الحسكة – تعيد المظاهرات التي شهدتها مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، للأسبوع الثاني على التوالي، فتح السؤال بشأن مدى تقدم عودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، وحدود الاتفاقات المعلنة لدمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات دمشق. فرفع العلم السوري والمطالبة بحضور مؤسسات الدولة لا يعكسان مجرد تحرك رمزي، بل يسلطان الضوء على الفجوة بين عودة بعض مظاهر السلطة الحكومية وبين استكمال توحيد الإدارة والأمن على الأرض.
وجاءت التظاهرة الأخيرة، التي حملت اسم «جمعة العلم السوري»، وانطلقت من حي غويران، للمطالبة بتعزيز حضور المؤسسات الرسمية ورفع العلم السوري في الأحياء والساحات. وتزامن ذلك مع إعلان مديرية إعلام الحسكة تعزيز انتشار قوى الأمن الداخلي عقب إطلاق نار عشوائي في المدينة، في تطور يعيد الأمن المحلي إلى واجهة المطالب الشعبية، إلى جانب مسألة توحيد المؤسسات.
ولا تعني هذه التحركات أن الدولة السورية غائبة تماماً عن الحسكة؛ فقد دخلت قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة المدينة في فبراير الماضي، في إطار مسار أوسع لإعادة دمج المؤسسات المدنية والأمنية ضمن هياكل الدولة. لكن عودة هذه القوات تمثل خطوة في مسار لم تُحسم جميع تفاصيله، إذ لا تزال مناطق في المحافظة تحت نفوذ «قسد»، فيما تتواصل ترتيبات دمج المؤسسات والقوى الأمنية.
وتكمن إحدى العقد الأساسية في أن الاتفاق على دمج المؤسسات لا يساوي بالضرورة توحيدها عملياً. فإعادة تنظيم الإدارات المحلية والأجهزة الأمنية تحتاج إلى تفاهمات بشأن الصلاحيات وسلاسل القيادة وآليات الإشراف، فضلاً عن تحديد كيفية انتقال الموظفين والمؤسسات القائمة إلى المنظومة الحكومية، من دون أن يتحول المسار إلى مجرد تغيير شكلي في الهياكل أو المسميات.
ويضع هذا الواقع السلطات السورية أمام اختبار يتجاوز استعادة الحضور الرسمي في المراكز الحضرية. فالمطلوب هو بناء إدارة موحدة قادرة على تقديم الخدمات وتطبيق القانون، بالتوازي مع معالجة التداخل بين الأجهزة الأمنية القائمة، وتحديد المسؤوليات بما يمنع نشوء مراكز قرار متنافسة. وكلما طال الانتقال بين الاتفاق السياسي والتنفيذ الميداني، ازدادت احتمالات بقاء ترتيبات محلية مؤقتة تتحول بمرور الوقت إلى واقع يصعب تغييره.
لا تتمثل المسألة في عودة الدولة من عدمها بقدر ما تتعلق بمدى اكتمال هذه العودة، وقدرتها على الانتقال من الحضور المؤسسي والأمني إلى سلطة موحدة وفاعلة
وفي المقابل، تواجه «قسد» اختباراً بشأن مدى استعدادها للمضي في دمج مؤسساتها وقواتها ضمن هياكل الدولة، وما إذا كان الاتفاق سيقود إلى انتقال فعلي للصلاحيات أم إلى صيغة تجمع بين المرجعية الرسمية واستمرار بعض آليات الإدارة القائمة. ولا يمكن حسم هذا السؤال من خلال المظاهرات وحدها، لكنه يظل أحد الملفات التي ستحدد طبيعة العلاقة بين دمشق والقوى المحلية في شمال شرقي البلاد.
ويحمل رفع العلم السوري في الحسكة دلالة سياسية واضحة، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن المطالب الأخرى التي رفعتها التظاهرة، وفي مقدمتها تعزيز حضور المؤسسات الحكومية. فالعلم يمكن أن يعبر عن الرغبة في تثبيت مرجعية الدولة ووحدة البلاد، غير أن ترجمة هذه الرمزية إلى واقع يومي ترتبط بقدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وبمدى وضوح سلطتها ومسؤولياتها.
كما أن اتساع الحضور الحكومي لا يُقاس بالانتشار الأمني وحده. فاستعادة الثقة تتطلب انتظام الخدمات، ووضوح الإجراءات الإدارية، وضمان تطبيق القانون، إلى جانب التعامل مع المخاوف المحلية المرتبطة بتغير البنية الأمنية والإدارية. ومن هنا، فإن أي مسار لدمج المؤسسات يحتاج إلى خطوات ملموسة يشعر بها السكان، لا إلى تفاهمات سياسية تبقى نتائجها محدودة على الأرض.
ويكشف إطلاق النار العشوائي الذي أعقبه تعزيز انتشار قوى الأمن الداخلي عن أهمية الملف الأمني في هذا السياق، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قدرة السلطات على فرض الاستقرار أو على طبيعة التحديات التي تواجهها. فالتقييم يحتاج إلى متابعة أوسع لطبيعة الحوادث الأمنية، واستجابة الأجهزة لها، ومدى التنسيق بين الجهات المعنية.
وتكتسب الحسكة أهمية خاصة لأن نجاح ترتيبات الدمج فيها يمكن أن يقدم مؤشراً على قدرة دمشق على توحيد المؤسسات في مناطق شهدت خلال سنوات الحرب أنماطاً مختلفة من الإدارة والسيطرة. وفي المقابل، فإن استمرار الغموض بشأن الصلاحيات والقيادة الأمنية قد يبقي الاتفاقات عرضة للتعثر، حتى مع وجود حضور حكومي معلن.
لذلك، لا تتمثل المسألة في عودة الدولة من عدمها بقدر ما تتعلق بمدى اكتمال هذه العودة، وقدرتها على الانتقال من الحضور المؤسسي والأمني إلى سلطة موحدة وفاعلة. فالمظاهرات المطالبة بالعلم السوري ومؤسسات الدولة تضع التنفيذ أمام اختبار علني، لكنها لا تقدم وحدها حكماً نهائياً على مسار الدمج.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الخطوات الجارية ستقود إلى توحيد فعلي للإدارة والأمن، أم ستفضي إلى صيغة انتقالية طويلة تحتفظ فيها الأطراف بنفوذ متفاوت. والإجابة ستتوقف على تفاصيل التنفيذ، ومدى الالتزام المتبادل بالاتفاق، وقدرة المؤسسات الحكومية على تحويل حضورها في الحسكة إلى واقع مستقر وملموس للسكان.