من المبكر الحكم على مدى نجاح المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ إلى العراق وسوريا، توم بارّاك، في تنفيذ رؤيته السياسيّة والاقتصاديّة في البلدين، ولا سيما في العراق. إلّا أنّ المؤشّرات التي شهدها العراق خلال الأسبوعين الماضيين، بالتزامن مع الزيارة التي بدأها رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ لواشنطن، والمقرّرة أن تستمرّ أسبوعاً، توحي بأنّ الأمور تسير وفق السياق الذي خُطّط له مسبقاً، واستناداً إلى تفاهمات سبقت الزيارة، على أن تُستكمل بعد انتهائها وعودة “الزعيم الكبير”، بحسب الوصف الذي أطلقه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على ضيفه العراقيّ، إلى بغداد.
لم يكن جدول أعمال الزيارة، الذي صاغه الثنائيّ الزيديّ ـ بارّاك، برنامج لقاءات سياسيّة وحسب، بل عكس رؤية واضحة لإعادة تموضع العراق ضمن سياق إقليميّ ودوليّ جديد يختلف عن ذلك الذي حكم الحياة السياسيّة العراقيّة طوال العقدين الماضيين، حين تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة للصراع بين واشنطن وطهران من جهة، وإلى ميدان تنافس بين إيران وعدد من القوى الإقليميّة من جهة أخرى.
في هذا الإطار، بدا الزيديّ، بعيداً من أجواء الترحيب اللافت التي أحاطت بلقائه مع ترامب وما تخلّلها من إشادة بشخصه، حريصاً على توجيه رسائل سياسيّة واضحة بشأن المرحلة المقبلة. ومن المرجّح أن ينعكس هذا الزخم السياسيّ على طريقة تعامله مع القوى العراقيّة بعد عودته، من خلال إظهار مزيد من الحزم في تنفيذ برنامجه الإصلاحيّ والتغييريّ، ولا سيما في الملفّات التي تشكّل أساس الشراكة الاستراتيجيّة الجديدة بين بغداد وواشنطن.
من التّعاون العسكريّ إلى الشّراكة الاقتصاديّة
ربّما أبرز ما حملته الزيارة تمثّل في إعلان انتقال العلاقات العراقيّة ـ الأميركيّة من مستوى التعاون الاستراتيجيّ العسكريّ إلى مستوى أوسع يقوم على الشراكة الاقتصاديّة بمختلف أبعادها. وقد أكّد الزيدي التزام بغداد وواشنطن تنفيذ اتّفاق الإطار الاستراتيجيّ، الذي حدّد التاسع والعشرين من أيلول المقبل موعداً لاستكمال انسحاب القوّات القتاليّة الأميركيّة وقوّات التحالف الدوليّ من العراق.
غير أنّ هذا الانسحاب لا يعني إنهاء التعاون الأمنيّ بين البلدين، بل إعادة صياغته في إطار جديد يقوم على الإبقاء على مستشارين ومدرّبين عسكريّين، يستخدمون القواعد الأميركيّة السابقة كمراكز للدعم والتدريب والاستقرار، بدلاً من كونها قواعد لعمليّات قتاليّة.
تكتسب هذه الخطوة أهمّيّة خاصّة بالنسبة للإدارة الأميركيّة لأنّها ترتبط بأحد أكثر الملفّات حساسيّة، وهو تفكيك نفوذ الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، وتطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. فبانسحاب القوّات القتاليّة الأميركيّة، تفقد هذه الفصائل الذريعة التي طالما استندت إليها لتبرير احتفاظها بسلاحها، والمتمثّلة في استمرار “الاحتلال الأميركيّ”، وفق توصيفها. وعليه، لن يكون يوم الثلاثين من أيلول المقبل موعداً لإنهاء مهمّة عسكريّة وحسب، بل محطّة مفصليّة لاختبار قدرة حكومة الزيديّ على تنفيذ تعهّداتها، وترجمة مشروعها في فرض سلطة الدولة على القرارين الأمنيّ والعسكريّ.
الحشد الشّعبيّ… العقدة الأبرز في مشروع الدّولة
في هذا السياق، نجح المبعوث الأميركيّ توم بارّاك، خلال الأشهر الماضية، وقبل تولّي الزيديّ رئاسة السلطة التنفيذيّة، في تعطيل المساعي التي بذلتها قوى وأحزاب سياسيّة لتمرير سلسلة من القوانين التي تمنح هيئة الحشد الشعبيّ إطاراً قانونيّاً أكثر رسوخاً، وفي مقدَّمها قانون تقاعد مقاتلي الحشد، الذي تعثّر إقراره في البرلمان. ويعكس ذلك رغبة أميركيّة واضحة في الحيلولة دون تكريس وضع قانونيّ يصعب معه لاحقاً إعادة تنظيم الهيئة أو إدماجها ضمن المؤسّسات العسكريّة الرسميّة.
من هنا، يجد الزيديّ نفسه أمام استحقاق بالغ الحساسيّة يتعلّق بمستقبل الحشد الشعبيّ. فإمّا أن يتّجه إلى إعادة دمج عناصره ضمن وزارتَي الدفاع والداخليّة، بما يكرّس وحدة المؤسّسة العسكريّة، وإمّا أن يُبقي على هيكليّته الحاليّة مع إخضاعه الكامل لسلطة القائد العامّ للقوّات المسلّحة، وإجراء تغييرات جوهريّة في قياداته، وآليّات عمله، ومرجعيّته السياسيّة. وفي الحالتين، يبقى الهدف واحداً: إنهاء ازدواجيّة القرار الأمنيّ، وإبعاد هذا التشكيل عن الهيمنة الإيرانيّة، وإخضاعه الكامل لسلطة الدولة.
النّفط… عنوان الشّراكة الجديدة
لا تقف نتائج زيارة الزيديّ عند حدود إعادة ترتيب التوازنات الأمنيّة، بل تمتدّ إلى المجال الاقتصاديّ، ولا سيما قطاع الطاقة، الذي يبدو مرشّحاً ليكون الركيزة الأساسيّة للشراكة الجديدة بين بغداد وواشنطن.
في خطوة لافتة، خالف الزيديّ الأعراف البروتوكوليّة، فلم ينتظر أن يطلب مسؤولو شركة “شيفرون” لقاءه، بل بادر إلى زيارة مقرّ الشركة، حيث وقّع اتّفاقات نفطيّة وُصفت بأنّها استراتيجيّة، تمهّد لتوسيع حضور الشركات الأميركيّة في قطاع النفط العراقيّ، ولا سيما بعد حلول شركتَي “شيفرون” وTAE Capital محلّ الشركات الروسيّة التي كانت تعمل في حقلَي غرب القرنة (2) والناصريّة.
الأهمّ من ذلك الاتّفاق على تأسيس تحالف يضمّ الشركتين الأميركيّتين، إلى جانب شركة UCC القطريّة، وشركة عراقيّة لم يُكشف عن اسمها، لتنفيذ مشروع استراتيجيّ لإنشاء خطّي أنابيب جديدين لتصدير النفط العراقيّ. يمتدّ الأوّل من البصرة إلى منطقة فيشخابور على الحدود العراقيّة – التركيّة، ليرتبط لاحقاً بخطوط نفط كركوك وصولاً إلى ميناء جيهان التركيّ، فيما ينطلق الثاني من البصرة إلى مدينة حديثة في محافظة الأنبار، ليتّصل في مرحلته الأولى بخطّ كركوك – بانياس، قبل أن يمتدّ لاحقاً نحو الأردن وخليج العقبة.
ممرّات الطّاقة… إعادة رسم الجغرافيا الاقتصاديّة
غير أنّ التحدّي الأبرز أمام تنفيذ هذه المشاريع يبقى قدرة الزيديّ وحكومته على توفير البيئة الأمنيّة اللازمة لعمل الشركات الأجنبيّة. فقد سبق لعدد من هذه الشركات أن استثمر في حقول نفط البصرة قبل أن يتعرّض لاعتداءات نفّذتها جماعات وفصائل مسلّحة، فاضطرّ إلى مغادرة العراق. وجاءت هذه الاعتداءات في سياق الضغوط التي مارستها إيران في خلال مواجهتها مع الولايات المتّحدة.
لا تقتصر أهمّيّة مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة على تمكين العراق من تقليص اعتماده على مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 95 في المئة من صادراته النفطيّة، بل تمتدّ إلى إعادة رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. فمن شأن هذه الخطوط أن تحدّ من الأهميّة الاستراتيجيّة للممرّ البحريّ – البرّيّ الممتدّ من الهند إلى ميناء حيفا، وأن تعيد، في المقابل، وضع العراق وسوريا في قلب معادلة ممرّات الطاقة باتّجاه أوروبا. لا يُستبعد أن تتوسّع هذه المشاريع مستقبلاً لتشمل قطاع الغاز، فيما يبقى لبنان خارج هذه المعادلات إلى حين استعادة استقراره الداخليّ، وبناء دولة قادرة على فرض حصريّة السلاح وتوحيد قرارها السياسيّ بعيداً من التأثيرات الخارجيّة.
مكافحة الفساد… بين المحاسبة والتّسويات
يتمثّل الملفّ الثالث الذي وضعه الزيديّ على أجندة التعاون مع واشنطن في مواصلة سياسة مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامّة المنهوبة. ولا تحظى هذه السياسة بدعم أميركيّ واضح من زاوية الإصلاح الإداريّ وحسب، بل ولدورها في تجفيف مصادر التمويل التي تستفيد منها الفصائل الموالية لإيران.
غير أنّ مواقف الزيديّ توحي بأنّ هذه السياسة لن تستمرّ بالآليّات نفسها التي اعتمدتها حملة “صولة الفجر”، بل ستشهد تعديلات تقوم على إبرام تسويات تتيح استعادة جزء كبير من الأموال المنهوبة، مقابل انسحاب المتورّطين من الحياة السياسيّة ووقف تدخّلهم في قرارات الدولة. وفي المقابل، سيبقى خيار الملاحقة القضائيّة قائماً بحقّ مسؤولين آخرين، قد يكون بينهم وزراء سابقون، ووكلاء وزارات، ومديرون عامّون، إلى جانب نوّاب حاليّين وسابقين.
في المحصّلة، لا تبدو زيارة الزيدي لواشنطن محطّة دبلوماسيّة عابرة، بل تشير إلى محاولة لإعادة تموضع العراق سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً، عبر إعادة صياغة علاقته بالولايات المتّحدة، وتقليص مساحات النفوذ الإيرانيّ داخل مؤسّسات الدولة، وربط مستقبل العراق بشبكة جديدة من المصالح الإقليميّة والدوليّة. غير أنّ نجاح هذا المسار سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة العراقيّة على ترجمة التفاهمات الخارجيّة إلى وقائع داخليّة، في مواجهة توازنات سياسيّة وأمنيّة لا تزال شديدة التعقيد.
