ملخص
مع اندلاع أزمة هرمز التي أدت إلى تعطيل أو إغلاق جزئي للمضيق الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، برزت الصين كنموذج للاستعداد المسبق، فكانت تبني مخزوناتها الإستراتيجية، وتطور خطوط الأنابيب من روسيا وآسيا الوسطى، وتزيد الإنتاج المحلي، تحسباً لأي اضطراب في الممرات البحرية، سواء في هرمز أو مضيق ملقا.
كتبتُ في عدد من مقالاتي السابقة عبر هذه الزاوية في “اندبندنت عربية” عن دور الصين، وتحدثت عن الموضوع بإسهاب في مقابلات تلفزيونية وبودكاستات ومساحات حوارية، وتطرقت إليه في برنامج “أنسيّات الطاقة” الذي تبثه منصة الطاقة المتخصصة، تناولتُ فيه الأدوار المختلفة التي تؤديها الصين في أسواق الطاقة، بعضها استباقي لسياسات الولايات المتحدة، وبعضها رد فعل، وبعضها الآخر يهدف إلى التخفيف من حدة الأزمات.
ومع ذلك لا تزال الأسئلة تردني مستوضحة عن دور الصين، بخاصة في ظل المعلومات والبيانات الخاطئة التي تبثها أو تنشرها وسائل الإعلام، ولا سيما ما يردده المعلقون في الفضائيات، والفارق الجوهري بين المعلق والخبير أن الخبير صانع للخبر، بينما المعلق قارئ له، فإذا كان الخبر خاطئاً فإن التعليق يكون بالضرورة خاطئاً، والمؤسف أن تصحيح الخطأ يُفسّر على أنه انتقاد، ويُطلب منك السكوت حفاظاً على سمعة القناة، وإلا وُضعت على القائمة السوداء، وبعبارة أخرى: معلومات خاطئة وإعلام غير مهني، والضحية هو المتفرج أو المستمع، وبناءً على ذلك قررتُ كتابة هذه المقالة لتكون مرجعاً واضحاً عن سياسات الصين.
في عام 2019، وخلال زيارتي بكين، علمتُ أن القيادة الصينية مقتنعة بأن يوماً سيأتي يقوم فيه الغرب بقيادة الولايات المتحدة بشن حرب عليها، سواء كانت عسكرية أو تجارية، وتتضمن حظراً على التجارة وإغلاقاً لمضيق ملقا الذي تمر عبره معظم واردات الصين وصادراتها، ولذلك بدأت بكين باتخاذ خطوات استباقية لمنع تأثير هذه الإجراءات فيها، أو في الأقل التخفيف منها، وتضمنت هذه السياسات اللجوء إلى مصادر وطرق بديلة، مثل الأنابيب من روسيا ووسط آسيا، ومد الطرق السريعة وسكك الحديد إلى الدول المجاورة، وجرى التركيز بصورة كبيرة على باكستان وإيران لأسباب عدة، منها أنهما يمثلان أحد الممرات نحو وسط آسيا وتركيا وأوروبا، وهما دولتان تملكان كثافة سكانية عالية وأقل تطوراً نسبياً مقارنة بدول الخليج، مما يجعلهما سوقاً ضخمة للبضائع الصينية، وفرصة كبيرة لشركات الإنشاءات الصينية، إذ يحتاج البلدان، إضافة إلى أفغانستان، إلى بنية تحتية هائلة قد تستغرق أكثر من عقدين لبنائها، وهنا مقارنة قد تزعج بعض القراء، فعدد سكان باكستان وإيران معاً يبلغ نحو 350 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان الجزء الآسيوي من العالم العربي (12 دولة) نحو 205 ملايين نسمة، وهذا يقودنا إلى أخبار اليوم.
يقول الإعلام الغربي إن الحظر البحري الذي فرضته إدارة ترمب على إيران، بخاصة على النفط الإيراني، أجبر طهران على اتخاذ طرق خلفية للاستيراد والتصدير، منها الطرق وسكك الحديد، لكن الإعلام الغربي قلب الأمور رأساً على عقب: لماذا بنت الصين هذه الطرق؟ ولماذا شيدت هذه السكك الحديدية؟ لقد بنتها لتفادي مضيق هرمز، ونعم حققت الصين ما أرادت.
دور الصين في أسواق النفط
غيّرت بكين هيكل سوق النفط العالمية بصورة جذرية خلال الأعوام الـ 10 الماضية، فالسوق النفطية لم تكن يوماً سوقاً تنافسية بالمعنى النظري الذي يُدرس في كتب الاقتصاد، بل أُديرت تاريخياً من قبل مجموعة محدودة من المنتجين، مع تدخل مستمر من الحكومات عبر الضرائب والإعانات والتشريعات والمخزونات الإستراتيجية، وبصورة عامة تحتاج سوق النفط إلى إدارة مركزية، سواء من خلال “أوبك” أو “أوبك+”، وهو ما يُصنف اقتصادياً على أنه “احتكار القلة”، مما يجعل هذه الإدارة مؤثرة بصورة كبيرة في تحديد الأسعار.
لكن دخول الصين كمشتر إستراتيجي غيّر هذا الهيكل، فهي تشتري عند انخفاض الأسعار وتخزّن النفط، ثم تبيع أو تقلل مشترياتها عندما ترتفع الأسعار، وبهذا أصبحت لاعباً مؤثراً وقادراً على دفع الأسعار نحو مستويات أقرب إلى ما كانت عليه في سوق تنافسية حقيقية، وبعبارة أخرى فإنها تستطيع الحد من ارتفاعات الأسعار، كما حدث مراراً وبخاصة عام 2021.
لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للنفط حول العالم، بل أصبحت قادرة على التأثير المنهجي في توازن العرض والطلب، فأي تغيّر في وارداتها أو مخزوناتها ينعكس فوراً على الأسعار العالمية، وبينما يركز الإعلام الغربي والعربي على قرارات “أوبك+” أو إنتاج الولايات المتحدة، يتجاهل كثر قدرة الصين على تحريك السوق بمئات الملايين من البراميل يومياً، من خلال قرارات إدارية بحتة، ولم ينتبه بعض وسائل الإعلام إلى هذا الدور إلا أخيراً بعد أن خفضت الصين وارداتها بنحو 6 ملايين برميل يومياً.
كذلك تستفيد الصين من قدرتها على استيعاب النفط الخاضع للعقوبات، فهي تستورد معظم النفط الإيراني عبر مصاف خاصة صغيرة، ونظام دفع منفصل عن النظام المالي الغربي، إضافة إلى النفط الروسي والفنزويلي سابقاً بأسعار مخفضة، وهذا يجعلها المنفذ الرئيس لهذه الإمدادات، ويمنحها مرونة لا تتوافر لمعظم الدول الأخرى، وفي الوقت نفسه تشجع الحكومة الصينية شركاتها منذ أعوام على زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز والفحم بأية كلفة ممكنة، لتقليل الاعتماد على الواردات البحرية.
الصين وأزمة مضيق هرمز
مع اندلاع أزمة هرمز التي أدت إلى تعطيل أو إغلاق جزئي للمضيق الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، برزت الصين كنموذج للاستعداد المسبق، فقد كانت بكين تبني مخزوناتها الإستراتيجية، وتطور خطوط الأنابيب من روسيا وآسيا الوسطى، وتزيد الإنتاج المحلي، تحسباً لأي اضطراب في الممرات البحرية، سواء في هرمز أو مضيق ملقا، وعندما اندلعت الأزمة خفّضت وارداتها بصورة حادة وصلت في بعض المراحل إلى 6 ملايين برميل يومياً، مما أسهم في انخفاض أسعار النفط بصورة ملاحظة، وهذا الخفض لم يعكس تراجعاً كبيراً في الاستهلاك الفعلي داخل الصين، ولم يؤد إلى انخفاض كبير في المخزون، فكيف استطاعت تحقيق هذا الخفض؟ وهل تستطيع الاستمرار فيه؟ وهل ستؤدي عودة الواردات إلى ارتفاع الأسعار مجدداً لمستوياتها السابقة؟
أدركت الحكومة الصينية منذ أعوام أن الغرب قد يشن حرباً عليها أو يفرض حظراً اقتصادياً شاملاً، وفي كلتا الحالين قد يُغلق مضيق ملقا الذي يمر عبره معظم صادراتها ووارداتها، ولذلك بدأت تستعد لهذا الاحتمال عبر سياسات عدة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المنافذ البحرية، بخاصة في مجال الطاقة، فركزت على الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، وزادت الإنتاج المحلي من النفط والغاز والفحم، ووسّعت واردات الغاز من روسيا ووسط آسيا عبر الأنابيب، وأنشأت نظاماً مالياً للدفع يتيح لها الاستغناء جزئياً عن النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وبعد حرب الـ12 يوماً على إيران في يونيو (حزيران) 2025، أدركت الصين أن مضيق هرمز قد يُغلق يوماً ما، فأسرعت إلى بناء المخزونات، وطالبت شركاتها بزيادة إنتاج النفط والغاز، ورفعت وتيرة التركيز على الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وزادت واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب، واستغلت فترة الصيف التي يُفتح فيها الممر الشمالي للملاحة، لاستيراد الغاز المسال الروسي الخاضع للحظر الأميركي، ومع بداية أزمة هرمز ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية تجاوزت 170 دولاراً للبرميل، وعندها قررت المصافي الصينية التوقف عن استيراد جزء كبير من حاجاتها حتى وصل الخفض إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً في يونيو 2025، شاملة النفط الخام والمنتجات النفطية، واعتقد كثر أن هذا الخفض سيُعوض من المخزونات، لكن ذلك لم يحدث بالكامل، وما غاب عن كثيرين أن عملية بناء المخزون توقفت، ومنعت الصين مصافيها من التصدير، مما خفض الواردات بنحو مليوني برميل يومياً، من دون التأثير في الاستهلاك المحلي أو المخزون، أضف إلى ذلك زيادة سابقة في المخزون، وانخفاضاً إضافياً في الاستهلاك، نتيجة تراجع معدلات النمو الاقتصادي خلال الربع الثاني من ذلك العام لأدنى مستوى منذ التسعينيات، فضلاً عن عمليات الترشيد بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما خفض الواردات بنحو مليون برميل إضافي يومياً، وكذلك اُستخدم المخزون العائم من النفط الإيراني والروسي والفنزويلي الذي اشترته الصين سابقاً بأسعار مخفضة، وقُدرت كميته بنحو 1.5 مليون برميل يومياً في الأقل، أما الباقي فجرى تعويضه من المخزون الإستراتيجي، وقد انخفضت أسعار النفط من مستوياتها التاريخية العالية لأسباب عدة، منها تحويل الإمارات والسعودية جزءاً من نفطهما عبر الأنابيب، وسحب الدول الصناعية من مخزوناتها الإستراتيجية، وخفض الصين وارداتها، وانخفاض الطلب العالمي بسبب ارتفاع الأسعار من جهة، وانهيار عملات بعض الدول مثل اليابان من جهة أخرى.
هل تستطيع الصين الاستمرار في هذا الخفض الكبير؟
الجواب: لا، وقد بدأت المصافي الصينية بالفعل زيادة وارداتها تدريجاً، لكن الزيادة لا تزال محدودة، بخاصة مع وجود كميات ضخمة من النفط العائم، وخصوصاً الإيراني، ويعتقد بعض الخبراء أن الصين لن تعود لمستويات وارداتها السابقة بصورة كاملة، بفضل سياساتها الطويلة الأمد لتقليل الاعتماد على النفط، بما في ذلك التوسع في السيارات والشاحنات الكهربائية، وحتى مع افتراض عودة كاملة للواردات، فإن الأسعار لن تعود بالضرورة لمستوياتها السابقة، لأن المصافي الصينية تفضل شراء النفط المخفض السعر من دول الخليج أو روسيا أو إيران، ووجود كميات هائلة من النفط الإيراني العائم يحد من أي ارتفاع حاد في الأسعار.
نجحت الصين في التخفيف من آثار أزمة هرمز أكثر من أية دولة أخرى، وهي الأقل تأثراً عالمياً حتى الآن، ولديها القدرة على الاستمرار في هذا الوضع لبضعة أشهر إذا طالت الأزمة، لكنها ستتأثر سلباً إذا امتدت لفترة طويلة جداً، وبهذا أصبحت الصين لاعباً إستراتيجياً يسهم في إدارة سوق النفط من خلال قدرتها على التخزين والمرونة في الواردات والإنتاج المحلي، فأزمة مضيق هرمز لم تكشف ضعفاً صينياً، بل أبرزت أعواماً من التحضير المسبق الذي مكّنها من قلب موازين الأزمة جزئياً، وتخفيف حدة الصدمة السعرية على العالم، وفهم هذا الدور لم يعد رفاهية تحليلية، بل ضرورة لمن يريد قراءة مستقبل أسواق الطاقة، بعيداً من السرديات المبسطة، غير أن الإشكال الحالي يكمن في أن الصين اكتشفت إمكان الاستفادة من إطالة أزمة هرمز، لأنها تدعم مخططها طويل الأمد المتعلق بإيران وباكستان و”مبادرة الحزام والطريق”، فما يصوره الإعلام الغربي على أنه باب خلفي لإيران والصين للالتفاف على الحظر الأميركي، عبر الطرق وسكك الحديد التي تربط إيران بالصين، هو في الحقيقة جزء أصيل من المخطط الصيني للاستغناء عن البحار، وربط الصين بأوروبا براً، وقد عززت أزمة مضيق هرمز هذه الرؤية الصينية.
