شهد الساحل السوري منذ حوالى الثمانية أشهر، موجة احتجاجات واسعة، طالت معظم مناطق الساحل السوري. دخلتُ يومها في صراع مع ذاتي، وأيضاً مع الكثير من أصدقائي الذين أعلنوا رفضاً قاسياً لتلك الاحتجاجات، على اعتبار أنها كانت بدعوة من الشيخ غزال غزال. وهذا ما قد يحمّلها أكثر من معناها، ويشكك في تلقائيتها، بالرغم من كل ما عانته وما زالت تعانيه تلك المناطق من قتل يومي وانتهاكات. كما يجعلها أيضاً أكثر عرضة للاستغلال من قبل أشخاص موالين للنظام السابق.
أما أنا فكانت كفة الميزان تتقلب لدي بين شعورين. الأول، شعور بالفرح الخالص لأن الشعب الذي قص الخوف لسانه سنوات طويلة في ظل نظام مجرم، تجرأ ونطق. والثاني، شعور عارم بالخوف والقلق، لأن الاحتجاج ليس خروجاً للشارع فقط، لكنه يتطلب أيضاً وعياً وحرية ومسؤولية.
لا يمكن إنكار طبيعة الاحتجاجات في ذلك الوقت، والتي انطوت بشكل واضح على استدعاء للذات الطائفية، ولكن في الوقت نفسه، فإن النقاش في مشروعية خروج الناس للاحتجاج، قد يحمل دلالات خطيرة جداً.
اليوم، تطال البلاد موجة احتجاجات جديدة، سببها الرئيسي رفع أسعار المحروقات، الذي ينعكس بشكل مباشر على النقل والزراعة والتجارة، ويسبب ارتفاعاً جنونياً بأسعار السلع والمواد، مما يضاعف الأعباء الاقتصادية ويزيد الضغوطات المعيشية، على المواطنين المصنف أكثر من 90بالمئة منهم تحت خط الفقر، حسب تقارير أممية.
شاركت معظم المحافظات السورية في هذه الاحتجاجات حلب وإدلب وريف دمشق والحسكة ودير الزور. قُطعت الطرق، وأُشعلت الإطارات، ومُنعت شاحنات وصهاريج الوقود من المرور، وبلغت ذروة هذه الاحتجاجات يومي 15 و16 أيلول، ومازالت مستمرة بوتيرة أخف حتى اليوم.
تُعيد هذه الاحتجاجات سؤالاً مهماً، سؤال قديم وجديد في الوقت نفسه، أين الساحل السوري من الاحتجاجات؟ ولماذا كان “النأي بالنفس” خياراً جماعياً في السابق واليوم أيضاً؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكن ربما علينا الاعتراف ألّا وجود لمفهوم البساطة في الواقع السوري المعقد. فمع كل احتجاج أو حدث أو موقف تنفتح أمامنا طبقات من الألم والخوف والشك والقتل والذاكرة والانقسام. وحتى نتمكن من الإجابة لا بد من محاولة تفكيك المفارقة السياسية التي تحكم الشارع العلوي اليوم.
ما يمكن أن نسميه احتجاجاً خارج الساحل، قد يتحول بكل سهولة إلى اتهام داخل الساحل. وربما لوقت طويل ستبقى الهوية بالنسبة للعلويين بطاقة إدانة، تجعلهم عاجزين حتى عن المشاركة في موجة احتجاجات تطال معيشتهم كما تطال معيشة باقي مكونات الشعب السوري، الناس في الساحل غاضبون تماماً كما في كل سوريا، لكن هل يعتقدون أنهم قادرون على الاحتجاج؟ سؤال سيقودنا مباشرة لسؤال آخر، لماذا يستجيب البعض لدعوات حماسيّة ذات بعد طائفي، بينما يلوذون بالصمت أمام ما يمسّ معيشتهم؟
الحقيقة أنّ تجميع الناس وشحنهم عاطفياً انطلاقاً من فكرة الدفاع عن الوجود والدين أو المساس بالمقدسات أسهل بكثير من جمعهم تحت مظلة الاحتجاجات المعيشية، لأن الأخيرة ببساطة هي فعل مواطنة بامتياز، وهذا الفعل يتطلب فهماً حقيقياً لمفهوم المواطنة، وأيضاً يتطلب مساحة آمنة، والأهم، ربما، أنه يحتاج عقداً اجتماعياً جامعاً يضمن للمتظاهر أن صوته سيسمع كصوت “مواطن غاضب” وليس كصوت “خصم سياسي”.
كان هذا العقد مفقوداً في سوريا لزمن طويل، واليوم هو أيضاً مفقود وخصوصاً عند للعلويين، ففي اللحظة التي يقررون فيها الخروج للمطالبة بلقمة عيشهم، ستسقط عنهم صفة المواطنين، ويتم تأطيرهم مباشرة: إما كـ”فلول” ينتظرون عودة رموز النظام السابق، أو كـ”متصيدين للفرص” لضرب استقرار البلاد.
يعيش العلويون اليوم تحت وطأة بطاقة إدانة، أنت مجرم حتى يثبت العكس، هم مضطرون دائماً لشرح أنفسهم وإثبات براءتهم أمام باقي السوريين، وكما ذكرنا الأمر أعقد بكثير من إلقاء اللوم على السوريين، لأن ربط الهوية العلوية بالنظام السابق، ليس أمراً عابراً بل كان سبباً رئيسياً، مهد لنتائج مروعة في السابق واليوم، وبعد المجازر في آذار، أضيفت طبقة جديدة من الخوف، طبقة تجعل العلوي يفكر ألف مرة قبل إبداء رأيه، ونحن هنا ربما نتحدث أكثر عن الفئة الصامتة: موظفون حكوميون، طلاب مدارس وجامعات، فلاحون، فئة عزلت نفسها بنفسها، وآثرت النأي بالنفس على المشاركة بفعل لا تحمد عقباه. هذه الفئة التي استجابت بشكل لاإرادي للمؤثرات التي تحيط بها، ولا يمكن أن ننكر أن خطاب الكراهية المنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي كان أحد أهم أعمدتها.
وعلى أرض الواقع تحول هذا الإرباك السياسي إلى فخ قاتل، إذ إن مطالبة العلوي الدائمة بإبراز “شهادة حسن سلوك” كي يُسمح له بالغضب أو الاعتراض، يعني ضمناً أن مواطنته معلقة بشرط يحدده آخرون، آخرون ليسوا إلا شركائه في بلده.
لقد انزاحت المعادلة لدى هذه الفئة التي أعتقد أنها الكتلة الأكبر في الساحل اليوم، من البحث عن تحسين شروط الحياة إلى البحث عن البقاء. تحول النأي بالنفس إلى سلوك جماعي يرتكز على مقايضة قاسية: التنازل عن لقمة العيش مقابل الحفاظ على الأمان الشخصي، ألا تعتقدون أننا سمعنا هذا الكلام قبلاً وقايضنا المقايضة نفسها في السابق؟
هذه المعادلة برأيي هي العودة الصريحة إلى “النقطة صفر”؛ النقطة التي يصبح فيها مجرد السلامة الجسدية وعدم التعرض للانتقام أقصى طموح ممكن للمواطن، حتى لو كان الثمن هو القبول بأبشع صور الفقر والتهميش.
هذا الخوف الذي زرعه النظام السابق، من أيام العقوبات الجماعية الصامتة التي كانت تحدث في قرى الساحل بعيداً عن أعين الإعلام وبعيداً عن حديث الناشطين من كل الجهات، نضج اليوم وتغيرت أشكاله، حين كان اعتقال شاب واحد لسبب تافه، كفيلاً بجعل الجميع يفكرون جيداً قبل أن يقولوا شيئاً أو يعترضوا.
الخوف اليوم ليس مجرد خوف، لكنه في الحقيقة تحول إلى آلية دفاع، وأسلوب نجاة. عندما طرحت السؤال في الأيام السابقة على أصدقاء وجيران وزملاء عمل، كانت الإجابة قاطعة ومن دون مواربة: “بالطبع لن نشارك”. لم يكن هذا الموقف تخلياً عن الغضب، فالغضب يغلي في كل بيت، بل كان إدراكاً واضحاً بأن باب الاحتجاج في الوعي المحلي بات مرتبطاً بفاتورة باهظة، لم نعد مستعدين لدفع ثمنها.
وربما، في حال بقيت الهوية تهمة جاهزة، والشهادة بالبراءة شرطاً للمواطنة، سيظل الساحل متأخراً عن أي فعل احتجاج جامع، لأنه يعلم أن الثمن هذه المرة قد لا يكون مجرد اعتقاله، بل وجوده ذاته.