرية أكبر، وهي سمة أساسية في الأعمال الفنية الناضجة.
تميزها داخل فضاء المعرض، ما جعل حضورها أكثر رسوخاً في الذاكرة.
لهذه الأسباب تحديداً يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه واحداً من الأعمال التي نجحت في تمثيل الاتجاه المعاصر في التشكيل العراقي، ذلك الاتجاه الذي لا يكتفي باستعادة الموروث، بل يعيد إنتاجه جمالياً وفكرياً داخل خطاب بصري جديد، قادر على مخاطبة الحاضر من دون أن يفقد صلته العميقة بالجذور..