علي حسين.. جريدة المدى
كان ينبغي أن يكون موضوع المقال لهذا اليوم عن الأحكام التي أصدرتها الصين بحق عدد من المسؤولين المتهمين بالرشوة، وأتمنى أن لا يعتقد البعض أن المسؤول الصيني تمت مساومته بإعادة الأموال مقابل إطلاق سراحه، أو أن البرلمان اعترض على الإجراءات التي اتخذت ضده، لا يا سادة فقد أصدرت المحكمة قرارات صارمة بإعدام المرتشين وعدم التهاون مع المتلاعبين بالمال العام.
في العراق يتحول موظف مثل عدنان الجميلي بفضل دعم الأحزاب إلى ملياردير، وأن هناك المئات من أمثال الجميلي لا يريد أحد أن يسألهم من أين نزلت عليهم كل هذه الثروات.. قال الرئيس الصيني شي جين بينغ في أول خطاب له بعد استلامه السلطة عام 2013 إن الخطر الأكبر الذي يواجه الصين هو أن يتوهم بعض قادة الحزب بأن المال العام يمكن أن يتحول إلى مال خاص، في الوقت الذي لا يعرف المواطن العراقي حتى هذه اللحظة كيف تحولت موازنات الدولة إلى مصرف جيب لمسؤولينا الكبار.
في بلاد الرافدين يعقد البرلمان جلسة مغلقة ليندد بإجراءات الحكومة ضد النواب الفاسدين، وأخبرتنا النائبة “الحبابة” سميعة الغلاب أن اعتقال النواب يشبه “فيلم أكشن هوليوودي”، بعدها ذرفت الدموع على زملائها المعتقلين، لتعلن أن مجلس النواب لن يقبل بهذه الإجراءات التعسفية، وحجة النائبة أن السادة النواب المعتقلين لم تثبت عليهم تهمة وهم أبرياء، وعلى الحكومة أن تعتذر منهم.
بعدها شاهدنا عدداً من السياسيين يبدون انزعاجهم من طريقة اعتقال النواب، ويسخرون من دبابات رئيس الوزراء التي حاصرت بيوت نواب الفساد.
كنت سأصدق هذه الأقوال، وأصفق له لو أن المنادين بها احتجوا على ضرب المتظاهرين في واسط وذي قار، أو خرجوا ببيان يندد بعنف القوات الأمنية ضد تظاهرات الخريجين، لكننا يا سادة في بلاد تندد بمحاسبة الفاسد، وتصفق لهراوات الأمن ضد المتظاهرين.
كشفت لنا الأحداث الأخيرة حجم البؤس الذي نعيشه، حيث لم تعد أرقام الأموال المنهوبة، ولا العصابات التي عشعشت في مؤسسات الدولة، تعني السادة النواب، ولأول مرة ربما في تاريخ الدول، نجد برلماناً ينزعج “وبشدة” لأن الحكومة اعتقلت متورطين بعمليات فساد كبرى.
سيقول قارئ عزيز: منذ سنين ونحن نعيش مسرحية فيلم طويل عنوانه سرقة أموال البلاد، لمَ العجب إذن ومتولي اقتصاد العراق نور زهير استطاع أن يهرب سجيناً، مثلما استطاع أن يلفلف في وضح النهار ثلاثة مليارات دولار، فيما تحول مدير عام إلى حوت كبير.. وربما يسخر مني قارئ فيقول: لماذا علامات التعجب ونحن نعيش في بلد تحولت فيه السياسة إلى استعراضات وخطب يصول ويجول أصحابها في الفضائيات، يتحدثون في الاقتصاد والسياسة والقانون وحقوق الإنسان، لكنهم يتحسسون من مفردة ” فاسد “، معظمهم يفقدون اتصالهم بالواقع لأنهم مهمومون بالاطمئنان على الحالة النفسية للنائبة عالية نصيف.