لا تحتاج القامشلي إلى كثير من الوقت كي تبدو مدينة مختلفة. يكفي التجول في أحد شوارعها، أو الجلوس في مقهى من مقاهيها، أو الاستماع إلى أحاديث أهلها، لاكتشاف أن مدينة تبدو حديثة في عمرها تحمل في ذاكرتها طبقات ثقافية وحضارية واجتماعية أقدم بكثير من تاريخ تأسيسها. في أغسطس/ آب 2026، تكمل القامشلي مئة عام على تأسيسها، بعدما تحولت خلال قرن من مدينة حديثة النشأة إلى مركز حضاري وثقافي واقتصادي في الجزيرة السورية، ومدينة تختصر، إلى حد بعيد، تنوع المنطقة وتاريخها المتداخل.
وعلى الرغم من حداثة عمرها، فإن القامشلي نشأت في جغرافية ضاربة في القدم، عرفت حضارات وممالك قديمة من آشور وبلاد الرافدين إلى ماري وتل براك وغيرها من المواقع الأثرية في الجزيرة السورية. ويُظن أن اسمها مرتبط بلفظة “قاميش”، أي القصب، لكثرة استنباته على نهر جغجغ، الذي ينبع من الأراضي التركية ويمر بالمدينة.
تعود لحظة التأسيس الرسمية للقامشلي إلى 20 أغسطس 1926، حين جرى تخطيطها في عهد الانتداب الفرنسي، على يد الملازم أول الفرنسي بيير تيرييه، بالتعاون مع المهندس اليوناني كارالمبوس، في موقع اختير لأهميته الاستراتيجية على نهر جغجغ، وبالقرب من خط سكة حديد حلب – نصيبين، ضمن شبكة سكة حديد بغداد.
ويقول الباحث في التاريخ من أبناء القامشلي، فارس عثمان، لـ”العربي الجديد”، إن المدينة تقف في مئويتها عند محطة فارقة بين استذكار ماضٍ حافل واستشراف مستقبل يحافظ على تنوعها الاجتماعي والإثني وهويتها المعمارية. ويشير عثمان إلى أن القامشلي، التي سكنها الكرد والعرب والأرمن والسريان والآشوريون واليهود وغيرهم، تحولت إلى مدينة “تاريخية” بفضل نشاط سكانها ونموها السريع، رغم أنها ليست تاريخية بالمعنى التقليدي. ففي أقل من ربع قرن، وبحلول عام 1950، أصبحت مدينة مفعمة بالنشاط الاقتصادي والثقافي والعمراني والحضاري. وكان تخطيط شوارعها المتقاطعة سبباً في وصفها بـ”باريس الصغرى”، في وقت كان هذا النوع من التخطيط نادراً في مدن سورية عدة.
وتقول هدى ملكون، الكاتبة والقاصة من القامشلي، لـ”العربي الجديد”: “مدينة بناها أهلها من الصفر دون مساعدة أحد، فتحوا فيها مدارس قبل الكنائس، ثم تلا ذلك تأسيس نوادٍ رياضية وفرقة كشافة ومطابع ومكتبات”. وتضيف ملكون: “مدينة لم تبدأ قرية ثم كبرت، كانت مدينة منذ التأسيس”.
تنوع صنع هوية القامشلي
منذ نشأتها، استقبلت القامشلي سكاناً من خلفيات متعددة، من الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم، إلى جانب المسلمين والمسيحيين بمذاهبهم المختلفة، وكان لليهود أيضاً حضور في تاريخها. في القامشلي يمكن سماع العربية والكردية والسريانية في الشارع نفسه، كما تتجاور المساجد والكنائس والأسواق والمدارس والمقاهي، لتشكل أجزاء من ذاكرة اجتماعية مشتركة. ولا يعني هذا التنوع أن المدينة عاشت دائماً في انسجام كامل. فقد تركت الصراعات السياسية والقومية، ثم الحرب السورية منذ عام 2011، آثاراً عميقة فيها، لكن التعدد ظل إحدى أبرز سمات القامشلي، التي يصعب اختزالها في هوية سياسية أو قومية واحدة.
السينما والريف
للقامشلي حكاية خاصة مع السينما. فدور العرض كانت جزءاً من الذاكرة الاجتماعية لأجيال، ومكاناً يلتقي فيه أبناء المدينة من خلفيات مختلفة. ومع الوقت، ظهرت محاولات محلية لصناعة الأفلام والتوثيق البصري، ووجد فنانون وشبان في السينما وسيلة للتعبير عن الإنسان والمدينة والحرب والذاكرة. وفي مئويتها، تستعيد القامشلي هذا الجانب الثقافي من خلال التحضير لعرض فيلم وثائقي يتناول مراحل تطورها عمرانياً واجتماعياً منذ عام 1926 وحتى اليوم.
أما الوجه الآخر للمدينة فهو الريف. فالقمح والشعير والقطن وغيرها من المحاصيل ليست مجرد منتجات اقتصادية، بل جزء من ذاكرة الجزيرة السورية. وترتبط القامشلي اقتصادياً واجتماعياً بالقرى والبلدات المحيطة بها وبالمواسم الزراعية التي تحدد إيقاع الحياة. وفي مئوية المدينة، جاء مهرجان القمح ليسلط الضوء على هذه العلاقة، من خلال عرض المنتجات المرتبطة بالقمح والمشغولات اليدوية والأدوات التراثية. لكن الجفاف، وتراجع الأمطار، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، فرضت تحديات كبيرة على الزراعة، انعكست على المدينة وريفها معاً.
لا تبدو مئوية القامشلي مجرد احتفال بتاريخ مضى، بل مناسبة لإعادة قراءة مسيرة المدينة وتحولاتها. وتشهد خلال أغسطس فعاليات ثقافية وفنية وتراثية، بينها “مهرجان صيف قامشلو الأول” الذي انطلق في 4 أغسطس في حديقة آزادي، إلى جانب عروض فلكلورية وأمسيات فنية وموسيقية بمشاركة فرق وفنانين من مختلف مكونات المنطقة. كما تعمل لجنة تحضيرية على توثيق مسيرة المدينة خلال قرن، بما يشمل عمرانها وذاكرتها الاجتماعية والثقافية.
وتكتسب هذه الفعاليات أهمية تتجاوز الاحتفال بتاريخ التأسيس، إذ تفتح نقاشاً حول ما تبقى من ذاكرة القامشلي، وما الذي ينبغي الحفاظ عليه في مدينة تغيرت ملامحها بفعل الحرب والهجرة والتحولات الاقتصادية والسياسية. يصعب فصل القامشلي عن السياسة، فموقعها الحدودي، وقربها من تركيا، وتركيبتها السكانية، والقضية الكردية، والحضور العربي والسرياني والآشوري، كل هذا جعلها في قلب التحولات السياسية شمال شرقي سورية، لكن القامشلي أكبر من السياسة التي تتنازعها، فالمدينة التي يمكن أن تكون عنواناً في خبر سياسي عاجل هي نفسها مدينة المدارس والأسواق والمقاهي والمزارعين والأعراس والمهرجانات. أسعار الوقود والكهرباء والمياه والخبز والتعليم قضايا يومية، لكنها تتحول سريعاً إلى قضايا سياسية، فيما ينعكس أي تغير في العلاقة بين دمشق والقوى الموجودة شمال شرقي البلاد مباشرة على سكانها.
مدينة تبحث عن مستقبلها
تملك القامشلي عناصر تجعلها قادرة على أن تكون أكثر من مدينة حدودية، أو مركز إداري لمحافظة الحسكة، فموقعها، وموارد المنطقة الزراعية والنفطية، وتنوع سكانها، وتراكمها الثقافي، كل هذا يمكن أن يجعل منها مركزاً اقتصادياً وثقافياً مهماً شمال شرقي سورية، لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى رؤية تنموية، واستثمارات في البنية التحتية والتعليم والصحة والثقافة، ودعم الزراعة، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق، إلى جانب استعادة دورها الثقافي عبر المسارح ودور السينما والمراكز الثقافية والمتاحف.
فمدينة بهذا التنوع لا تحتاج إلى أن تختار بين مكوناتها، بقدر ما تحتاج إلى تحويل هذا التنوع إلى عنصر قوة. كما أن الحفاظ على هويتها العمرانية وذاكرتها الاجتماعية يصبح أكثر إلحاحاً مع التوسّع العمراني والتغيّرات التي شهدتها خلال العقود الأخيرة. بعد مئة عام على تأسيسها، تبدو القامشلي أمام مفارقة واضحة: مدينة حديثة في عمرها، لكنها تقف على أرض عرفت الاستقرار البشري والحضارات منذ آلاف السنين؛ مدينة تشكّلت هويتها الحديثة من تعدد سكانها، فيما جعلتها السياسة والحرب والهجرة مدينة مختلفة عما كانت عليه في بداياتها.