كان جوزيف ستالين يحب المحاكمات العلنية التي تهين الخصوم. ففي ثلاثينيات القرن الماضي أجبر عشرات من خصومه المعروفين على الاعتراف بالخيانة أمام الناس، ثم أدانهم وأعدم أكثرهم، ليشهد الجميع كيف يُكسَرون ويُهانون علنًا. أما مع أندريه فلاسوف، القائد السابق في الجيش الأحمر الذي انحاز إلى الألمان في الحرب العالمية الثانية، فقد سلك ستالين طريقًا آخر. فبناءً على اقتراح من مجلس وزرائه، جرت المحاكمة بلا ادعاء ولا دفاع وبعيدًا عن الجمهور. ولم تظهر في صحيفة “برافدا”، لسان حال الحزب الشيوعي، سوى مقتضبة صغيرة بعد انتهاء الجلسات في 2 آب/ أغسطس 1946، تقول إن الهيئة العسكرية في المحكمة العليا حكمت على فلاسوف وأحد عشر من رفاقه بالإعدام شنقًا بتهمة الخيانة العظمى والتجسّس والإرهاب، وإن الحكم نُفّذ.
هذه المحاكمة القصيرة السرية تختصر طريقة تعامل القيادة السوفياتية مع المتعاونين مع النازيين: أقصى العقاب وأقل الكلام. فكل مواطن سوفياتي خدم في صفوف الألمان كان يصدّع الرواية الرسمية عن “الحرب الوطنية العظمى”، تلك التي تزعم أن الشعب كله وقف صفًّا واحدًا ضد النازيين. والحقيقة أن التعاون كان ظاهرة واسعة. إذ يرجّح البحث التاريخي الأحدث أن نحو 1.6 مليون إنسان من الاتحاد السوفياتي ساعدوا المحتلين الألمان، سائقين وطباخين وحمّالين، ثم عناصر شرطة مساعدة، بل جنودًا في الفيرماخت وفي وحدات “إس إس” المسلحة. وكان كثيرون منهم أوكرانيين أو من البلطيق أو القوقاز، وكان قرابة النصف من الروس. ولا يزال الموضوع حساسًا في روسيا إلى اليوم، فبوتين يستحضر، كما فعل ستالين، شعبًا روسيًّا لا ينقسم، يزعم أنه صدّ الأعداء الخارجيين عبر تاريخه كله، ودعاته يعيدون تأويل “قضية فلاسوف” ببراعة كي تلائم هذه الصورة.
وُلد فلاسوف في أيلول/ سبتمبر 1901 في قرية فلاحية في ما يُعرف اليوم بمقاطعة نيجني نوفغورود. وكما فعل خصمه اللاحق ستالين وكثير من أبناء الأسر الفقيرة، التحق بمعهد ديني أرثوذكسي لإعداد الكهنة. وحين استولى البلاشفة على السلطة عام 1917 ترك اللاهوت وانضم إلى الجيش الأحمر، قائلًا فيما بعد إنه أراد أن يقاتل “من أجل الأرض للفلاحين، ومن أجل حياة أفضل للعمال، ومن أجل مستقبل مشرق للشعب الروسي”. وشارك في الحرب الأهلية الروسية، وترقّى في الجيش درجةً درجةً، وانتسب إلى الحزب الشيوعي عام 1930، وكتب ذات مرة: “السلطة السوفياتية لم تظلمني في شيء”.
| أسرى الحرب السوفيات عام 1942: بحلول شهر فبراير/شباط 1942، كان أكثر من نصف أفراد الجيش الأحمر – الذين تجاوز عددهم 3.3 مليون أسير في المعسكرات الألمانية- قد لقوا حتفهم |
وبقي على ولائه بعد هجوم هتلر على الاتحاد السوفياتي في 22 حزيران/ يونيو 1941. وأبلى فرعه بلاءً حسنًا في معركة موسكو التي ردّ فيها الجيش الأحمر الألمان إلى ضاحية من ضواحي العاصمة. فاحتفت به الصحف بطلًا، ومنحه الحكم وسام الراية الحمراء، واستقبله ستالين في الكرملين أكثر من مرة. وبعد ترقيته إلى رتبة فريق وُضع على رأس الجيش الصاعق الثاني، وهو تشكيل ضخم كُلّف بفك الحصار عن لينينغراد.
حين تسلّم القيادة في نيسان/ أبريل 1942 كان الهجوم السوفياتي قد توقف، وقطع الألمان خطوط الإمداد عن الجيش. وكان الوضع ميؤوسًا منه، ذخيرة تكاد تنفد وطعام شحيح ونيران مدافع وقاذفات مقاتلة تنهال من الجو. ومع ذلك أمرت القيادة العسكرية أولًا بالصمود في المستنقعات الواقعة بين لينينغراد والخطوط السوفياتية، ولم يصل أمر الانسحاب إلا بعد أسابيع، في منتصف أيار/ مايو 1942. وفشلت محاولة الاختراق، ومن أسبابها أن الأرض حول نهر فولخوف كانت مغمورة بالمياه جزئيًّا. فراح الجنود يشقّون طريقهم مشيًا في مجموعات صغيرة، يقتاتون العشب وحساء الفطر الرقيق. وفي تقرير جبهة سوفياتي أن فلاسوف بدا حينها غائبًا عن نفسه، فحين أطلق الألمان النار عليه لم يحتمِ بل بقي واقفًا، وكان “يبدو مذهولًا أو شارد الذهن”. وبعدها انقطع أثره.
أسره الألمان في 12 حزيران/ يونيو 1942. وبحسب تقرير للفيرماخت كان أهل القرية قد حبسوه في حمّام وسلّموه إلى المحتلين، وحين فتح جندي الباب خرج رجل ضخم بنظارة سميكة وأنف معقوف وصاح بألمانية مكسّرة: “لا تطلقوا النار. أنا الجنرال فلاسوف”.
سرعان ما أخبر المحققين الألمان بمن من القادة السوفيات كفؤ ومن متعجرف أو مدمن على الكحول، وأفاض في الحديث عن أسلحة الجيش الأحمر واستراتيجيته. وبعد قليل عرض عليه ضباط ألمان ما هو أكبر: هل يتصوّر نفسه على رأس جيش روسي يقاتل ستالين؟ لم تكن فكرة استمالة المتعاونين جديدة، فمنذ الأسابيع الأولى للحرب جنّد الألمان في المناطق المحتلة مواطنين سوفيات وأسرى حرب لخدمتهم، وهم من سُمّوا “هيفي” (المساعدون الطوعيون)، واستخدمتهم الفيرماخت في البدء في أعمال بلا سلاح، وكان بعض الألمان يسمّونهم “إيفاناتنا”. ثم أُعطي بعضهم بنادق للتصدي للأنصار خلف الجبهة.
يقول المؤرخ أوليغ بيدا من جامعة ملبورن: “ما سُمّي مكافحة العصابات كان مجزرة واحدة متصلة”. وشارك بعض المتعاونين في المحرقة وأطلقوا النار على اليهود. وكان الألمان يخوضون حرب إبادة، فتركوا أسرى الجيش الأحمر يجوعون ويتجمّدون بشكل منهجي، وبحلول شباط/ فبراير 1942 وحده كان أكثر من نصف ما يزيد على 3.3 مليون جندي سوفياتي في معسكراتهم قد ماتوا. ولم يكن معظم الـ”هيفي” مؤمنين بقضية، فالتعاون يعني طعامًا على الأقل. يقول بيدا: “الدافعان الأهم كانا الخوف والجوع”.
| متعاونون روس في الفيرماخت: “إيفاناتنا” |
من فلاسوف لم ينتظر الألمان أعمالًا مساعدة بل نجاحًا دعائيًّا. فإذا انقلب جنرال روسي مشهور على الاتحاد السوفياتي علنًا، فقد يُضعف ذلك معنويات الجيش الأحمر ويغري آخرين بتقليده، خصوصًا إن أمكن تقديمه بديلًا من ستالين. ولم يحتج الأمر إلى إقناع طويل. أما لماذا استسلم الجنرال الأسير فليس من السهل الجزم به اليوم. فقد تعلّم على الأرجح من تطهيرات ستالين في الثلاثينيات أن الأسلم ألّا يقول المرء أو يكتب ما يفكر فيه حقًّا، لذلك جاءت مدوّناته حذرة ومتناقضة أحيانًا. لكن روايات المقرّبين منه تكشف شيئًا من داخله. فقد أحسّ حياة المعسكر إهانة، وتذمّر من غسل ثيابه بنفسه ومن أنه لا يملك منشفة، فهو الجنرال الذي يجفّف نفسه بخرقة. ويقول بيدا: “كان يهمّه أن يعيش على نطاق واسع، يحب النساء والسيارات والملابس الأنيقة، ويحب أن يسمع عبارة (تحت أمرك يا سيادة الجنرال)”. ويرى الباحث أن تجربة الطوق عند نهر فولخوف أثّرت فيه أيضًا: “كلمة (صدمة) مستهلكة اليوم، لكن يحق لنا هنا استعمالها”. وربما شعر بأن قيادة الجيش خانته إذ أبقته في موقف ميؤوس منه. وزادت الدعاية الألمانية عن نصر وشيك الأمر رسوخًا، وكان الاتكال على الألمان في جانب منه غريزة بقاء. يصفه بيدا: “كان حرباء تتكيّف دائمًا لتنجو. ولو عثرت عليه مهمة إنقاذ سوفياتية قبل النازيين لواصل على الأرجح القتال ضد هتلر، ولدخل التاريخ واحدًا من مارشالات النصر السوفيات”.
وسرعان ما انتقل من معسكر الأسرى إلى فيللا في برلين ليعمل في الدعاية للألمان. وفي أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1942 صاغ مع منشق بارز آخر، تحت إشراف ألماني، إعلانًا أهدافه إسقاط ستالين وتحطيم البلشفية وعقد “سلام مشرّف مع ألمانيا”. ووعد في روسيا الجديدة بحلّ المزارع الجماعية وإعادة الأرض إلى الفلاحين، وبحرية الدين والصحافة وإطلاق جميع السجناء السياسيين. أما “جيش التحرير الروسي” الذي ورد في الإعلان، فقد قام لاحقًا على تشكيلات متعاونة قائمة أصلًا، تغذّت من أسرى الحرب والمنشقين الذين استخدمتهم الفيرماخت “هيفي” منذ 1941، وكانت ألمانيا هي من يجهّزها ويموّلها ويراقبها. ودعا فلاسوف جنود الجيش الأحمر إلى تغيير صفوفهم، وضمن العفو لمن ينضمّون إلى هذا الجيش الجديد في قتاله ضد البلشفية. فكّرت منشورات الإعلان كثيرًا من الجنود الحمر. وأبلغ جنرال سوفياتي على جبهة لينينغراد أن جنوده يسألون عن فلاسوف، وطلب إذنًا ببدء حملة تشهير مضادة. فيبدو أن تصوّره لروسيا بلا ستالين كان مادة متفجرة سياسيًّا، إذ لم يعد الدكتاتور يتمتع بتأييد كامل بين الناس منذ مجاعات الثلاثينيات وتطهيراتها. ويعتقد بيدا أن هذا أيضًا سبب تخلّي ستالين لاحقًا عن محاكمة علنية: “أرادوا منع كلمات فلاسوف من أن تُسمع”.
| لوحة لستالين، 1942 |
وربما كان بوسع الألمان استثمار سخط كثير من السوفيات على ستالين لإحداث تغيير في النظام، لكنهم خاضوا الحرب بوحشية ولم يقدّموا للسكان المحتلين مستقبلًا حقيقيًّا، فجعلوا من الجماعات حسنة النية عدوًّا لهم بسرعة. ثم إن هتلر نفسه كانت له خطط أخرى منذ البداية، فهو لم يشأ إخضاع الاتحاد السوفياتي ونصب دمية موالية فيه، بل عدّ الروس دون البشر، وأراد طردهم أو استعبادهم أو قتلهم ليصنع “مجالًا حيويًّا في الشرق”. ورفض إلحاح بعض جنرالاته على تسليح جيش التحرير الروسي، فكان “جيش فلاسوف” عنده أداة دعاية لا أكثر. وشعر فلاسوف بالعزلة، وشكا لضابط ارتباط ألماني أنه يتشمّس في حديقة فيلته في برلين دالم ويلعب الورق بينما تدور المعارك الحاسمة.
وحين انهارت الجبهة الشرقية تمامًا فقط، لان هتلر. ففي نيسان/ أبريل 1945 دخلت وحدات من جيش التحرير الروسي، وكان قوامه على الورق نحو 120 ألف رجل، القتال عند نهر أودر من دون نجاح يُذكر. وفي أيار/ مايو 1945 انقلبت أجزاء من الجيش مرة أخرى، من الألمان هذه المرة إلى الثوار التشيك، وشاركت في تحرير براغ. يقول بيدا: “من دونها كانت المدينة ستصير ركامًا مثل وارسو”. ومع ذلك زجّ ستالين معظم هؤلاء الرجال في معسكرات العقاب بعد الحرب. والغولاغ، وهو اختصار اسم الإدارة السوفياتية للمعسكرات، سجن بين 1922 و1953 أكثر من 18 مليون شخص من مجرمين ومعتقلين سياسيين وغير مرغوب فيهم لأعمال السخرة، ثم صار اسمه يطلق على معسكرات العمل السوفياتية كلها، ومنها معسكرات أسرى الحرب التي كانت رسميًّا تابعة لجهة أخرى، لكن مصير ملايين الأسرى فيها، وهم بين أربعة وستة ملايين، لم يختلف فعليًّا كثيرًا عن مصير نزلاء الغولاغ: عمل شاق وطعام قليل ونسبة وفيات مرتفعة.
حاول فلاسوف نفسه أن يشق طريقه غربًا ويسلّم نفسه إلى الأميركيين، لكن جنودًا حمرًا اكتشفوه بعد استسلام ألمانيا بقليل في رتل سيارات، مختبئًا تحت غطاء. وبعد محاكمة قصيرة سرية انتهى هو وأحد عشر من قادة جيشه على المشنقة.
بقي اسمه في الاتحاد السوفياتي محرّمًا زمنًا طويلًا. فقد قُتل أو تجمّد أو مات جوعًا نحو 27 مليون سوفياتي في حرب الإبادة الألمانية، وبقي كثير من الناجين مصدومين، وعُدّ التعاون فصلًا بغيضًا الأفضل طيّه. أما في الغرب فنشأت حوله أسطورة. يقول بيدا: “قدّمه أنصاره قديسًا وقائدًا حقيقيًّا للقضية المناهضة للشيوعية في الحرب العالمية الثانية”. وأراد قدامى جيشه أن يصوّروا أنفسهم “قوة ثالثة” ضد ستالين وضد هتلر معًا. وروّج ضباط الارتباط الألمان السابقون الرواية نفسها لتبرئة أنفسهم، فجعلوا من انخراطهم في جيش التحرير الروسي دليلًا على أنهم لا علاقة لهم بهوس هتلر العنصري وأنهم قاتلوا البلشفية وحدها. وتسرّب هذا التأويل إلى أعمال علمية أيضًا.
وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 شهدت روسيا عودة لفلاسوف، فاحتفت به جماعات قومية شهيدًا لمناهضة الشيوعية، وطالب ملكيون بأن يعيد الجيش الاعتبار إليه، وصدر عام 2007 كتاب لعمدة موسكو السابق بعنوان “استحضار روح الجنرال فلاسوف”. انتهت هذه المرحلة حين ثبّت بوتين حكمه وصار يشير إلى الاتحاد السوفياتي بإيجابية. وحين أراد مؤرخ عام 2016 اعتماد أطروحة دكتوراه متعاطفة مع فلاسوف رفضتها السلطات. يقول بيدا: “أراد النظام أن يوضح: نحن الآن أصحاب القرار في الحقل الأكاديمي”. وتدارك باحثو الأرشيف الرسمي الأمر بنشر مجموعة وثائق عن المحاكمة التي لم تُعلن، عنوانها الفرعي “تاريخ خيانة”، وخلص مؤلفوها إلى أن فلاسوف ورجاله بأفعالهم “أطالوا عمر النظام النازي، فمات بذلك الروس أنفسهم الذين زُعم أن الجنرال يحرص عليهم”.
واليوم لا يكاد أحد في روسيا يستشهد بالجنرال المشنوق استشهادًا إيجابيًّا. يقول بيدا: “هذا يعادل انتحارًا سياسيًّا”. فالأغلبية الكبرى لا تريد أي صلة بمعاون للنازيين، والأجندة المناهضة للشيوعية التي جذبت بعضهم إلى فلاسوف في الحرب فقدت كل جاذبية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. وصار اسمه في اللغة اليومية شتيمة بمعنى “خائن”. وفي عام 2024 وصف بوتين الروس الذين يقاتلون إلى جانب أوكرانيا بـ”الفلاسوفيين”، وأردف: “هم أيضًا قاتلوا ضد وطنهم والسلاح في أيديهم. ومعروف كيف انتهوا”!