لا تحتاج إيران أو غيرها إلى أن تجد اسمها في نصّ حلف مكّة كي تشعر بأنّ شيئاً ما يتغيّر من حولها. فالتحوّلات الاستراتيجيّة لا تُقاس دائماً بما تقوله الاتّفاقات، وإنّما بما تضيفه إلى حسابات الدول وقراراتها وهوامش حركتها.
لم تأتِ “اتّفاقيّة مكّة للدفاع المشترك” بين المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان لتعلن خصومة مع دولة بعينها، ولم تتضمّن في نصّها ما يشير إلى بناء محور عسكريّ موجّه ضدّ أحد. لكنّ السياسة لا تُقرأ بالنصوص وحدها، بل بما تنتجه من حسابات في ميزان القوّة. فعندما تقول الاتّفاقيّة إنّ أيّ هجوم مسلّح على دولة من الدول الثلاث هو هجوم على دول التحالف جميعها، فإنّها تضع قاعدة ردع تتجاوز حدود التعاون الدفاعيّ التقليديّ بين الدول.
إعادة رسم معادلة الرّدع الإقليميّ
لم يكن القلق الإقليميّ من إيران خلال السنوات الماضية ناتجاً عن امتلاكها للقوّة العسكريّة، بل عن الطريقة التي وظّفت بها هذه القوّة لإعادة تشكيل التوازنات القائمة في المنطقة. فقد انتقلت طهران في أكثر من ساحة، من بناء النفوذ إلى محاولة فرض معادلات أمنيّة وسياسيّة تجعل أمن الدول المجاورة لها جزءاً من حساباتها. فهي تستفيد من شبكة حلفاء وأذرع محليّة، ومن قدرات صاروخيّة وطائرات مسيّرة، ومن حضور متزايد في محيط الممرّات والمضائق البحريّة.
من هنا تكتسب اتّفاقيّة مكّة دلالتها الأوسع. فهي لا تأتي لتغيير سلوك إيران بالقوّة، ولا لإعلان حرب عليها، لكن لتقول إنّ محاولات المساس بالتوازنات الإقليميّة على هذا النحو لم تعد قابلة للاستمرار بالسهولة ذاتها.
من هنا تتّضح أهميّة الاتّفاق بالنسبة إلى طهران: المملكة السعوديّة تمنحه الثقل الاقتصاديّ والسياسيّ والجغرافيّ، وتركيا القوّة العسكريّة والخبرة العمليّاتيّة، والصناعة الدفاعيّة، فيما تضيف باكستان عمقاً آسيويّاً وقدرات ردعيّة استثنائيّة، بينها القدرة النوويّة.
حلف مكّة يغيّر حسابات طهران
لا يبدأ الردع عندما تُطلق النار، بل عندما يدرك الطرف الآخر أنّ إطلاقها لن يبقى بلا حساب. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة القلق الإيرانيّ. فطهران لا تواجه بالضرورة تحالفاً يريد الحرب معها، لكنّها قد تواجه بيئة إقليميّة تصبح فيها القدرة على التعامل مع الخصوم على أساس كلّ دولة على حدة أكثر صعوبة، وتغدو كلفة استخدام أدوات الضغط والنفوذ أعلى ممّا كانت عليه.
إذاً ليس السؤال: هل يستهدف تحالف مكّة إيران؟ بل كيف يمكن أن يعيد تشكيل حسابات طهران حين يتحوّل الدفاع المشترك إلى قدرة ردعيّة مشتركة؟
من الصعب فصل القلق الإيرانيّ عن مستقبل شبكة النفوذ التي بنتها طهران في الإقليم. فالأذرع والحلفاء لم يكونوا بالنسبة إلى إيران أدوات ضغط وحسب، بل جزء من معادلة أوسع تسمح لها بتوزيع المخاطر، إدارة المواجهة من مسافات مختلفة، ورفع كلفة أيّ استهداف مباشر لها.
من هنا يحمل حلف مكّة تحدّياً مهمّاً لهذا النموذج، فكلّما تطوّر من إطار دفاعيّ إلى منظومة للتنسيق والتدريب وتبادل المعلومات والتعاون الصناعيّ، أصبحت قدرة إيران على التأثير في ساحات خارج حدودها أكثر صعوبة وكلفة، واضطرّت إلى حساب ردود فعل أوسع على كلّ تحرّك عبر ساحاتها. وذلك لا يعني اختفاء الأذرع أو تراجع النفوذ الإيرانيّ بين ليلة وضحاها، لكنّه يضع سياسات التوسّع والاختراق أمام بيئة أقلّ مرونة وأكثر كلفة.
حلف مكّة.. الخطر في ما قد يصبح
أخطر ما يمكن أن تواجهه إيران ليس اختفاء أذرعها، بل تغيّر البيئة التي منحت هذه الأذرع قيمتها الاستراتيجيّة. فإذا كانت طهران قد استخدمت تعدّد الساحات لتوزيع الضغط وإبعاد المواجهة عن مركزها، فإنّ بناء شبكات ردع إقليميّة مترابطة قد يدفع المعادلة في الاتّجاه المعاكس: من استخدام الساحات لتوسيع النفوذ إلى استخدام الموارد لحماية النفوذ. وعندها لا تكون المشكلة في عدد الحلفاء والأذرع، بل في ارتفاع الكلفة التي تحتاج إليها طهران للحفاظ على قدرتها على الحركة والتأثير.
قد يكون من المبكر التعامل مع حلف مكّة باعتباره نواة حلف إقليميّ مكتمل، لكنّ من الخطأ أيضاً اعتباره ترتيباً محدوداً ينتهي عند حدود الدول الثلاث. فمرونته تتيح تطوير التعاون بين أعضائه، من الدفاع المشترك إلى التدريب وتبادل المعلومات والتخطيط والتعاون في الصناعات الدفاعيّة والمناورات المشتركة.
هنا تتغيّر طبيعة السؤال الإيرانيّ، فالمسألة لا تعود مرتبطة بحجم القوّة التي يمثّلها الحلف اليوم، وإنّما بالمسار الذي يمكن أن يفتحه غداً. فإذا تحوّل هذا الترتيب إلى نموذج عسكريّ ـ أمنيّ قابل للتوسّع، فقد تجد طهران نفسها أمام بيئة إقليميّة تتعدّد فيها الشراكات والقدرات الردعيّة، وتتراجع فيها مساحة المناورة الإيرانيّة.
إذاً المعضلة الإيرانيّة الحقيقيّة قد لا تكون في قوّة حلف مكّة كما هو اليوم، بل في قابليّته لأن يصبح أقوى ممّا هو عليه غداً. فاتّفاق يبدأ بثلاث دول يمكن أن يتحوّل إلى نموذج، والنموذج إلى شبكة، والشبكة إلى قاعدة جديدة للأمن الإقليميّ.
اتّفاق مكّة: بداية عصر أكثر كلفة لإيران
قد لا تقتنع إيران بما يقال لها من أنّ اتّفاقيّة مكّة لا تهدف إلى محاصرتها أو قطع الطريق على سياساتها. فهي تعرف أكثر من غيرها حجم ما راكمته من نفوذ وممارسات أضرّت ببنية الإقليم وتماسكه خلال العقود الماضية. لكن ليس من الواقعيّ أيضاً انتظار أن يدفع اتّفاق ثلاثيّ، مهما بلغت أهمّيّته، بمثل هذه السرعة والسهولة إيران إلى مراجعة سياساتها أو التخلّي عن أدوات نفوذها في المنطقة.
قد لا تقلق إيران اليوم من اتّفاق مكّة لأنّه يواجهها مباشرة، بل لأنّها تدرك أنّه قد يغيّر غداً شكل التعامل معها. فالاتّفاق دفاعيّ في نصّه، ردعيّ في حساباته، وأهمّيّته الحقيقيّة تكمن في ما يمكن أن يفتحه من مسار جديد للأمن والتوازنات في الإقليم.
لا يعلن حلف مكّة نهاية النفوذ الإيرانيّ، لكنّه قد يعلن بداية مرحلة يصبح فيها هذا النفوذ أكثر كلفة، وأضيق حركة، وأصعب في إدارة قواعد اللعبة القديمة.
