علي حسين…جريدة المدى
في كل يوم أسأل نفسي: ماذا ستكتب؟ وهل المطلوب منك أن تُصيب القراء الأعزاء بالكآبة والضجر وأنت تلاحق أخبار سرقات “القرن”، وتحاول اصطياد الموضوعات من ماء السياسة العكر؟. ولهذا تجدني أحياناً أستبدل حديث السياسة بأحاديث عن الكتب والثقافة،
ولهذا اسمحوا لي اليوم أن أكتب عن كتاب شيق وممتع انتهيت منه قبل أسابيع، والكتاب بعنوان “مذكرات مجدي يعقوب.. جراح خارج السرب”، ومن لا يعرف من هو مجدي يعقوب أقول لاختصار إنه جراح مصري شهير أكمل قبل أشهر عامه التسعين، سافر إلى بريطانيا عام 1961 بعد أن تخرج من كلية طب القاهرة في رحلة قال عنها إنها: “بحثاً عن فرص في العلم، وبرغبة في أن أخدم الناس في شتى أرجاء العالم”، ليصبح بعد سنوات من أشهر أطباء القلب في العالم، ليجد نفسه عام 2014 يقف أمام ملكة بريطانيا يتسلم وسام الاستحقاق ويصبح حاملاً للقب “سير”، وكانت العراقية زها حديد قد حملت هذا اللقب قبله بعامين.
الجراح الذي أصبح واحداً من أهم الشخصيات الطبية في بريطانيا وأمريكا والذي زرع مئات القلوب قرر أن يعود إلى بلاده عام 2006 لينشئ مركزاً لجراحة القلب في مدينته “أسوان”، وليلحقه بعد سنوات بمركز آخر للقلب وسط القاهرة، وعندما قيل له إنك تضحي بالشهرة والمال قال: “إنني كنت أرى المال دائماً وسيلة لتحقيق أغراض لا غاية في ذاته”. ونقرأ في الأخبار أن مركز أسوان أجرى تحت إشراف مجدي يعقوب حوالي 1500 عملية قلب مفتوح وأكثر من 3000 عملية قسطرة عام 2023 مجاناً بدون تمييز بين الفقراء والأغنياء، فيما أجرى مركز القاهرة ما يقارب الثلاثة آلاف عملية قلب مجاناً.
في كتاب “جراح خارج السرب” نتعرف على إنسان من طراز نادر، يقرر في لحظة أن يتبنى طفلاً إثيوبياً ويضمه إلى عائلته بعد أن أجرى له عملية، وعندما أرادت إدارة المستشفى تسليم الطفل إلى أسرته لم تجد أحداً، فقرر الجراح الشهير أن يعيش مع عائلته وينفق على تعليمه .
عندما انتهيت من صفحات الكتاب، شعرت بأن النجاح لا يعني الحصول على كل ما تتمناه، وإنما في قدرتك على تحويل هذا النجاح إلى تواضع إنساني، وأن تصغي لمعاناة الناس، وأن يكون لك صوت مختلف.
سيقول البعض: مالك يا رجل؟ بدأت بالبحث عن موضوع، وانتهيت بالحديث عن طبيب مصري، وتنسى أننا نبحث عن أشباه نور زهير، ماذا أفعل يا سادة؟ لا بد من العثور على موضوع يبعد عني ضجيج الفيسبوك وبيانات المدافعين عن مستشفى الكفيل، وإصرار البعض على أن يلصق صفة “المقدس” بمستشفى مهمته أن يعالج المرضى ، بالتأكيد سيعتبرني البعض عميلاً لجهات أجنبية، وأنني المسؤول عن خراب الصحة والتعليم في بلاد الرافدين وعن ضياع عشرات المليارات وتخريب منجزاتنا العظيمة.