ملخص
ستخرج روسيا من حرب أوكرانيا مثقلة بضغوط اقتصادية وديموغرافية متراكمة، لكن ضعفها الداخلي لن يجعلها أكثر اعتدالاً، بل قد يدفعها إلى سلوك خارجي أشد تقلباً. ويرجح أن تعتمد موسكو على الهجمات السيبرانية والتخريب والضغط بالطاقة والوكلاء، مما يفرض على الغرب الاستعداد لتهديد طويل الأمد لا ينتهي بانتهاء الحرب.
أياً كان توقيت انتهاء الحرب في أوكرانيا ومهما كانت نهايتها، ستخرج منها روسيا وهي تواجه قيوداً داخلية أشد، لكنها ستكون أكثر ميلاً إلى زعزعة الاستقرار خارج حدودها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن جانباً كبيراً من التفكير الغربي في شأن روسيا لا يزال يستند إلى أحد افتراضين: إما أن استمرار الضغوط سيجبر موسكو في نهاية المطاف على الاعتدال في سلوكها، أو أن النظام الروسي يتجه نحو الانهيار، غير أن كلا الافتراضين يسيء فهم طبيعة الضغوط المتراكمة داخل روسيا.
وهذه الضغوط ليست جديدة، ولم تبدأ مع الغزو الشامل لأوكرانيا.
فمنذ أوائل العقد الثاني من القرن الـ21، أخذ عدد السكان في سن العمل في روسيا يتناقص. كما تباطأ نمو الإنتاجية قبل عام 2022 بفترة طويلة، فيما تركزت الاستثمارات بصورة متزايدة في القطاعات المرتبطة بالدولة بدلاً من توجيهها إلى الاقتصاد الأوسع.
وتراجعت أيضاً حصة عائدات النفط والغاز في الموازنة الاتحادية، بعدما كانت توفر هامش أمان مالي موثوق. وعلى مدى عقدين، ازدادت السلطة السياسية مركزية بصورة مطردة، إلى حد أصبح معه الولاء للسلطة المركزية ثمناً للحصول على الفرص الاقتصادية، فيما غدت هذه الفرص نفسها تعتمد بصورة متزايدة على ذلك الولاء.
وفاقمت الحرب في أوكرانيا هذه الضغوط، فقد أدت التعبئة والهجرة إلى تعميق النقص في اليد العاملة، بينما بات الإنفاق الدفاعي يستحوذ على حصة متزايدة من النفقات الاتحادية، في منافسة مباشرة مع الاستثمار المدني والإنفاق الاجتماعي.
وتستقطب أجهزة الأمن والجيش والشرطة عناصرها من قاعدة التجنيد نفسها الآخذة في الانكماش، مما قد يخلق منافسة داخل الجهاز الذي يعتمد عليه النظام للحفاظ على سيطرته. وتشكل الأراضي المحتلة عبئاً إضافياً، إذ تستنزف القدرات الإدارية والموارد المالية من دون أن توفر عوائد اقتصادية أو ديموغرافية تذكر.
والأهم أن هذه الضغوط لا تعمل منفصلة، بل يفاقم بعضها بعضاً.
فندرة اليد العاملة تزيد الضغوط المالية، مما يقلص الموارد المتاحة للمحسوبية، ويدفع بدوره إلى تشديد السيطرة السياسية بدلاً من إبداء مزيد من المرونة.
كذلك، يؤدي تقلص القوى البشرية المتاحة إلى إضعاف أجهزة الأمن والجيش والشرطة، في وقت تتزايد فيه المهمات الملقاة على عاتقها، من إعادة دمج المحاربين القدامى إلى مراقبة المعارضة والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
ويمكن احتواء كل واحد من هذه الضغوط على حدة، لكن تضافرها يضيق بمرور الوقت هامش المناورة المتاح للكرملين.
وكثيراً ما استند جانب كبير من السياسة الغربية إلى منطق بسيط، وهو أن زيادة الضغط الاقتصادي والعسكري ستدفع روسيا في النهاية إلى الاعتدال في سلوكها، أو ستجعلها أضعف من أن تواصل المواجهة. وقد يبدو هذا الافتراض منطقياً بالنسبة إلى الدول التي تستمد شرعيتها أساساً من الرخاء أو الأداء الانتخابي، لكنه لا ينطبق بالقدر نفسه على نظام ترتبط شرعيته بمقاومة التهديدات الخارجية والحفاظ على السلطة المركزية.
ولهذا تختلف استجابة روسيا للقيود المتزايدة عما يتوقعه كثير من صناع السياسات، ففي أنظمة سياسية عديدة، قد يشجع الضغط على الاعتدال، إما من خلال إجراء إصلاحات تخفف الأعباء، وإما بالتراجع حفاظاً على الموارد.
لكن النظام الروسي لا يعمل بهذه الطريقة، فشرعيته لا تقوم على الأداء الاقتصادي، بل على مواجهة عالم خارجي معاد والحفاظ على سلطة الدولة. ووفق هذا المنطق، لا يمثل الضغط دليلاً على فشل المسار الحالي، بل برهاناً على أن التهديد حقيقي.
وبعبارة أخرى، لا تدفع الضغوط المتزايدة روسيا إلى الحذر، بل تزيد هشاشة نظامها في الداخل وتجعل سلوكها في الخارج أكثر تقلباً.
ولا يعني ذلك استبعاد احتمال العودة لحرب تقليدية واسعة النطاق، فهو لا يزال وارداً وسيكون من الخطأ التقليل من شأنه، لكن الضغوط نفسها التي تولد هذا التقلب تجعل من الأصعب على روسيا شن عمليات عسكرية مكثفة ومستمرة والحفاظ عليها على المدى الطويل.
فاليد العاملة شحيحة، والإنفاق الدفاعي يستحوذ بالفعل على حصة متزايدة من الموارد، فيما يفرض التراجع الديموغرافي قيوداً متنامية على إعادة بناء القوات.
أما السيناريو الأرجح على المدى المتوسط، فهو استمرار التصعيد باستخدام أدوات تستنزف قدراً أقل من هذه الموارد، مثل العمليات السيبرانية والتخريب والحملات الإعلامية، واستغلال الطاقة كوسيلة ضغط، وممارسة الضغط عبر الوكلاء. فهذه الأدوات أقل كلفة، ويصعب تحديد الجهة المسؤولة عنها، كما أنها أنسب لدولة ترزح تحت ضغوط داخلية متواصلة.
ويترتب على ذلك أن يتجاوز صناع السياسات ثنائية الانهيار أو الاعتدال، وأن يستعدوا لروسيا ستظل قادرة على زعزعة الاستقرار بصورة مستمرة، بصرف النظر عن الكيفية التي تنتهي بها الحرب.
وهذا يتطلب تعزيز قدرة البنية التحتية الحيوية والمؤسسات الديمقراطية على مواجهة الاضطرابات، باعتبار ذلك حاجة دائمة لا إجراء موقتاً تفرضه الحرب.
وينبغي للشركات والمستثمرين أيضاً أن ينظروا إلى أي ارتباط بروسيا بوصفه مصدراً دائماً للأخطار، لا أزمة عابرة يمكن تجاوزها عند عودة الأوضاع لطبيعتها.
لكن العودة لما كان قائماً قبل الحرب تبدو مستبعدة، فروسيا التي ستخرج منها ستكون، على الأرجح، أضعف في الداخل وأكثر تقلباً في الخارج، وعلى الحكومات والشركات والمؤسسات الغربية أن تستعد لهذه الحقيقة من الآن.
دان سليت كبير مستشاري السياسات لشؤون الجغرافيا السياسية (أوروبا والاتجاهات العالمية)
