ملخص
يرى الكاتب أن الجدل حول العلامات المائية، التي أضافتها “أنثروبيك” إلى نصوص “كلود”، يغفل القضية الأساسية: حق القراء في معرفة مصدر ما يقرؤون. فالمشكلة ليست في كشف استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تمرير نصوصه على أنها كتابة بشرية، بما يهدد الثقة بعملية “الكتابة” نفسها.
إنه في كل مكان، ولا ينفك تمييزه يزداد صعوبة. ونحن شئنا أم أبينا، وسواء عرفنا ذلك أم غاب عنا، نقرأ عدداً متزايداً من الكلمات التي لم يكتبها أي إنسان في الواقع.
على سبيل المثال، يعج موقع “لينكدإن” بنصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى حد أن منصة التواصل المهني اضطرت إلى إضافة تحديثات جديدة تتيح للمستخدمين الإبلاغ عن ذلك المحتوى، ولكن المسألة لا تقتصر على المديرين التنفيذيين الذين لا يسعفهم الوقت للتراسل بأنفسهم، فيعتمدون على الذكاء الاصطناعي للقيام بذلك نيابة عنهم، إذ تتوالى أيضاً الفضائح التي يحاول فيها بعضهم تمرير نصوص مولدة اصطناعياً على أنها من كتابتهم.
لذا، أعلنت شركة “أنثروبيك” الأسبوع الماضي أنها ستتخذ خطوة (وإن كانت محدودة نسبياً) في هذا الاتجاه، وكشفت الشركة المطورة لمساعد الذكاء الاصطناعي الشهير “كلود” أنها ستضيف إلى النظام علامات مائية رقمية لوسم النصوص، مما يتيح للقراء التحقق مما إذا كان الكلام الذي يطالعونه مولداً ربما بواسطة نموذج لغوي كبير (اختصاراً LLM) التابع لها.
في الحقيقة، يكتسي هذا النوع من الشفافية أهمية متزايدة، ذلك أن الاتهام باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد نصوص يحمل عواقب اجتماعية، بل ومالية، متنامية. وفي الأشهر القليلة الماضية، تعثرت كتب عدة بعد اتهام أصحابها باستخدام الذكاء الاصطناعي في تأليفها، ولكن من المهم أن نعرف مصدر المادة التي نقرأها.
غير أن التحقق من ذلك يزداد صعوبة كلما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً، وثمة قائمة طويلة من الأدوات التي تحاول كشف الكتابة المولدة بالذكاء الاصطناعي، ولكنها تفعل ذلك بناء على مؤشرات تقريبية قد تسفر عن نتائج موجبة خاطئة. (وبعض العلامات الأكثر وضوحاً على الكتابة المولدة بالذكاء الاصطناعي، من قبيل الشرطتين الطويلتين، تعتبر من علاماتها جزئياً كونها تظهر بكثرة في الأعمال الأدبية المستخدمة في تدريب نماذج اللغة الكبيرة، وكونها تمنح النص مسحة من الصدقية).
لذا وجدت “أنثروبيك” نفسها مضطرة إلى جعل أنظمتها أكثر شفافية، (أو بمعنى أدق، ألزمها “الاتحاد الأوروبي” بذلك، ويندرج كل هذا تحت باب الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالاتحاد). وفي الحقيقة، يجيء التحديث الجديد لنظام “كلود” استجابة لمشكلة حقيقية، مشكلة تتهدد بتقويض ثقتنا بالكلمة المكتوبة نفسها.
في البداية، كانت “أنثروبيك” متحفظة بعض الشيء في شأن كيفية عمل نظامها للعلامات المائية، ولكنها أعلنت خلال الأيام القليلة الماضية المبادئ التي يقوم عليها، وإن لم تكشف النقاب عن آليته الدقيقة. يعمل النظام من طريق تفضيل بعض الكلمات على غيرها، ولكن من دون أن يبدو ذلك واضحاً أو يؤثر في جودة النص المولد، على ما تؤكد الشركة. هكذا، تتمكن أنظمة الفحص الآلي من إجراء تحليل إحصائي، ومعرفة ما إذا كانت تلك الكلمات تظهر بمعدل أعلى من المتوقع في الكتابة البشرية الطبيعية.
وعلى منصة التواصل الاجتماعي “ريديت”، أبدى بعض المستخدمين احتجاجهم، وتعددت اعتراضاتهم. قال بعضهم إن هذا الإجراء مجحف في حق المستخدمين الذين يستعينون بالذكاء الاصطناعي بقدر يسير، لتحرير أعمالهم أو تدقيقها مثلاً. وقال آخرون إنه سيكون من السهل إزالة العلامة المائية، وبالتالي لن ينكشف أمر سوى المستخدمين غير المتمرسين، فيما رأى آخرون أنها لن تقدم دليلاً قاطعاً في نهاية المطاف، لأنها لا تثبت استخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه، غير أن كثيراً من التعليقات كانت تختزل اعتراضها في نقطة واحدة رئيسة: ليس من العدل أن ينكشف أمر الناس.
ولكن ظهر أيضاً انتقاد آخر، وربما يتصل بجوهر المسألة أكثر من سابقاته، ويتمثل في أن العلامة المائية ستجعل نصوص “كلود” أقل جودة، وقد عبر الكاتب المتخصص في الشؤون التقنية جون غروبر عن هذا الرأي بأشد العبارات انفعالاً، واصفاً وضع العلامة المائية بأنه “تشويه للكتابة” في تدوينة نشرها من أكثر من أسبوع.
وكتب غروبر: “الكلمات التي نختارها عند الكتابة مهمة، لذا أريد من أي نموذج لغوي كبير أستخدمه أن ينتقي أفضل الكلمات وأكثرها دقة في كل موضع يقتضي الاختيار”، مع إقراره بوجود قيود معينة تحول دون تحقيق ذلك، وفي حالة الذكاء الاصطناعي تتمثل هذه القيود في الوقت والقدرة الحاسوبية، والحال نفسها تقريباً في الكتابة البشرية أيضاً، التي تحتاج بدورها إلى الوقت والتأني، بحسب قوله.
وأضاف غروبر: “بعبارة أخرى، نحن أمام مفاضلات لا مفر منها، وتصب كل هذه العوامل في مصلحتي: السرعة والكلفة والجودة. وفي الحالة المثلى، أريد كتابة مثالية، تولد فوراً ومن دون أية كلفة، ولكن لا يمكن تحقيق أي من هذه الأمور”. وتابع: “ومن المستفز للغاية أن تؤخذ اعتبارات أخرى، بخلاف احتياجاتي، في الحسبان عند توليد نص لي”.
وتواصلت نبرة الغضب هذه على طول حجته، إذ كتب غروبر: “تبقى أفضل كتابة أراها تصدر عن هذه النماذج أسوأ من أي نص قد أختار قراءته لمجرد المتعة، والآن تقول أنثروبيك إنها ستجعله أسوأ بعد وعن عمد، لأغراض لا تعود علي بأية فائدة؟ حتى وإن كان التراجع في الجودة طفيفاً؟”.
ثم كتب، ومن دون استخدام النجوم لحجب الشتيمة: “تباً لكم”.
وبالطبع، يحمل هذا الطرح مشكلات كثيرة. من جهة، تبدو نبرة الاستنكار المفرط غريبة حين يكون النقاش حول نظام آلي لتوليد النصوص يستخدمه معظم الناس مجاناً، ولكن ثمة مشكلة أعمق، والمفارقة أنها تكمن في الكلمة نفسها التي اختار غروبر وآخرون استخدامها تحديداً: “الكتابة”.
لا يكتب “كلود” أبداً، والأشخاص الذين يوعزون إليه بتوليد النصوص آلياً لا يكتبون أيضاً. في الأقل، لا ينطبق عليهم فعل “يكتب”، ولا الكتابة كاسم. فالكتابة، التي ترجع جذورها إلى الخدش والنحت، ممارسة إنسانية متجسدة وإبداعية، ونتاج عمليات أخرى بشرية في جوهرها، مثل التفكير والاختيار.
أما نماذج اللغة الكبيرة، فتولد النصوص عبر عمليات إحصائية معقدة، وهذا الناتج قد يكون مهماً ومفيداً وجيداً بطرق عدة، ولكنه ليس “كتابة”. والحال أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ أموراً كثيرة منا، وربما يمنحنا الكثير، ولكن لا يمكن أن ينسب إليه فعل “الكتابة”.
كذلك ليس توجيه نماذج اللغة الكبيرة عبر التعليمات كتابة أيضاً، وإن كان الأمر نفسه الذي يصيغه المستخدم كتابة فعلية ربما. وأحد الأمور الأساس التي ستضمن حفاظ كلمة “الكتابة” على أهميتها وقيمتها أن نعرف متى يحاول شخص ما خداعنا. من هنا، تكتسي مساعي “أنثروبيك” نحو الشفافية أهمية بالغة، كونها تحافظ على معنى كلمة “الكتابة” ومعنى الكلمات عموماً واضحاً.
وهذا، لا ريب، الهاجس الحقيقي الكامن وراء هذا الكم من الغضب. فالأشخاص الذين يزعمون أن نظام “أنثروبيك” الجديد سيتسبب في إحراجهم يفضحون أنفسهم، إذ يقرون بصورة ضمنية وربما من دون وعي منهم، بأنهم يشعرون بالخجل، ولا يريدون أن يوصموا به، ولكن تقديم نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي على أنها من كتابة أصحابها فعل مخز فعلاً ومعيب.
والحقيقة العميقة التي لا جدال فيها، التي تبدو لي بدهية، أن الناس يستحقون أن يعرفوا مصدر ما يقرؤونه. يصح ذلك على أرفع المستويات الفنية وأكثرها رقياً، فالأدب، مهما يكن أيضاً، يبقى في أفضل حالاته تواصلاً مع أفكار الآخرين، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا في إطار جماعة بشرية. كذلك يصح ذلك على المستوى الأكثر عملية والأقل عمقاً: فالكتابة ذات المعنى تحتاج إلى كاتب يمكن إرجاعها إليه بوصفه مصدرها.
وهنا تكمن القوة العظمى للكتابة وما تنطوي عليه من تهديد في آن، فكل اللغة التي نستخدمها تحمل التزاماً علنياً بأننا قلنا شيئاً ما. قد يكون هذا الالتزام باعثاً على الحماسة أو الرهبة، وجل ما فعلته “أنثروبيك” أنها جعلت هذه الحقيقة واضحة.
© The Independent
