ملخص
يتردد مصطلح “الدولة” بكثرة في الخطاب اليومي، السياسي منه والإعلامي، حتى يكاد يبدو مفهوماً بديهياً لا يحتاج إلى تعريف. غير أن هذا التداول المكثف يخفي في الواقع غموضاً عميقاً. إذ نلاحظ أن الذين يستخدمون هذا المصطلح لا يملكون دائماً تصوراً دقيقاً لدلالته.
تُفهم الدولة مرة بوصفها سلطة، ومرة كأجهزة إدارية، وأحياناً ككيان رمزي جامع للأمة، من دون تمييز واضح بين هذه المستويات المختلفة. من هنا كان هذا المقال الذي يسعى إلى مساءلة هذا المفهوم وتفكيك دلالاته والكشف عن التباسات استعماله، أملاً في إعادة بناء فهم أكثر ضبطاً ووضوحاً لمعنى الدولة
ينهض مفهوم الدولة على تداخلٍ بين بُعدين: بُعد تاريخي يتجلى في صيرورات الواقع وتحولاته، وبُعد نظري يتشكل في فضاء الفكر والتأمل. وهذا ما يفسر صعوبة الإحاطة بهذا المفهوم من خلال تعريفٍ جامع مانع يتوافق عليه الجميع. لكن، يمكن القول، على نحو ما قرره الحقوقي والخبير الدستوري الفرنسي ريمون كاريه دو مالبيرغ في كتابه الشهير “مساهمة في النظرية العامة للدولة” (1921) إن الدولة هي “من جهة، صيغةٌ من التنظيم الاجتماعي محددة الإطار الجغرافي، وهي من جهة أخرى، منظومةٌ من المؤسسات تحتكر سن القوانين وممارسة القوة العامة”.
بتعبير آخر إن الدولة هي سبيل من سبل تنظيم الحياة الجماعية في مجتمع معين، أي أنها تنظيم سياسي يكفل حماية القوانين ويعمل على استتباب الأمن وفرض النظام لمجموعةٍ من الناس تجمعهم روابط الجغرافيا والتاريخ والثقافة المشتركة. وقد قال هيغل “إن الدولة هي الفكرة المقدسة التي تعيش فوق الأرض”، و”إن الفرد لا يستمد كل ما له من قيمة إلا بمقدار ما يندمج في النشاط الذي تقوم به الدولة”.
هذا يعني أن الدولة “شخصية” قانونية ذات سيادة، تقوم على وحدةٍ تشريعية ومؤسساتية تمثل الأمة في كليتها، متجاوزةً الأفراد ومتعاليةً عليهم؛ الأمر الذي يفيد أن إرادتها ليست محضَ حاصلٍ جمعي لإرادات الأفراد، بل إرادةٌ نوعية مستقلة. ولئن كانت كياناً قانونياً واحداً، فإنها، بالضرورة، مؤسسة على دستورٍ وقوانين تكفل تماسكها السياسي وانتظامها القانوني.
الشأن العام
غير أن التداول المعاصر لمصطلح “الدولة” حديثُ العهد نسبياً. فهو يقابل في أصله مفهوم κοινωνία πολιτική “الكوينونيا بوليتيكي” اليوناني الذي استخدمه أرسطو، المُراد به الإشارة إلى “الشراكة السياسية في إدارة شؤون المدينة” πόλις أو “المجتمع المدني”، والذي يقابله في اللاتينية مصطلحres publica ، أي “الشأن العام”، أو مصطلح stato الذي وظفه مكيافيلي (1469–1527) في حديثه عن دويلات المدن الإيطالية في القرن السادس عشر.
ففي فرنسا، ظهر لفظ “الدولة” إبان العهد القديم، لكنه دل آنذاك على منزلة الفرد داخل المجتمع، وعلى الوضع السياسي والاجتماعي لبعض الفئات، كرجال الدين والنبلاء والطبقة الثالثة. وتعود هذه الدلالة المشتركة إلى الجذر اللاتيني stare، الذي يفيد معنى الثبات والاستقرار. أما المعنى الحديث للدولة فقد تبلور في عصر النهضة، وهي مرحلة شهدت نقداً جذرياً لنظرية الحق الإلهي التي فسرت نشأة الدولة وشرعية السلطة في النظام الاجتماعي بالدين؛ وقد غذت نماذج المدينة اليونانية والإمبراطورية الرومانية هذا النقد، موجهةً إياه إلى نظام السلطة في العصور الوسطى الذي ظل خاضعاً، إلى حد بعيد، لهيمنة الكنيسة وللتقسيم الإقطاعي للسيادة.
هكذا عرف الفلورنسي ماكيافيلي الدولة بوصفها السلطة المركزية ذات السيادة، وفَصَل الفعل السياسي عن كل اعتبار أخلاقي أو ديني. كما أسهم الإصلاح الإنجيلي في قطع الصلة بين السلطتين الروحية والزمنية، إذ أكد مارتن لوثر الفصل التام بين مملكة الله ومملكة البشر.
في القرن السادس عشر، تنبه الفرنسي جان بودان إلى أن قيام سلطةٍ عامة من شأنه أن يوحد البنية الاجتماعية ويضفي عليها تماسكاً؛ فاعتبر أن الدولة هي موطنَ السيادة ومقرها، وبذلك ميزها عن المجتمع، مانحاً إياها طابعاً نوعياً مستقلاً. ومع القرن الثامن عشر، وفي ظل فلسفة الأنوار، برزت نظريات العقد الاجتماعي مع لوك وهوبس وروسو لتمنح وجود الدولة مشروعيتها؛ إذ إنها، بما توفره من انتظامٍ وضبطٍ للعلاقات، تمثل الانتقال من حالة الطبيعة، حيث “حرب الجميع ضد الجميع” على حد تعبير هوبس، إلى الحالة المدنية أو الاجتماعية التي يغدو فيها الإنسان حراً من خلال خضوعه الإرادي لقانونٍ مشترك، كما في نصوص روسو الذي دافع عن حرية الإنسان كخيار واعٍ ومسؤول، تمكنه من الانتقال من الحرية الطبيعية المطلقة التي تحكمها الغرائز إلى حرية مدنية وأخلاقية منظمة.
يرى روسو أن الإنسان “يولد حراً، ويوجد مقيداً في كل مكان”، وأن العقد الاجتماعي هو الأداة التي تكسر هذه الأغلال، ليس بالعودة إلى الطبيعة، بل ببناء مجتمع سياسي فاضل يعتمد على الإرادة العامة. وقد أسهم تحول الشعب إلى كيانٍ سياسي هو الأمة الحاملة للسيادة في إعادة تشكيل مفهوم الدولة وبإدخاله ضمن أفق المبدأ الديمقراطي.
الدولة – الأمة
ومذ ذاك، غدت الدولة والأمة حقيقتين متلازمتين تلازماً وثيقاً، حتى ترسخ مفهوم “الدولة–الأمة” في القرن التاسع عشر، مبرراً تارةً توحيد بلدان متفرقة، وتارةً أخرى تفكك إمبراطوريات كانت تضم قوميات متعددة. وعلى هذا الأساس، أخذت الدولة تُعرف على نحوٍ متزايد ككيانٍ سياسي ذا سيادة، يقترن بجماعةٍ ثقافية متجانسة نسبياً من حيث اللغة أو الدين.
لكن هذا التصور لمفهوم الدولة لم يسلم من النقد الجذري، لا سيما مع كارل ماركس الذي رأى أن الأمة مسألة ثانوية بالقياس إلى البنى الطبقية الناشئة عن علاقات الإنتاج. فالدولة، في نظره، كيانٌ ينفصل عن المجتمع المدني، ويؤدي في النظام الرأسمالي وظيفة صون علاقات الاستغلال؛ ومن ثم فهي جهازُ قسرٍ وهيمنةٍ مرشحٌ للزوال عقب مرحلةٍ انتقالية تتمثل في “ديكتاتورية البروليتاريا”.
أما في مطلع القرن العشرين، فقد رفض عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر هذه الحتمية الاختزالية، مميزاً بوضوح بين حقل الاقتصاد المتعلق بإشباع الحاجات وحقل السياسة القائم على علاقات السيطرة بين البشر. وفي هذا الإطار، فهم فيبر الدولة كالمؤسسة التي تحتكر ضمن نطاقٍ جغرافي محدد ممارسة العنف المشروع؛ أي إن الأفراد يعترفون بشرعية سلطتها ويذعنون لها، سواء استندت إلى التقليد أو إلى الكاريزما أو كما في المجتمعات الحديثة إلى العقلانية القانونية. بينما رأى أنصار نظرية الصراع الطبقي أن فكرة الأمة تخفي تناقضات المصالح بين الطبقات وفق مواقعها في عملية الإنتاج؛ فالمساواة القانونية داخل الإطار الوطني لا تعدو أن تكون ستاراً يحجب اللامساواة الفعلية بين العمال والرأسماليين. ومن هنا نشأت الحركة الثورية في أفقٍ أممي، ساعيةً إلى إلغاء الطبقات والدولة والأمم ذاتها.
ومن زاويةٍ قانونية، يظل معيار السيادة حجر الزاوية في تعريف الدولة. فهي سلطةٌ عليا مطلقة تتفرع منها سائر السلطات. وبهذا المعنى، تملك الدولة وحدها داخل حدودها “سلطة السلطات”. فإذا تركزت هذه السيادة في جهازٍ مؤسسي واحد، كنا بإزاء دولةٍ موحدة؛ أما إذا توزعت بين كياناتٍ متعددة ضمن إطارٍ اتحادي، فنكون أمام دولةٍ فيدرالية.
وظائف أساسية
وتضطلع الدولة بدورٍ محوري على الساحة الدولية. فهي التي تتكفل بحماية شعبها والدفاع عن أراضيها وتُجري المفاوضات وتُبرم المعاهدات مع غيرها من الدول وتملك القوة المسلحة، فتغدو في آن واحد فاعلاً في القانون الدولي وقوةً سياسية. كما تتسم مؤسساتها بممارسة وظائف سيادية أساسية: داخلياً، عبر سن القوانين وتنفيذها من خلال الشرطة والنظام القضائي؛ وخارجياً، عبر الدبلوماسية والقوة العسكرية. ويقتضي الاضطلاع بهذه الوظائف مواردَ تُستمد من الجماعة الوطنية، أساسها النظام الضريبي.
اليوم، لم يعد دور الدولة في المجتمعات المعاصرة محصوراً في وظائف السيادة التقليدية، بل اتسع ليشمل مجالاتٍ متعددة تتصل بالمصلحة العامة، كالتعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي، وهي مجالات يعجز الأفراد عن تلبيتها منفردين. وبموازاة ذلك، ترسخت الوظيفة التوزيعية للضرائب، وبرز نموذج “دولة الرفاه”، الذي مثل تحولاً نوعياً في طبيعة الدولة؛ إذ لم تعد الدولة مجرد إطارٍ لممارسة السلطة، إنما أضحت عاملَ تماسكٍ اجتماعي وضامناً نسبياً للمساواة بين الأفراد.
وفي السياق الراهن، تواجه الدولة تحديات العولمة. ذلك أن انتشار الشركات المتعددة الجنسيات، والثورة التكنولوجية ووسائط الاتصال، وفي مقدمتها الإنترنت ومنصاتها المختلفة، والتحولات الجيوسياسية، وبروز فاعلين سياسيين خارج الإطار الدولتي، كمنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن الطابع العابر للحدود للأديان والمنظمات الدولية، كلها عوامل تثير تساؤلاتٍ عميقة حول مستقبل الدولة. وليس من المسلم به أن الدولة ستظل، في الآتي من الأيام، مرتبطةً بالحيز الوطني بالقدر نفسه الذي عُرفت به في الماضي. فالدولة المعاصرة لم تعد مجرد كيان جغرافي، بل أصبحت تنظيماً سياسياً وإدارياً يهدف إلى إدارة التوازنات الداخلية والمصالح الخارجية.
