-
ياسين السويحة.. الجمهورية .نت
-
-
-
هل يكفي النقاش حول واقع مسار العدالة الانتقالية لفهم احتجاجات الأسبوع الماضي في مناطق عديدة من الجغرافيا السورية؟ تقترح السطور الآتية أن الجواب هو: لا. فهذا النقاش، المركزي والمهم لحاضر البلاد ومستقبلها، يشرح جزءاً مما جرى، لكنه لا يصل إلى ما يبدو تياراتٍ عميقة ظهرت على السطح الآن على شكل «مطالبة بالمحاسبة»، وقد تظهر مستقبلاً بأشكال مختلفة. ثمة سخط اجتماعي-سياسي واسع يتجاوز السؤال الحقوقي المباشر، ويتصل بكيفية فهم قطاعات واسعة من السوريين لمعنى سقوط نظام الأسد، وبتوقعاتهم لسوريا ما بعده، وبرؤيتهم لأنفسهم ولحقهم فيها، وبما يعدّونه حصتهم من هذا الخلاص، مادياً واعتبارياً، ومطالبتهم بها. إنه غضب «الذين ما يزالون ينتظرون».
تحت شعار «محاسبة الشبيحة» رأينا الأسبوع الماضي مطالبات بأشياء كثيرة تتجاوز ما تقوله حرفية الشعار بالمعنى القانوني. لا شك في حضورٍ عامٍ وواضح لتوقٍ إلى العدالة؛ إلى عدالةٍ ما ليس واضحاً أن ثمة اتفاقاً على تفاصيلها. لكن كان هناك أيضاً ما هو أوسع من «المحاسبة»، الكلمة التي تبدو اليوم دالّاً عائماً في سوريا، بلا معنى مُتّفق عليه، تُقبِلُ عليها مختلف الفئات السياسية السورية من زوايا مختلفة وباستخدامات مختلفة، ومُتعارِضة في كثيرٍ من الأحيان: موالية للسلطة ومعارضة لها؛ ومزاودة عليها أحياناً من موقع موالٍ أو من موقع معارض. يكاد لا يرفض «المحاسبة» في سوريا إلا بشار الأسد.
في شعارات وهتافات ومطالبات خلال مظاهرات الأسبوع الماضي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى إجراءات ــ أو محاولات لاتخاذ إجراءات ــ من قبل فعاليات محلية، بدا واضحاً أن «الشبّيح» الذي كانت المطالبة بمحاسبته عنواناً للاحتجاج لم يكن فقط من قتل أو اعتقل أو عذب أو شارك في ذلك. كان يعني أيضاً، بدرجات مختلفة، من استفاد، أو انتهز، أو راكم نفوذاً أو علاقات، أو عرف كيف «يدبر أموره» مع نظام الأسد، قبل الثورة وخلالها، فيما كان آخرون يدفعون أكلافاً أكبر بكثير. وربما أيضاً من بدا، في نظر آخرين، قادراً على تدبير أموره مرة أخرى مع السلطة الجديدة من ضمن هذه الفئة «الانتهازية».
من المنطقي النظر إلى هذا كله بوصفه خلطاً بين فئات مختلفة من وجهة نظر قانونية، وهذا ما أشار إليه، وبحق، فاعلون كثر، حقوقيون وغير حقوقيين. لكن «القانون» ليس الأداة الوحيدة التي يفهم الناس من خلالها ما جرى لهم خلال السنوات الماضية، ولا اللغة الوحيدة التي يعبرون بها عن تطلعاتهم لما ينبغي أن يأتي بعدها.
بوصفها حدثاً مزلزلاً امتد لعقد ونصف، أحدثت الثورة السورية شروخاً عميقة في البيئات المحلية على امتداد الجغرافيا السورية، أو رَكِبَت التبايناتُ بشأنها على خلافات موجودة سلفاً، طبقية وجهوية ومصلحية. حصل هذا على مستوى المدينة والبلدة والحي، وحتى على مستوى العشيرة والعائلة الواحدة. وخلال سنوات الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي، لم يختلف الناس فقط حول الثورة والنظام، بل عاشوا أيضاً تجارب حادة في تباينها من حيث الخسارة والنجاة والاستفادة والتهميش، وتكوّنت لديهم تصورات وأحكام حول أنفسهم وحول الآخرين، خصوصاً خصومهم المحلّيون سلفاً أو نتيجة الثورة.
في المناطق المختلطة طائفياً، يطغى التهابُ الفالق الطائفي غالباً على ما سواه من هذه اللُّوينَات، أو يعيدُ ترجمتها إلى لغته الخاصة. لكن تَأمُّل ما جرى في أجزاء من الشمال الغربي ووادي الفرات يُساعد على رؤية شيء من تلك التفاوتات والانقسامات الاجتماعية والمحلية بصورة أوضح. وهناك تبدو المطالبة بالمحاسبة متشابكة، في كثير من الأحيان، مع أسئلة أوسع تتعلق بالمكانة والاستحقاق والاعتراف الاجتماعي ما بعد الأسد.
لوادي الفرات هنا تعقيد إضافي، إذ تتابعت عليه سلطة الأسد، فداعش، فقسد، فـ«سوريا الجديدة». ما عنى طبقات إضافية من هذه التباينات بين من يرون أنفسهم مظلومين في وجه سلطة أو أكثر من هذه السلطات المتعاقبة، وكيف ينظرون إلى من «دبّرَ نفسه» مع واحدة منها أو أكثر. وأَقترِحُ هنا أن مشاكل وسجالات واستقالات الهيئة الناخبة لمقاعد «مجلس الشعب» في محافظة الرقة مثالٌ يكاد يكون مخبرياً على ذلك.
من هذا المنظور، تقترح هذه السطور ضرورة عدم فصل احتجاجات الأيام الماضية عن الاحتجاجات المطلبية والقطاعية والمناطقية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، أو عن النزاعات حول الملكيات والحقوق العقارية وإعادة الإعمار. كما يجب وصلها بخيبة أمل أخذت تتراكم مع تعثُّر كثير من الوعود التي أحاطت بالسنة الأولى بعد سقوط النظام. فبينما شاعت أحاديثُ الاستثمارات القادمة والانتعاش القريب، ظل كثيرون ينتظرون أثراً ملموساً في حياتهم. ثمة سؤال أساسي هنا، هو: «لماذا لم تتحسن الأحوال؟». لكن ثمة سؤالاً آخر أيضاً: «من الذي سيستفيد عندما تتحسن؟».
في هذا المعنى، تبدو كلمة «المحاسبة» أوسع بكثير من معناها القانوني المباشر. فهي تستوعب غضباً متراكماً وأسئلة مُعلَّقة وتوقعات لم تتحقق. فبالنسبة إلى قطاعات واسعة، ولا سيما في البيئات التي كانت الأكثر انكشافاً خلال سنوات الثورة والحرب، لم يكن سقوط النظام يعني فقط رحيل سلطة ظالمة، بل كان يحمل وعداً ضمنياً بإعادة ترتيبٍ ما لعلاقات القوة والمكانة والاستحقاق. قصاصٌ من الظالمين والمعتدين على الأنفس والأملاك؟ أجل. ولكن ليس فقط.
ولهذا فإن جانباً من الغضب الذي ظهر في الأيام الماضية لا يتعلق فقط بغياب المحاسبة بالمعنى القضائي، بل أيضاً بالشعور بأن كثيراً من الأشخاص الذين امتلكوا القدرة على الاستفادة والتكيُّف وإعادة إنتاج نفوذهم في ظل النظام السابق ما زالوا يمتلكون القدرة نفسها اليوم. وكأنَّ الأسدية سقطت، فيما بقي من عهدها الكثير من آليات الوجاهة والوساطة والنفوذ، ووسائل تشكيل شبكات الوصول إلى الحظوة والثروة والقرب من السلطة.
هل كل ما رأيناه خلال الأيام الماضية هو توقٌ إلى عدالةٍ ما؟ أجل. لكن هذا لا يعني أن كل ما يُراد ويُقال في سياقه عادل، أو حتى ممكنٌ لو كان عادلاً. الثأر توقٌ للعدالة لكنه ليس عادلاً؛ الطائفية هي أيضاً محصّلة تفسيرٍ لما جرى في سوريا في العقود الأخيرة، وهي ليست عادلة. كثيرٌ مما طُولِبَ به يصطدم بأي قانون منطقي في حدّه الأدنى، وبعضه ظلمٌ صرفٌ سيلحق بأبرياء إن حصل. وكثيرٌ آخر غير ممكن، لا سياسياً ولا مادياً. وهذا واقعٌ تراجيدي يحتاج إلى حسٍ وخيال سياسيين أكثر مما يحتاج إلى إعادة تقديم شروحات وتعريفات عن القانون والعدالة الانتقالية.
وللأسف، وفي خضمّ أيام كالتي عشناها الأسبوع الماضي، لا يوحي التعاطي مع قضية حسان عقاد، التي شغلت الرأي العام السوري، ولا العسف المُدان الذي تتعاطى به محافظة دمشق مع ممثلي متضرري المرسوم 66، بأن السلطة ونُظُم حساسيتها ورصدها مشغولة بما يتجاوز الترندوقراطية ــ حكم الترند والحكم عبر الترند ــ فيما يتعلق بواقع ومستقبل مجتمع وسياسة بلد معقد ومنكوب كبلدنا. وهذا ليس خطأً عابراً، بل هو الخط الذي مشت عليه السلطة منذ مؤتمر النصر، مروراً بملهاة «مؤتمر الحوار الوطني»، وصولاً إلى مجلس الشعب الذي ما يزال ينتظر بعد طول استعجال. لسنا أمام مسار بناء دولة عامّة.
يبقى قول أن النقاش الحاصل حول العدالة الانتقالية مهمٌ وحيوي، حتى لو لم يكفِ – حسب ما اقترحته هذه الأسطر- لشرح احتجاجات الأسبوع الماضي. وإنه حسناً فعلَ فاعلون عامّون كثر في السلطة وفي المؤسسات الرديفة لها، وعلى رأسها مجلس الإفتاء، من تأكيدٍ على ضرورة الاحتكام إلى القانون ورفض الثأر والتصرفات الفردية. ليت هذا الخطاب يمتد ليقول شيئاً محدداً وواضحاً، يخاف الله ويخشى على البلد، عن مضخة الكره الطائفي ضد الأقليات عموماً، والعلويين خصوصاً، والتي يُسهم فيها علناً ويومياً مؤثرون وناشطون مقربون جداً من السلطة، وبعض الموظفين في مؤسساتها، دون أن تراهم الجهات والأجهزة المشغولة بحسان عقاد أو بالناطقين باسم متضرري المرسوم 66.
أمّا بالنسبة إلى الطيف السياسي السوري الأوسع، ولا سيما أولئك الذين يرون أنفسهم ديمقراطيين، وبتنوع موقفهم من السلطة القائمة، من «متفهمين» بمختلف التدرجات، وصولاً إلى المعارضين الجذريين، فلا مفر من الإصرار على ضرورة سياسة أشياء ومناطق تُرادِفُ سياسة الأفكار والخطابات. فهذه الأخيرة ضرورية هنا والآن وفي كل مكان، لكنها لا تكفي وحدها أمام واقع مجتمع خرج من خمسة عشر عاماً من الثورة والحرب والانهيار، وما يزال كثير من أبنائه وبناته «ينتظرون». الانتظار، في سوريا، دالٌ عائم آخر على ما يبدو.
-