خير الله خير الله .. اساس ميديا
كان رهان “الجمهوريّة الإسلاميّة” على الحوثيّين رهاناً ناجحاً واستثماراً في مكانه وإن جاء ذلك على حساب اليمن واليمنيّين ومستقبل أبنائهم. في سياق سعي الحوثيّين إلى السيطرة المباشرة على مضيق باب المندب، في وقت تسيطر إيران على مضيق هرمز، استطاع الحوثيّون في اليمن أخذ المبادرة مثبتين أنّهم ورقة إيرانيّة بامتياز.
لم يكتفِ هؤلاء بمهاجمة مواقع للقوّات الحكوميّة في أنحاء مختلفة من اليمن، بما في ذلك ميناء المخا الذي يتحكّم بمضيق باب المندب الاستراتيجيّ الذي وُجد من يخرجهم منه في العام 2014، سَنَةَ وضع يدهم على صنعاء.
باب المندب ورقة إيرانيّة بأدوات حوثيّة
راح الحوثيّون يهدّدون أيضاً الملاحة في البحر الأحمر وأعلنوا فرض حصار على الموانئ السعوديّة، وهي مهمّة كلّفتهم بها إيران من دون إدراك أنّها ليست في متناول هذه الحركة التي غيّرت طبيعة جزء من المجتمع اليمنيّ في الشمال. ليس الإعلان عن فرض حصار على الموانئ السعوديّة المطلّة على البحر الأحمر أكثر من لقمة وليس في استطاعة الحوثيّين ابتلاعها. يظلّ مثل هذا القرار أكبر بكثير من الحوثيّين وقدراتهم على الرغم من طابعه الرمزيّ. يتمثّل هذا الطابع في أنّ المملكة السعوديّة هدف إيرانيّ وأنّ الحوثيّين أداة إيرانيّة لا أكثر.
يبقى أنّ نجاح الحوثيّ في خلق إزعاجات على طول الحدود مع المملكة السعوديّة وفي البحر الأحمر نتيجة طبيعيّة لفراغ يمنيّ عرفت إيران كيف تملأه. ينفّذ الحوثيّون، الذين يطلقون على أنفسهم اسم “جماعة أنصار الله”، مخطّطاً إيرانيّاً يستهدف تأكيد أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” تتحكّم بمضيقين استراتيجيَّين هما هرمز وباب المندب ويُعتبران من أهمّ المضائق البحريّة أهمّيّة بالنسبة إلى حركة التجارة العالميّة.
ثبت أخيراً، بما لا يدع أيّ مجال للشكّ، أن لا مجال لاستيعاب الحوثيّين وجعلهم جزءاً من أيّ عمليّة سياسيّة تستهدف التوصّل إلى تسوية ما في اليمن تعيد الحياة إلى بلد تشظّى.
إيران تستخدم اليمن لتطويق الخليج
ما الذي جعل الحوثيّين يستعيدون المبادرة؟ من الواضح أنّه لم تكن توجد أيّ رغبة جدّيّة في التصدّي لهم منذ وضعوا يدهم على صنعاء في 21 أيلول 2014 بعدما اعتقد الرئيس الراحل عبد ربّه منصور هادي أنّه سيكون في استطاعته استيعابهم واستخدامهم في لعبة التجاذبات في مرحلة ما بعد التخلّص من علي عبدالله صالح الذي استقال في شباط 2012.
لا بدّ من الاعتراف بأنّ قوى محلّيّة استطاعت، بدعم إماراتيّ، منع الحوثيّين من البقاء في عدن التي دخلوا إليها بُعيد سيطرتهم على صنعاء قبل 12 عاماً. كذلك خرج الحوثيّون من المخا، بالقوّة. كان مفترضاً منعهم من البقاء في الحديدة، لكنّ قوى دوليّة، بمن في ذلك الولايات المتّحدة وبريطانيا، حالت دون إخراجهم من هذا الموقع الاستراتيجيّ على البحر الأحمر في العام 2018.
في العام الجاري، ومع زوال أيّ وهم بإمكان تحييد الحوثيّين، لم يعد ممكناً ترك الأمور على حالها. راهناً، وأكثر من أيّ وقت تظهر الحاجة إلى تنسيق ذي طابع إقليميّ يستهدف معالجة الوضع اليمنيّ الذي لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية. بات الحوثيّون، الذين يسيطرون على جزءٍ من اليمن، جزءاً من العدائيّة الإيرانيّة التي تمارس في كلّ الاتّجاهات. ولم يعد سرّاً أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” قرّرت المواجهة في ضوء تمسّكها بشروطها لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدوليّة، وهي شروط غير مقبولة لا أميركيّاً ولا إقليميّاً ولا دوليّاً.
في النهاية، إنّ الاستسلام للحوثيّين ليس خياراً خليجيّاً ولا يمكن أن يكون كذلك بعدما حوّلت إيران جزءاً من اليمن قاعدة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات وابتزاز كلّ دولة من دول الخليج العربيّ. ما لا يمكن تجاهله في أيّ وقت أنّ اليمن جزء لا يتجزّأ من شبه الجزيرة العربيّة وأنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” تستخدمه بغية السعي إلى تطويق المملكة العربيّة السعوديّة من كلّ الجهات.
الحوثيّون بين غضب الدّاخل وقرار الخليج
بعيداً عن أخطاء ارتُكبت في الماضي، بدءاً بتجاهل خطورة سقوط جزء من اليمن في يد إيران، وكذلك عمل الإخوان المسلمين على إسقاط نظام عليّ عبدالله صالح واضعين أنفسهم في خدمة الحوثيّين، لم يعد هناك مفرّ من طرح سؤال أساسيّ، وهو: كيف يمكن. التخلّص من الحوثيّين وهل هذا الأمر ممكن؟
الجواب أنّ ذلك ممكن، خصوصاً أن لا أفق سياسيّاً أو اقتصاديّاً أو حضاريّاً للمشروع الحوثيّ. وعلى الرغم من وجود هؤلاء في صنعاء منذ 12 عاماً، يعيش اليمنيّون في مناطق سيطرتهم في حال من البؤس واليأس.
لكنّ المواطنين العاديّين، بما في ذلك أبناء القبائل، ما زالوا عاجزين عن التعبير عن غضبهم واعتراضهم في ضوء قدرة “جماعة أنصار الله” على ممارسة القمع. لا بدّ من يوم ينفجر فيه الوضع في مناطق سيطرة الحوثيّين. لكنّ ذلك يظلّ مرتبطاً إلى حدّ كبير بتمكين “الشرعيّة” اليمنيّة ممثّلة بالدكتور رشاد العليمي من الردّ على الهجمات الحوثيّة بشكل فعّال من دون الأخذ في الاعتبار لما يمكن أن يفعله الحوثيّون الراغبون في توسيع نشاطهم إلى المنطقة كلّها بغية تأكيد أنّ مضيق باب المندب تحت السيطرة الإيرانيّة مثله مثل مضيق هرمز.
هل “الشرعيّة” اليمنيّة في مستوى التحدّي؟ وهل تمتلك، بمكوّناتها المختلفة، ما يسمح لها بالدخول في مواجهة مباشرة مع الحوثيّين على جبهات مختلفة، خصوصاً جبهة الحديدة؟ أسئلة كثيرة تفرض نفسها. لكنّ السؤال الأهمّ يبقى هل من قرار خليجيّ بالانتهاء من الظاهرة الحوثيّة التي باتت تشكّل تهديداً للأمن الخليجيّ المستهدَف من إيران؟
