تواجه الولايات المتحدة معضلة في تحويل طموحها لقيادة الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية فعلية، بعدما تحولت مراكز البيانات إلى ساحات نزاع محلي حول الطاقة والمياه والسيطرة والشرعية. لم يعد التفوق التقني وحده كافياً لمجاراة النموذج الصيني المركزي، إذ بات النجاح الأميركي مرهوناً بكسب قبول المجتمعات عبر الشفافية والمنافع المحلية والشراكة المستدامة.
في خضم سباق الولايات المتحدة إلى إرساء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، تواجه البلاد قيداً يتمثل في الشرعية على الصعيد المحلي. فقد أصبحت مراكز البيانات وخطوط نقل الطاقة ومرافق الحوسبة كثيفة الاستهلاك للطاقة أصولاً استراتيجية محورية للتنافسية الاقتصادية والقوة الوطنية. ومع ذلك، فإن إقامة هذه المنشآت والحصول على التراخيص اللازمة لها وضمان استمراريتها يتطلب التعامل مع مجتمعات محلية لا تتوافق أولوياتها دائماً مع الطموحات الوطنية. والنتيجة هي فجوة آخذة في الاتساع بين الاستراتيجية التكنولوجية الفيدرالية وهياكل الحوكمة المحلية المسؤولة عن تنفيذها.
لا يعد هذا التوتر بين الطموح الوطني والسلطة المحلية ظاهرة عالمية. ففي الصين، على سبيل المثال، تخطط البنية التحتية الرقمية واسعة النطاق وترخص وتنشأ من خلال عمليات منسقة وطنياً، تخضع المعارضة المحلية لأولويات الدولة. ويتعامل الحزب الشيوعي الصيني مع مراكز البيانات وممرات النقل ومشاريع الطاقة باعتبارها أدوات في الاستراتيجية الوطنية، لا نتائج قابلة للتفاوض. وينطوي هذا النموذج على مخاطره السياسية والاجتماعية الخاصة، إذ يركز الأعباء على مجتمعات تفتقر إلى حرية الاعتراض على المشاريع، أو إلى الآليات القانونية والسياسية اللازمة لمحاسبة المخططين. لكنه يمنح ميزة استراتيجية واضحة: سرعة التنفيذ، واتساع النطاق، وإمكان التنبؤ بالمسار.
وفي المقابل، يتعين على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تحقيق طموحات مماثلة ضمن نظام لا مركزي يمنح الحكومات المحلية حق الاعتراض. فإذا كانت البلاد جادة في قيادة الذكاء الاصطناعي، فستحتاج إلى نموذج مؤسسي يربط الطموح الوطني بالشرعية المحلية. ومن دون نموذج كهذا، ستظل الأسس المادية لريادة الذكاء الاصطناعي محل نزاع من مجتمع محلي إلى آخر، وسيخاطر كل مركز بيانات جديد بالتحول إلى ساحة مواجهة ضمن صراع أوسع حول كيفية إدارة التقدم التكنولوجي. وقد بات هذا النمط مألوفاً على نحو متزايد: تقترح شركة إنشاء منشأة، فيتحرك مجتمع محلي معارضاً، ثم ينحدر النقاش إلى انعدام الثقة والإشاعات وتصلب المواقف. ولا تكون النتيجة مجرد تأخير، بل فقداناً للثقة لدى الطرفين، بما يجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة.
إن التحدي الذي يواجه المؤسسات الديمقراطية لا يكمن في محاكاة النموذج الصيني، بل في التكيف بسرعة كافية للحفاظ على القيادة التكنولوجية. ويتطلب ذلك التعامل مع القبول المحلي باعتباره مكسباً لا عقبة. وعلى الجهات التنظيمية والمطورين في الولايات المتحدة أن يحولوا عملية الترخيص من مجرد لحظة للموافقة إلى علاقة مستمرة. وفي حال الفشل في إحداث هذا التحول، فإن الولايات المتحدة تخاطر بمواجهة مستقبل تتعطل فيه المشاريع بسبب النزاعات القضائية، وتتحول فيه المقاومة المحلية إلى معارضة دائمة، وتفقد البلاد ميزة استراتيجية مهمة لمصلحة منافسين مستعدين للبناء دون الحصول على موافقة الجمهور.
نظرة من كايوغا
تابعت هذا النقاش ليس كمحللة محايدة، بل كإحدى سكان لانسينغ، نيويورك، حيث تسعى شركة “تيرا وولف” المتخصصة في الطاقة والبنية التحتية الرقمية، إلى إنشاء مجمع ضخم لمراكز البيانات لدعم الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي على موقع محطة فحم مغلقة. وقد لاقى هذا المقترح تأييداً ومعارضة شديدين من السكان المحليين والمسؤولين.
ومثل كثر في المجتمع، أقدر بحيرة كايوغا ليس كمفهوم مجرد، بل كشيء لا بديل منه، ومن واجبنا حمايته. في الوقت نفسه، يصعب تجاهل الواقع الاقتصادي للمنطقة: تقلص القاعدة الضريبية، وتهالك البنية التحتية، وارتفاع الكلف العامة التي ترهق الحكومة المحلية منذ أعوام.
وبصفتي أحد سكان المنطقة الذين سيتأثرون بتبعات المشروع، وباحثاً في سياسات التكنولوجيا يعنى بدراسة حوكمة البنية التحتية الرقمية، ولديه خبرة في التأثير البيئي، فقد عرضت إجراء تقييم مستقل للآثار المحتملة للمشروع على استهلاك المياه، والطلب على الطاقة، والتوظيف، والقاعدة الضريبية المحلية. وافقت الشركة على ذلك، وقامت بتعويضي عن الوقت اللازم لإجراء التحليل. لم يكن لها أي دور في تحديد نطاق الدراسة، أو إجراء البحث، أو تفسير النتائج، أو صياغة التقرير، ولم تمارس أي رقابة تحريرية على المنتج النهائي. وجدت أن التصميم الهندسي، في حد ذاته، سليم. من شأن نظام التبريد المقترح ذي الدائرة المغلقة أن يلغي إلى حد كبير عمليات سحب المياه التشغيلية من بحيرة كايوغا، ليحل محل عمليات محطة الفحم المتقاعدة التي كانت تستهلك كميات كبيرة من المياه. وبالمثل، على رغم أن الطلب على الكهرباء في مجمع مركز البيانات سيكون كبيراً، فإن الموقع يمتلك بالفعل بنية تحتية كبيرة لنقل الطاقة، ويقع ضمن شبكة إقليمية تُولَّد فيها الكهرباء بصورة أساس من دون انبعاثات كربونية، وتوجد فيها سعة فائضة كبيرة.
يتعين على الجهات التنظيمية والمطورين النظر إلى القبول المحلي باعتباره مكسباً لا عقبة
لقد استند جانب كبير من المعارضة إلى معلومات مضللة وخلط بين قضايا خاصة بالمشروع ومخاوف أوسع نطاقاً، إذ عكست بعض الهواجس قلقاً عاماً يتجاوز حدود المشروع نفسه – يتعلق بالذكاء الاصطناعي، ونفوذ الشركات، والتغيرات البيئية. وتداخلت تساؤلات حول المراقبة، واستبدال العمال بأنظمة الذكاء الاصطناعي، والأضرار البيئية، مع نقاشات أخرى حول استهلاك المياه، والطلب على الكهرباء، واستخدام الأراضي.
ومع ذلك، لم يكن المشككون مخطئين في كل شيء، فمن المرجح أن يستقر عدد الوظائف الدائمة في المنشأة الجديدة عند نحو 75 وظيفة متخصصة، وهو رقم مهم لبلدة تعاني تداعيات إغلاق منشآت صناعية، لكنه لا يرقى لكونه محركاً رئيساً لخلق فرص العمل. وتباينت التقديرات في شأن حجم الإيرادات الضريبية التي سيولدها مركز البيانات، نظراً إلى ما تتمتع به الشركات من إعفاءات وحوافز.
والأهم من ذلك أن جوهر الخلاف لم يكن يتمحور بالضرورة حول كميات المياه أو كم الطاقة الذي سيُستهلك، بل كان يدور حول مسألة “السيطرة”: أي ما إذا كانت القرارات المؤثرة في البحيرة وشبكة الكهرباء والأراضي ستُصاغ في المقام الأول من قبل المؤسسات المحلية، أم من قبل شركات كبرى ومطوري تكنولوجيا على المستوى الوطني. لقد كانت التفاصيل الفنية مهمة، ولكن أهميتها تكمن في كونها تعكس قضايا أعمق تتعلق بالثقة، والتمثيل، والقدرة على اتخاذ القرار.
وبهذا المعنى، يعكس الجدل الدائر في “كايوغا” معضلة أوسع تواجه الولايات المتحدة، فمع تزايد أهمية البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تعزيز الريادة التكنولوجية للبلاد، لن يتوقف نجاحها على توافر رأس المال والطاقة والتكنولوجيا فحسب، بل سيعتمد أيضاً على قدرة المؤسسات الديمقراطية على المواءمة بين الطموح الوطني والقبول المحلي.
صدوع في كل مكان
إن التوترات التي ظهرت في شمال ولاية نيويورك ليست حالات معزولة، ففي جميع أنحاء الولايات المتحدة، تعيد المجتمعات، التي كانت تتنافس سابقاً لجذب الاستثمارات التكنولوجية، تقييم أنواع البنية التحتية التي ترغب في استضافتها. لقد تحولت مراكز البيانات – التي كان يُنظر إليها سابقاً على أنها منشآت غير ضارة أو حتى غير مرئية – إلى بؤر توتر في السياسة المحلية، كاشفة عن فجوة متزايدة بين الطموح التكنولوجي الوطني وآليات الحكم المحلي.
ففي مدينة تشاندلر بولاية أريزونا، التي تضم مجمع “إنتل” لتصنيع أشباه الموصلات، رفض المجلس البلدي مقترحاً لإنشاء مجمع ضخم لمراكز البيانات كان يحظى بدعم شركات “ميتا” و”مايكروسوفت” وشركات كبرى لرأس المال الاستثماري. وأبدى المعارضون مخاوفهم في شأن استهلاك المياه والانبعاثات الحرارية في مدينة صحراوية تعاني أصلاً جفافاً مزمناً، إذ نظر السكان وأعضاء المجلس إلى المشروع باعتباره تهديداً للاستقرار البيئي على المدى الطويل، في حين صوره المدافعون عن الذكاء الاصطناعي على أنه خطوة نحو التنمية الاقتصادية.
وشهد شمال فرجينيا، الذي يضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، حيث أنشئت أكثر من 250 منشأة خلال العقد الماضي وهناك مئات أخرى مقترحة أو قيد الدراسة، ديناميكية مماثلة، فقد أصبحت المعارضة لتوسع مراكز البيانات قضية سياسية محورية هناك. وقد أثرت هذه المعارضة على نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة وحشدت تحالفاً واسعاً من السكان القلقين في شأن الضوضاء، والطلب على الطاقة، واستهلاك المياه. وهكذا، تحول الأمر – الذي طالما اعتبر مكسباً اقتصادياً مسلماً به دون نقاش عام يُذكر حول تبعاته – إلى موضوع للجدل العلني، مما عزز حالاً من التشكيك الأوسع نطاقاً تجاه حجم وسرعة النمو الذي تقوده التكنولوجيا في المنطقة.تتخذ هذه المخاوف صوراً مختلفة باختلاف المتحدث، فعلى المستوى الوطني، يتحدث صناع السياسات عن “الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي” و”منظومات الابتكار”. أما على المستوى المحلي، فتترجم هذه المفاهيم المجردة غالباً إلى مخاوف في شأن فقدان الوظائف، وتراجع السيطرة على الموارد الحيوية، وارتفاع أسعار الطاقة. ونادراً ما تكون المعارضة الموجهة لمراكز البيانات معارضة للحوسبة في حد ذاتها، بل هي معارضة لما ينظر إليه على أنه تفاوت في موازين القوى بين المجتمعات التي يطلب منها استضافة البنية التحتية، وبين الشركات التي تبدو عمليات اتخاذ القرار فيها حكراً على النخبة وتفتقر إلى الشفافية. وفي أحد المنتديات المحلية على الإنترنت، أقر منتقدو أحد المشاريع صراحة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة منشوراتهم، وهو مثال صغير، ولكنه دال على حال من الاعتماد الممزوج بانعدام الثقة.
وستزداد حدة هذه التوترات مع تزايد حاجات الذكاء الاصطناعي للطاقة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك ما يقارب ثمانية في المئة من إجمال استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2030. ومع ذلك، لا توجد توجيهات فيدرالية – سواء كانت أمراً تنفيذياً، أو تشكيل فريق عمل، أو برنامج حوافز – يمكنها إلزام هيئة محلية معنية بتنظيم استخدام الأراضي بالموافقة على مشروع ما. ويعد هذا النهج اللامركزي سمة متعمدة للنظام الفيدرالي الأميركي وليس وليد الصدفة، غير أنه قد يولد احتكاكات عندما تتعارض الأولويات الوطنية – مثل توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي – مع التفضيلات المحلية المتعلقة باستخدام الأراضي.
وهذا الواقع يجعل من هذه النزاعات أكثر من مجرد خلافات محلية ضيقة النطاق. ففي عام 2025، أصدر البيت الأبيض أمراً تنفيذياً يؤكد أن الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي ركيزة أساس للقوة الاقتصادية والأمن القومي للولايات المتحدة، ويوجه بوضع إطار عمل منسق للحفاظ على التفوق التكنولوجي الأميركي. وتتمحور خطة العمل الخاصة بالذكاء الاصطناعي، التي تمخضت عن ذلك، حول ثلاث ركائز: تسريع وتيرة الابتكار، وبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والريادة في الدبلوماسية والتعاون الدوليين بهدف إقامة تحالفات تكنولوجية قادرة على مواجهة الصعود الصيني وتعزيز هيمنة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الطموحات تصطدم بقيود مؤسسية، إذ يمكن للسياسة الفيدرالية أن تسرع عمليات البحث والاستثمار ووضع المعايير، لكنها لا تملك سلطة تجاوز الصلاحيات المحلية المتعلقة بتنظيم استخدام الأراضي.
البناء بمشاركة المجتمع
يرتكز النهج الأكثر استدامة على عدة عناصر. أولها الشفافية الموحدة. قبل منح التراخيص، ينبغي للسلطات المحلية إلزام الشركات التي تقترح إنشاء مراكز بيانات واسعة النطاق بنشر معلومات قابلة للتحقق حول استهلاك المياه، والطلب على الطاقة، والانبعاثات، والمساهمات الضريبية المتوقعة. كما ينبغي أن يراجع محللون مستقلون هذه الأرقام، بدلاً من الاعتماد على المواد التسويقية للشركات فحسب. وسيكون هذا معياراً معقولاً، أكثر جدية من الرقابة المحدودة الشائعة في الماضي، لكنه أقل إرهاقاً بكثير من المراجعات البيئية ومراجعات التراخيص المتراكمة التي قد تجعل بناء أي شيء بالغ الصعوبة في بعض مناطق الولايات المتحدة اليوم. لا تقضي الشفافية على الخلاف، لكن إفصاحات الشركات الخاضعة لمراجعة مستقلة حول الآثار الأساس لمركز البيانات يمكن أن تحد من نطاق التكهنات المجردة، وتؤسس النقاش العام على بيانات قابلة للتحقق بدلاً من افتراضات أسوأ السيناريوهات أو الادعاءات الترويجية.
ويتمثل العنصر الثاني في إرساء آلية واضحة تضمن للمجتمعات المحلية نصيباً من المنافع. فحتى جزء صغير من استثمار رأسمالي بمليارات الدولارات يمكن أن يولد قيمة ملموسة طويلة الأجل للمجتمعات. وتشمل الأمثلة تمويل برامج التدريب التقني في الكليات القريبة، وتوسيع نطاق الاتصال المحلي بالإنترنت عريض النطاق، ودعم تحسين كفاءة الطاقة، والاستثمار في بنية تحتية تعيد استخدام الحرارة المهدرة من مراكز البيانات. ولا تقتصر هذه التدابير على تعويض الكلف فحسب، بل تدمج البنية التحتية الرقمية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي تستضيفها. وهذا الدمج ضروري للشرعية. فلا يمكن لمطوري الذكاء الاصطناعي مطالبة السكان بتحمل أعباء التغيير التكنولوجي من دون مشاركتهم في مكاسبه.
أخيراً، ينبغي للشركات التي تقف وراء مشاريع البنية التحتية الكبرى أن تنشئ لجان تواصل دائمة تضم السكان والمسؤولين المحليين وممثلين عن الشركات. وتعمل هذه اللجان على مراقبة الالتزام بالتعهدات، ومعالجة الشكاوى، وتعديل الالتزامات مع تغير الظروف. وعلى خلاف جلسات الاستماع التي تعقد مرة واحدة، أو التنازلات التي تنتزع عبر التفاوض، تضع هذه المنتديات المستمرة الحوار في إطار مؤسسي، وتحد من احتمال تحول الخلافات الصغيرة إلى معارضة أوسع.
ولا تتطلب أي من هذه التدابير سلطة فيدرالية جديدة، بل تتطلب تنسيقاً، ومعايير مشتركة، والتزاماً موثوقاً من الشركات والحكومات المحلية على حد سواء. وتتمثل جدواها في جعل المسار أكثر قابلية للتوقع. فالمشاريع التي تبدأ بالشفافية، والمنفعة الملموسة، والانخراط المؤسسي، تكون أقل عرضة لمواجهة مقاومة طويلة الأمد. وعلى نطاق أوسع، تتيح هذه الأطر للبلاد المضي في طموحاتها التكنولوجية من دون تقويض الشرعية المحلية التي يتوقف عليها نجاح تلك الطموحات.
ميزة الشرعية
غالباً ما تتعامل شركات التكنولوجيا مع الانخراط المجتمعي باعتباره مجرد إجراء للامتثال التنظيمي أو خطراً في العلاقات العامة يتطلب الإدارة. لكن عملياً، غالباً ما تواجه الشركات التي تتعامل معه كمسألة لاحقة تأخيرات مكلفة، أو ردود فعل سياسية، أو حتى رفضاً صريحاً. وفي المقابل، بدأت قلة من الشركات تدرك أن الشرعية المحلية تمثل ميزة تنافسية، إذ يمكنها الحد من الاحتكاك، وتثبيت العمليات، وتعزيز جدوى المشاريع على المدى الطويل.
وتبرز عدة حالات حديثة هذا التباين. ففي العام الماضي، أعلنت شركة “غوغل” توسعة كبيرة لمجمع مراكز البيانات القائم لديها في ميدلوثيان بولاية تكساس، وذلك في إطار استثمار أوسع بقيمة 40 مليار دولار على مستوى الولاية في البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وقد أرفقت الشركة المشروع بإنشاء منشأة جديدة للطاقة الشمسية وتخزين الطاقة بالبطاريات، وتقديم منح تعليمية للمدارس والكليات المحلية، وتخصيص صندوق بقيمة 30 مليون دولار ستستخدمه “غوغل” وشركاؤها في المجتمع المحلي لدعم برامج تدريب القوى العاملة، ومبادرات كفاءة الطاقة، ومشاريع تهدف إلى تحسين القدرة على تحمل كلف الطاقة في مجتمعات تكساس. وفي ولاية آيوا، عقدت “مايكروسوفت” شراكة مع كليات مجتمعية قريبة لتدريب فنيي مراكز البيانات، بما أوجد مساراً محلياً متواضعاً لكنه مستدام للمواهب، يربط تنمية القوى العاملة في المنطقة بحاجات الشركة التشغيلية.
وفي أوماتيلا بولاية أوريغون، كانت الآثار أوضح. فبعد أعوام من استضافة مراكز بيانات “أمازون”، شهدت المنطقة التعليمية المحلية فوائد مالية ملموسة من الضرائب ورسوم الخدمات المجتمعية التي تدفعها الشركة، إلى جانب رعايات واستثمارات مباشرة في الروبوتات، ومختبرات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ومنح دراسية لمسارات إعداد المواهب. ومع مرور الوقت، بات السكان يربطون وجود البنية التحتية الرقمية بمفهوم “إعادة الاستثمار” بدلاً من مفهوم “استنزاف الموارد”.
وتظل هذه الحالات استثناءً لا قاعدة. فما زالت معظم مشاريع مراكز البيانات توفر فرص عمل محلية محدودة، وتعتمد على حوافز قد تزيد الشكوك بدلاً من بناء الثقة. لكن مع تزايد المعارضة للبنية التحتية الرقمية الواسعة النطاق، من المرجح أن تثبت النماذج القائمة على المعاملة بالمثل والشراكة المستدامة أهميتها الحاسمة. فالمشاريع التي تدمج منفعة المجتمع المحلي في صميم تصميمها هي الأوفر حظاً في نيل قبول دائم، في حين ستواجه المشاريع التي لا تفعل ذلك رياحاً سياسية وتنظيمية معاكسة متزايدة.
وهنا أيضاً يمكن للوسطاء من أطراف ثالثة أن يؤدوا دوراً بناءً. فالجهات المستقلة، مثل الجامعات وهيئات التخطيط الإقليمية والمنظمات التقنية غير الربحية، تستطيع أن تساعد في الترجمة بين اللغة التقنية لتطوير البنية التحتية والشواغل المدنية للمجتمعات المستضيفة. ونظراً إلى عدم تطابق أي مشروعين أو مجتمعين، لا يمكن توحيد الشرعية توحيداً كاملاً. غير أن الوساطة القائمة على الأدلة يمكن أن تحدد مجالات المنفعة المتبادلة، فتقلل الصراع وتتيح المضي قدماً في مشاريع البنية التحتية ذات الأهمية الاستراتيجية.
إما القبول وإما الصراع
تتوافر بالفعل الأسس المادية للبنية التحتية الرقمية واسعة النطاق في أجزاء عديدة من الولايات المتحدة، إذ يمكن للمواقع الصناعية السابقة، وخطوط نقل الطاقة القائمة، وفائض قدرات توليد الكهرباء أن تشكل ركيزة للمرحلة المقبلة من الاقتصاد الرقمي. وما ينقص ليس القدرات الهندسية، بل القدرة المؤسسية على نيل القبول المحلي لمشاريع ذات أهمية وطنية.
لقد واجهت الولايات المتحدة تحديات مماثلة في الماضي. ففي إطار برامج “الصفقة الجديدة” New Deal [حزمة سياسات ومشاريع أطلقها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي لمواجهة الكساد الكبير]، جمعت “سلطة وادي تينيسي” بين الاستثمار الفيدرالي والمشاركة المحلية، مما أدى إلى إيصال الكهرباء وتوفير الفرص الاقتصادية للمجتمعات الريفية، مع دمج هذه المشاريع في صلب المؤسسات الإقليمية. ولم تكن العبرة المستفادة تقتصر على إمكانية تشييد مشاريع ضخمة فحسب، بل في أن تقاسم المنافع والمساءلة كفيلان بضمان استمراريتها سياسياً. وسيكون من الضروري تحقيق توازن مماثل بين الغايات الوطنية والإشراف المحلي، مع تحول البنية التحتية الرقمية إلى ركيزة للقوة الاقتصادية والاستراتيجية.
إن ما نحتاج إليه الآن ليس مجرد أمر تنفيذي آخر أو التزام خطابي بالريادة التكنولوجية، بل نموذج للحوكمة يتعامل مع “الشرعية المحلية” باعتبارها شرطاً أساساً لا عقبة تعوق المسار. فبدون ذلك، تخاطر الولايات المتحدة بالتنازل عن ميزة استراتيجية بالغة الأهمية لمصلحة أنظمة أكثر مركزية، إذ قد تثبت قدرة الصين على تخطيط وتنفيذ البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على نطاق وطني أنها عامل حاسم، نظراً إلى دورها في الحد من حالات عدم اليقين والتأخير. وفي ظل منافسة تتحدد معالمها بصورة متزايدة بناءً على القدرة الحاسوبية والطاقة والإمكانات المادية، فإن القدرة على البناء والتنفيذ قد تضاهي في أهميتها القدرة على الابتكار والاختراع.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاشات الدائرة في نيويورك وأريزونا وفرجينيا ومختلف أنحاء البلاد لا تتمحور فقط حول استهلاك المياه، أو الطلب على الطاقة، أو توقعات التوظيف، بل إنها تشكل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على تنسيق مشاريع معقدة وذات أهمية وطنية في ظل نظام سياسي لا مركزي يعاني تراجع مستويات الثقة. وستحدد هذه الصراعات ليس فقط مواقع إنشاء مراكز البيانات، بل أيضاً الكيفية التي يمكن للبلاد من خلالها، أو ما إذا كانت قادرة أصلاً على، تحويل الطموح التكنولوجي إلى قوة راسخة ومستدامة.
ترجمة عن “فورين أفيرز” الـ6 من يوليو (تموز) 2026
سارة كريبس أستاذة كرسي “جون أل. ويذريل” ومديرة “معهد سياسة التكنولوجيا” في جامعة كورنيل، وزميلة أولى غير مقيمة في مؤسسة بروكنغز. خدمت في سلاح الجو الأميركي بين عامي 1999 و2007.
