مع إعلان استقالة الأمين العام للحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف وإنزال علم الكرملين يوم 25 ديسمبر/كانون الأول 1991، ثم حَل وإلغاء المؤسسات السوفياتية في اليوم التالي، إيذانا بسقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء نظام عالمي حكم الأرض عدة عقود، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش بداية نظام عالمي جديد؛ في حينه أبحر أغلبنا في تفسير مضمون إعلانه شرقا وغربا، ثم جرى التوافق على أن المقصود هو مفهوم “العولمة” والتي تعني الانغماس في حالة من التفاعل والتكامل بين الأفراد والشركات والحكومات حول العالم، بما ينتج عنه إزالة الحدود وتدفق السلع والأفكار في مختلف الجوانب الاقتصادية والثقافية والسياسية، مما يجعل العالم يعيش في قرية صغيرة.
وقد كان، حيث عاش العالم من وقته تحولات كبرى على مختلف الأصعدة بفضل تطور التقنية وشبكات النت، حتى إننا نعيش اليوم حياة مختلفة لا يعرف معناها إلا مَن كان مِن جيلي، مع إيماني بأننا كجيل نُمثل آخر الأجيال التي تنتمي بصلة إلى عقود وقرون سابقة، أسميها عهود ما قبل العصر الرقمي، ونحن أيضا أول جيل يُؤسس للعصر الرقمي الذي نعيشه حاضرا وتعيشه أجيالنا القادمة مستقبلا.
أعود إلى المضمون السياسي لمفهوم العولمة لأشير إلى أن النظام الذي بَشّر به الرئيس بوش الأب قد أسّس لمفهوم الأحادية وأنهى عصر تعدد الأقطاب التاريخي، كما أخفى خلفه رؤية دينية صهيونية تهدف إلى تطويع العالم- وليس الولايات المتحدة وعدد من دول أوروبا الغربية فقط- لسلطة ونفوذ دولة إسرائيل، انطلاقا من رؤية دينية مسيحية محافظة يُعرفُ أصحابها بالإنجيليين، ويُعلنون دعمهم الكامل لقادة إسرائيل اليمينيين لإقامة دولة إسرائيل التوراتية الكبرى، كما هو الحال مع السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي وغيره.
من هنا يمكن فهم ما يجري حاليا في الشرق الأوسط الجديد الذي بَشّر به الساسة الأميركان، والذي يعيش حالة من الغليان المستمر منذ إعلان الرئيس بوش لنظامه العالمي الجديد، وكأن قَدرنا في المشرق العربي بخاصة أن تكون أرضنا ميدانا للمعركة الكبرى التي يُخططون لها، كما كانت اليابان وألمانيا أرض المعركة في القرن العشرين، فهل سنشهد ما شهده أولئك من أهوال في سبيل تثبيت دعائم نظام عالمي جديد؟
أشير إلى أن ملامح النظام العالمي الجديد قد بدأ فعليا مع إعلان وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس عن ولادة “مخاض شرق أوسط جديد” ينطلق من استراتيجية “الفوضى الخلاقة”، فكان ابتداء مشاهده بغزو الرئيس صدام حسين للكويت في سابقة سياسية أمنية هزت المنطقة العربية كبركان ثائر متفجر، ثم ومع مطلع الألفية الجديدة شهد العالم استهداف بُرجي التجارة العالميين الذي تبنت “القاعدة” وأسامة بن لادن مسؤوليتها إزاءهما، ليكون ذلك سببا في صناعة عدو جديد للولايات المتحدة تقتات عليه من بعد سقوط الشيوعية، وبذلك ظهر مفهوم “الإسلاموفوبيا” الذي به احتلت الولايات المتحدة أفغانستان، ثم العراق، وأعلنت بسببهما استراتيجيتها القائمة على تعميم الفوضى الخلاقة، التي أخذت مظاهر مختلفة، وانتقلت في تطورها من فصل لآخر.
ولم يمض وقت طويل حتى جاء الفصل الثاني من مخاض الشرق الأوسط الجديد مع دخول كثير من الدول العربية في لعبة ما أطلق عليه اسم ثورة “الربيع العربي” الذي جاء استجابة مباشرة لخطاب الرئيس باراك أوباما بجامعة القاهرة في 4 يونيو/حزيران 2009 والذي حمل عنوانا مخاتلا وهو “بداية جديدة”؛ وواقع الحال، فإذا كان الخطاب قد جاء بهدف إعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والمسلمين بعد سنوات من التوتر، ولا سيما عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وحربي أفغانستان والعراق، إلا أنه قد مثل أساسا لابتداء حَراك اجتماعي سياسي، بلغ منتهاه مع قدح شرار ثورة شبابية بنفَس سياسي إخواني أدخل المنطقة العربية في دوامة من الغضب لم تنته فصوله في كثير من الأقطار حتى اليوم، وهكذا دخل المشرق العربي في الفصل الثاني من استراتيجية الفوضى الخلاقة ومخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد منذ يناير/كانون الثاني 2011 وحتى اليوم، حيث لم تتعاف ليبيا واليمن والسودان وسوريا، ولم يستعد العراق وحدته وقراراه السياسي والأمني، كما لم تخرج مصر من أزمتها الاقتصادية الخانقة.
واليوم، ومنذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والمنطقة تشهد أحداث الفصل الثالث في هذه الاستراتيجية، حيث ابتدأت بحملة الإبادة للمجتمع الفلسطيني بغزة، واندلاع أولى المواجهات المسلحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي لا نزال نشهد أحداثها، ثم قيام إيران بتوسيع دائرة الاستهداف باستمرار اعتدائها السافر على دول الخليج العربي سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها في دولة العراق، وكل ذلك بهدف إقحام دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية في أتون حرب مستعرة، بهدف إيقاف كل التنمية التي تعيشها هذه الدول، والتي تمثل آخر عصب متين في منظومة الدول العربية، في الوقت الذي تخرج فيه إسرائيل رويدا رويدا من أتون هذه الحرب، وتتحول إلى متفرج من بعيد ينفث في النار كلما خفت لهيبها، كما هو الحال حاليا مع الولايات المتحدة التي باتت وحيدة في مواجهة إيران.
على أني لا أبرئ بأي حال ساحة إيران أبدا التي بتكرارها استهداف دول الخليج العربي وتغافلها عن إسرائيل وهي التي قتلت “مرشدها الأعلى” وكبار قادتهم، ودمرت بنيتهم التحتية، يؤكدون حالة التخادم غير المباشر مع قادتها، وكأنهم يهدفون إلى تحقيق كل أجزاء الفصل الثالث في استراتيجية الفوضى الخلاقة برؤية أميركية، وهو ما سيعود بالسلب كليا على الجارين العربي والإيراني، ويُبقي إسرائيل بعيدا عن أي ضرر جسيم، فهل يريد الإيرانيون ذلك ويسعون له؟ سؤال أتوجه به لكل المعتدلين من الإصلاحيين في إيران إن كان لا يزال لهم وجود.
