
الروائية السويدية كاتارينا بيفالد (صفحة الكاتبة- فيسبوك)
ملخص
في الموازنة بين الكتب والحياة التي نقع عليها في رواية “ترشيحات قراء بروكن ويل” للروائية السويدية كاتارينا بيفالد (دار الرافدين، ترجمة كريم راهي)، ترجح كفة الكتب على كفة الحياة، في بداية الرواية، وتستوي الكفتان في نهايتها.
بين البداية والنهاية، ثمة حركة بطيئة للأحداث، تنتقل بنتيجتها العلاقة بين الكفتين من الرجحان إلى الاستواء. ذلك أن سارة ليندكفيست، بطلة الرواية، تستخدم الكتب لتختبئ من الحياة. تتخذ منها جدار حماية من العالم الخارجي، في الصفحات الأولى من الرواية. تغرق نفسها في القراءة وبيع الكتب والترويج لها، في الفصول المتعاقبة. وتخلص، في الصفحة ما قبل الأحيرة، إلى “أن الواقع لا يقل روعة عن الكتب”. وهذه الخلاصة تبلغها بعد نحو 500 صفحة من الأحداث التي تتمحور حولها، وتنخرط فيها مجموعة من الشخوص، من مواقع مختلفة.
تجري الأحداث في بلدة بروكن ويل التابعة لولاية أيوا الأميركية، بين عامي 2009 و2011. وينتظمها خطان سرديان اثنان، يعقب أحدهما الآخر؛ الأول قوامه 21 رسالة مصوغة بصيغة المخاطب، تتلقاها الشابة السويدية سارة المقيمة في هانينغه من صديقتها الأميركية العجوز إيمي هاريس المقيمة في بروكن ويل، بين الـ15 من أبريل (نيسان) 2009 و5 أغسطس (آب) 2011. والثاني قوامه 53 وحدة سردية يرويها راوٍ عليم بصيغة الغائب، وتحصل أحداثه في شهري أيلول سائل والوحدات السردية التي تتناوب على الحضور، في حركة شبه مكوكية.
رسائل أحادية
بالتنقل بين الخطين، يتبين لنا أن ثمة علاقة صداقة، على الورق، بين المرأتين اللتين يجمع بينهما اهتمامهما بالكتب وشغفهما بالقراءة، يتم التعبير عنها في سلسلة من الرسائل المتبادلة بينهما. والمفارق أن الرسائل الواردة في الرواية تقتصر على تلك المرسلة من إيمي إلى سارة، من دون إيراد أية رسالة من الأخيرة إلى الأولى. على أن هذه الرسائل تتناول مروحة واسعة من الموضوعات، تتمظهر تباعاً في: الكتب، الأصدقاء، البلدة، المكتبة، الأقارب، الأطفال، الأوقات العصيبة، الأحزان، الكلاسيكيات الأميركية، الفصل العنصري، الإرهاب، المظالم التاريخية، المفاضلة بين الكتب والبشر، الضحك، الأسى الملازم للتقدم في العمر، ودعوة سارة لقضاء العطلة في بروكن ويل، وغيرها.
على أن الموضوع الأخير منها يتكرر في الرسائل الأربعة الأخيرة، على الأقل، حتى إذا ما قامت سارة بتلبية الدعوة، ووصلت إلى بروكن ويل، يشكل وصولها بداية الخط الثاني الذي ينتظم أحداث الرواية الحقيقية. وبذلك، يكون السلك الأول مجرد تمهيد للثاني، تتمظهر وظيفته في تزويد سارة بكل ما ينبغي أن تعرفه عن مكان الدعوة وأهله وعاداته وتقاليده.
مجتمع تشاركي
يبدأ الخط الثاني بوصول سارة إلى بروكن ويل. والمفارق أن يتزامن وصولها مع وفاة صاحبة الدعوة، ما يشكل نقطة تحول في مجرى الأحداث، منذ البداية، يكون لها تداعياتها ونتائجها. ويعتبر علامة فارقة في هذا النوع الأدبي الذي غالباً ما ترد نقاط التحول فيه في مرحلة متأخرة من السرد. وهنا، يكون على بطلة الرواية أن تختار بين العودة من حيث أتت أو البقاء حيث وصلت. لكنها إزاء الاهتمام الذي تحظى به من أهل البلدة، باعتبارها ضيفة إيمي هاريس ذات المكانة المحترمة فيها، تقرر البقاء.
ذلك أنهم يقدمون لها بيت المضيفة للإقامة فيه نزولاً عند وصيتها، ويحرصون على تأمين كل ما تحتاج إليه دون مقابل؛ فجون صاحب متجر اللوازم، وغريس صاحبة المطعم، وآندي صاحب الحانة، وجورج السائق، وتوم السائق الآخر يمتنعون عن تقاضي أي ثمن للسلع والخدمات التي يقدمونها لها باعتبارها ضيفة إيمي، واستطراداً البلدة، في سابقة غريبة من نوعها، في عالم مرجعي رأسمالي يقدم المال على ما عداه، ما يجعلنا إزاء مجتمع تشاركي في وسط رأسمالي. وهو ما تعبر عنه سارة، في معرض إجابتها عن أسئلة المحققَيْن بالقول: “أتعرفان كيف تسير الأمور هنا؟ يساند الناس بعضهم البعض. غريس تدعو الجميع للقهوة، وآندي يدعوهم للبيرة، وجون يعيرهم الأدوات بدل بيعها إذا احتاج أحد لإصلاح شيء ما، وتوم يتكفل بالإصلاحات. إنهم أصدقاء” (ص 478).
في مواجهة الكرم الذي يغدقه عليها أهل البلدة، تفكر سارة في مبادرة تشكل عرفاناً بجميل أهل البلدة وتكريماً لصديقتها الراحلة التي لم يقيض لها الالتقاء بها، فتقترح إنشاء مكتبة عامة في متجر إيمي المهمل، وتأخذ على عاتقها النهوض بالمشروع، فينقسم الناس بين مشكك في نجاحه ومتريث في الحكم عليه، غير أنها، شيئاً فشيئاً، تنجح في استقطاب الجميع إلى صفها؛ فتتولى كارولين رئيسة البلدية جمع التبرعات للمشروع، وتقوم جين نائبتها بالإضاءة عليه في النشرة التي تحررها، ويساعدها جورج في إعداد المكان، ويشارك الجميع في التبرع، حتى إذا ما أبصر المشروع النور، تقوم سارة بتصنيف الكتب بطريقة ملفتة للنظر، وتقسم في سرها على جعل الناس يقتنون الكتب ويقرأونها، وهو ما يتحقق بالفعل.
مبادرات أخرى
على أن هذه المبادرة تليها مبادرات أخرى، من قبيل: حملة قراءة، وحفل راقص، ويوم تسوق، وغيرها، ما يجعل البلدة نقطة جذب سياحية في المقاطعة. وهكذا، تستطيع سارة، خلال شهرين، تحويل البلدة من هامش مهمل شبه مهجور إلى متن يستقطب أهالي البلدات المجاورة، وتحظى باحترام الجميع، حتى إذا ما شارفت تأشيرتها النهاية، وبات عليها العودة من حيث أتت تنفيذاً لأحكام قانون الهجرة الأميركي، ينحرطون في اجتراح الحلول لبقائها في البلدة، وهو ما يتحقق بعقد قرانها على توم ابن أخت إيمي، مما يتيح لها اكتساب الجنسية الأميركية.
كثيرة هي التحولات الإيجابية التي تتمخض عنها الأحداث في الرواية، سواء على مستوى العلاقات أم السلوكيات؛ فعلى المستوى الأول، تتكلل علاقة الحب المترنحة بين سارة وتوم بالزواج، بعدما مرت بتجاذبات كثيرة. تنجح العلاقة بين كارولين وجوش في النمو بعد تعرضها لبعض الانتكاسات بسبب فارق العمر بينهما، وتبشر بثمار آتية. توضع العلاقة بين جورج وكلير على السكة الصحيحة، وتشي بنهاية سعيدة. وعلى المستوى الثاني، تكتشف سارة التي عاشت طويلاً بين الكتب في بلدها، إذ عملت 10 سنوات في مكتبة، أن ثمة حياة خارج الكتب لا تقل روعة عن الأولى، فتقرر الانخراط فيها، وتحدث انقلاباً في محيطها الجديد.
تتخلى كارولين عن تشددها الديني والأخلاقي شيئاً فشيئاً، فتعطي العلاقة بينها وبين جوش الذي يصغرها سناً فرصة النجاح، وتقرأ الكتب الإباحية باعتبارها أدباً إيروتيكياً من دون شعور بالذنب. تتردد العجوزان غيرترود وآني ماي على المكتبة بانتظام بعد سخريتهما في البداية من فتحها. يزور جون المكتبة، بعد تحفظه على فتحها، ويسدي النصيحة لسارة حين تدعو الحاجة. تعود صوفي ابنة جورج إليه بعد رحيلها مع أمها، وتزاول هواية القراءة.
إن محورية ثيمة القراءة في الرواية، تجعلها تحفل بأسماء كثير من الروايات، وبالمشاهد الروائية المستلة منها، وبتقاطعات بين المقروء والمعيش في الرواية، من جهة، وتدفع ببعض القراء الجدد بمقارنة أنفسهم بهذه الشخصية الروائية أو تلك، من جهة ثانية. وهنا، تكتسب الرواية بعداً معرفيا أدبيا يحقق لها وظيفتي المتعة والفائدة.