أشرف الحساني.. ناقد.. اندبندنت عربيةملخص
إن غياب الكتاب السينمائي داخل الساحة الفنية معناه أن وظيفة النقد السينمائي في خطر، بخاصة أننا أصبحنا منذ بداية الألفية الجديدة لا نعاين ندوات عربية أو ملتقيات ترصد تحولات النقد السينمائي وتساير تغيراته وتطوراته وتفكك مفاهيمه ونظرياته وما بات عليه في زمن التواصل الاجتماعي، بعدما أصبح القارئ يطالع كثيراً من الكتابات “الميتا نقدية” التي تقدم رأيها في فيلم سينمائي معين.
يعيش الكتاب السينمائي وضعية مزرية في العالم العربي، إذ على رغم مظاهر الحداثة التي تتباهى بها المؤسسات الفنية ودور النشر العربية، لا تزال طباعة كتاب سينمائي بجودة فنية وأصالة جمالية من الممارسات الغائبة، ذلك أن الكتاب السينمائي يطبع بطريقة عادية كما لو كان رواية أو عملاً شعرياً، مع العلم أن الاختلاف يظل كبيراً وواضحاً حين ننتقل إلى “براديغم” الصورة الفنية ومتخيلها. إن الكتاب السينمائي صناعة فنية ينبغي الاهتمام بها ووضع معالم جمالية لها، بحكم ما يتوافر عليه الكتاب في التقاليد الغربية من صور فوتوغرافية مستلة من مشاهد ولقطات داخل أفلام سينمائية.
وظيفة في خطر
لكن تعامل الناقد مع الفيلم لا يأتي من باب التعريف به والترويج له، فهذا ليس عمل الناقد، لأن فعل الكتابة يصبح مسؤولية فكرية تقوم على تفكيك المفاهيم وتحليل المشاهد وتشريح اللقطات. فقد دفع الإيمان بأن الممارسة النقدية مجرد وسيط ثقافي إلى تأزيم “مهنة النقد”، وأصبح يجري التعامل مع النقاد باعتبارهم أشخاصاً يأتون إلى المهرجانات من أجل الكتابة عن الأفلام وإجراء حوارات مع مخرجين وممثلين وصناع الفن السابع بصورة عامة. وأثر هذا التصور الساذج في قيمة النقد والمؤلفات السينمائية القليلة التي تصدر هنا وهناك، وبطريقة عادية لا تلفت النظر من ناحية المضمون الفكري والأرشيف المعتمد عليه والصناعة الفنية التي يتميز بها الكتاب السينمائي عن باقي أنواع الكتب الأخرى.
إن غياب الكتاب السينمائي داخل الساحة الفنية معناه أن وظيفة النقد السينمائي في خطر، بخاصة أننا أصبحنا منذ بداية الألفية الجديدة لا نعاين ندوات عربية أو ملتقيات ترصد تحولات النقد السينمائي وتساير تغيّراته وتطوراته وتفكك مفاهيمه ونظرياته وما بات عليه في زمن التواصل الاجتماعي، بعدما أصبح القارئ يطالع كثيراً من الكتابات “الميتا نقدية” التي تقدم رأيها في فيلم سينمائي معين، فعلى رغم الأهمية التي تنضح بها بعض الكتابات “الفيسبوكية” فإنه لا يمكن المراهنة عليها واعتبارها نقداً سينمائياً، ما دام خطابها الثقافي لا يستند إلى أفكار ومفاهيم تستمد روحها من العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما يجعلها تبلور خطاباً معرفياً عالماً بسياقاته وعارفاً بمفاهيمه الجمالية. وهو أمر لا ينطبق عليها وحسب، بل حتى على ما نسميه “النقد السينمائي” المنشور في مجلات وصحف، إذ باتت المرحلة تفرض عليه تجديد جسده وضخ دماء جديدة في شرايينه وفي أجزائه المعطوبة كافة، بسبب سيطرة نوع من الخطاب الذي يتأرجح بين الكتابة والصحافة من دون أن ينتمي حقيقة إلى أي فضاء معرفي.
حداثة بصرية معطوبة
إن الكتاب السينمائي النفيس المصنوع ببراعة من ناحية التصميم والورق والغلاف غائب عن العالم العربي، لأنه في نظر النقاد والمؤسسات الناشرة مكلف، بالتالي فهو مجرد بذخ جمالي لا أكثر، في حين أن النقد السينمائي المنشور في كتب لا ينبغي أن يُنشر كنص منفرد بمعزل عن اللقطات والمَشاهد، لأنها تشكل مادته السرمدية الأولى التي ينطلق منها الناقد في التعامل مع الفيلم، حتى لو كان نوع الكتابة عبارة عن سيرة ذاتية تؤرّخ لحياة مخرج أو ممثل. فهذا التزاوج بين النص والصورة يضمر في طياته شرخاً فكرياً وبنيوياً له جذور تاريخية تعود لما قبل العصر الوسيط، ذلك أن هذا العداء للصورة من لدن الثقافة العربية لا يزال قائماً ويجري تصريفه بطرق مختلفة وآليات متباينة في التعامل مع الصورة الفنية، سواء كانت لوحة أو صورة فوتوغرافية داخل كتاب.
لذلك فإن الثقافة العربية في مجملها تتخذ من التقليد ملاذاً لها، فهي مبنية على أسس خطابية تمجيدية، وعلى رغم خروجها من مرحلة الشفاهة، باعتبارها نسقاً له سياقه التاريخي ومحدداته الفكرية، لم تستوعب بعد زمن الصورة الذي تعيش فيه، فلا غرابة أن تكون الصورة بمختلف ألوانها الفوتوغرافية والسينمائية والفنية والتلفزيونية من المجالات التي نادراً ما يعثر فيها القارئ على كتاب داخل البيئة العربية المعاصرة.
من ثم يشكل غياب الكتاب السينمائي (النفيس) امتداداً حقيقياً لواقع ثقافة تقليدية لا تؤمن بالتجديد ولا حتى بأن تضع الممارسات الفنية في سياقها الصحيح. وتأتي قيمة الكتاب السينمائي من أن الثقافة العربية ستؤمن بموجبه بـ”النقد السينمائي” وتدعمه وتفتح للنقاد جوائز مهمة داخل مهرجانات سينمائية مثل أي صانع أو عامل في مجال الصورة السينمائية كالمخرج والسيناريست والمونتير والممثل.
وهذه الجوائز تعطي للنقد استمراريته الثقافية، وتجعل الناس تؤمن بقيمته الفكرية وما يمارسه من أثر واضح على سيرة المشاهد. لذا فإن الاهتمام بالكتاب هو في حد ذاته احتفاء بالممارسة النقدية وفتح مساحات ثقافية شاسعة على مستوى الكتابة والتفكير والتأمل، حتى يعثر النقد السينمائي العربي على حلمه الضائع من فرط الانشغال بالصحافة ومداراتها اليومية اللامتناهية.
إن وظيفة الكتاب السينمائي ليست تجميع مقالات أو دراسات فقط، بل يساعد الناقد في العمل على توسيع مداركه المعرفية وتأصيل كتاباته وتعميقها، انطلاقاً من استحضار مفاهيم من علوم أخرى ومحاولة تذويبها داخل الخطاب السينمائي، لأن المعارف والمفاهيم هي التي تفتح للخطاب النقدي أفقاً مغايراً يخرج فيه من كل كلمة انطباعية أو تحليل يحتكم إلى الأهواء ويقيم الحدود والسياجات لكل ما هو معرفي.
لكن مشاريع كهذه تحتاج إلى رعاية مؤسساتية ليجد الكتاب السينمائي العربي طريقه إلى الجمهور، من خلال تكفل مؤسسات معينة بطبع هذه الكتب، وتدخّل أخرى لدعمها كنوع من التشجيع المادي لخفض سعرها المرتفع، حتى تصبح هذه الممارسة بمثابة تقليد نحصنه ونمارسه بوعي فكري أكبر، بخاصة أن اللحظة التي نعيشها اليوم، والتبدلات اليومية التي يعيشها المجال البصري، تفرض على المؤسسات الناشرة ضرورة الشروع في إصدار هذه الكتب السينمائية، وبمعايير عالية وطباعة راقية تستجيب لمجال الفن السابع.
صناعة هشة
ويتميز الكتاب السينمائي بجودة الطباعة وأناقة التصميم، ذلك أن الشكل يبقى مهماً إلى جانب الموضوع، فهناك كتب تُباع وتفتن عين القارئ لأنها تتميز بأشكال مختلفة من ناحية التصميم، لكن الكتاب السينمائي ينبغي أن يحرص على الموازنة بين جماليات الشكل وأصالة الموضوع، فلهذا الأخير قيمته الفكرية حتى لا يتحول الكتاب إلى أشبه بـ”كتالوغ” تغمره الصور الفوتوغرافية المستلة من الأفلام، من دون محتوى معرفي أصيل. ففي الثقافة الغربية تصدر سنوياً عشرات الكتب السينمائية التي يكتبها نقاد السينما، وتحرص المؤسسات على نشرها بمعايير دولية وتصاميم فنية أصيلة، إيماناً منها بأن هذا النوع من الكتب يدخل ضمن تقاليد غربية قديمة لها علاقة بنشر الكتب النفيسة. فتكون هذه الكتب في نسخ محدودة وتوجه إلى مؤسسات كبرى وتمنح كهدايا، بخاصة إذا كان الكتاب يتضمن حوارات مع مخرج سينمائي مشهور، فحينها يتحول الكتاب بتوقيع المخرج إلى وثيقة بصرية بالغة الأهمية.
هذا التقليد يزيد من الوعي بمكانة الفن السابع داخل أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، مما يجعل مؤسسات النشر تولي أهمية للصناعة الفنية للكتاب، ولا سيما حين يتعلق بالأمر بالكتاب السينمائي الذي يفرض عليهم ضرورة بذل مجهود أكبر من ناحية الورق والتصميم والحصول على صور حول مشاهد ولقطات ذات علاقة بالخطاب النقدي الذي يبلوره الناقد داخل الكتاب.
لكن في مقابل هذا الإرث الفني الغربي، تبرز صناعة الكتاب السينمائي في العالم العربي مهملة ويتيمة، ويبدو معها الناقد غريباً عن ثقافته وبيئته، فهو لم يعُد مدعواً إلى المهرجانات السينمائية لأن الجمهور يريد مشاهدة الأفلام ولا يريد أن يقرأ عنها مقالات ودراسات وتعليقات. وعلى رغم حرص مهرجانات سينمائية داخل مصر على التشبث بفكرة الكتاب السينمائي، وعملها الدؤوب في كل دورة على إصدار مؤلفات سينمائية حول مخرجين مصريين، فإن سؤال الصناعة الفنية يظل حاضراً ومطروحاً، فهي كتب مطبوعة بطريقة تقليدية، وأحياناً لا تصل حتى إلى مستوى الطبع العادي، خلافاً لما يتطلبه هذا النوع من عناية أصيلة.