واضح أنّ حكومة نتنياهو، اليمينية المتشدّدة، أخلّت بشكل فاضح بالمعادلة الاستراتيجية التي كانت تضبط الحدود والصلاحيات بين الولايات المتحدة وإسرائيل في ميدان استراتيجيات التعامل، واستخدام العنف بصورة استباقية بذريعة مقتضيات أمن إسرائيل، مع دول الطوق ودول الإقليم بصورة عامّة. وقد بلغ هذا الإخلال مستوىً حادّاً، لم يعد التستّر عليه (أو القبول به) ممكناً من الإدارة الأميركية. وهذا ما انعكس في ردِّ نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، الصريح والمباشر على مواقف أعضاء في حكومة نتنياهو انتقدوا الموقف الأميركي، والرئيس دونالد ترامب شخصياً، بسبب مذكّرة التفاهم التي وقّعها ترامب مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لإنهاء حرب الخليج الرابعة، شرط التزام النظام الإيراني بشروط الاتفاق التي تشمل الملفّ النووي.
وقد بلغ الأمر بأولئك المسؤولين الإسرائيليين حدّ التصريح العلني بأنّهم ليسوا تابعين للولايات المتحدة، وأنّ في إمكانهم الاعتماد على أنفسهم لتحقيق أهدافهم في إيران، وهو الأمر الذي دفع بفانس إلى أن يذكّرهم بحجم إسرائيل، وعزلتها الدولية، وحاجتها المستمرّة إلى السلاح والدعم الأميركيين للمحافظة على وجودها. فقد كان التوافق بين الحليفين الاستراتيجيين (الولايات المتحدة وإسرائيل) ينصّ، في عهد الحكومات الإسرائيلية التي سبقت حكومة نتنياهو، على إعطاء إسرائيل حرّية الحركة، والتصرّف والاشتراك في اتخاذ القرارات الخاصّة بدول الجوار المتاخمة لها بصورة مباشرة؛ في حين تبقى الكلمة الأخيرة في المسائل ذات العلاقة بكيفية التعامل مع القوى الإقليمية، وضبط الأوضاع ضمن الإقليم، من صلاحيات الولايات المتحدة، وذلك في سياق استراتيجياتها الخاصّة بالتعامل مع مختلف القوى الدولية المهتمّة بالمنطقة، ولديها علاقات مع دولها. ويُشار هنا بصورة أساسية إلى الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي.
تمكن نتنياهو من إقناع ترامب بفكرة أولوية التخلّص من النظام الإيراني لتجنّب مخاطره، ومخاطر أذرعه في دول المنطقة على إسرائيل
فالحرب على غزّة تحت شعار ضرورة التخلّص من “حماس” كانت بموجب حسابات إسرائيلية ودعم أميركي، وكذلك هي الحرب على حزب الله بعد إعلانه من لبنان الحرب على إسرائيل لمساندة “حماس” بناء على التعليمات الإيرانية. كما أنّ التحوّل الكبير الذي تمّ في سورية، وتجسّد في هروب بشّار الأسد (أو تهريبه)، ومجيء الإدارة السورية الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام، ما كان له أن يتم لولا التوافق الدولي الإقليمي، وبموافقة إسرائيل مقابل شروط معيّنة تتضح ملامحها مع الوقت.
ويبدو أنّ نتنياهو قد تمكّن من إقناع ترامب بفكرة أولوية التخلّص من النظام الإيراني لتجنّب مخاطره، ومخاطر أذرعه في دول المنطقة على إسرائيل. أمّا بالنسبة إلى موضوع إضعاف دول المنطقة وزعزعة استقرارها، فهو أمر لا يثير قلق حكومة نتنياهو المتطرّفة، بل يخدم حساباتها واستراتيجياتها الخاصّة بالمنطقة. وهذا ما تباهى به نتنياهو كثيراً، وأعلن في مختلف المناسبات أنّه قد تمكّن من تغيير الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي اعتبرته المؤسّسات الأميركية الاستراتيجية تجاوزاً لحدود المسموح به لإسرائيل. وهذا ما أشار إليه جي دي فانس في ردّه على بعض المسؤولين الإسرائيليين، وذكّرهم بأنّهم يريدون فوضى ودولاً فاشلة من إيران إلى ليبيا، وهو الأمر الذي لا يتوافق مع الحسابات الأميركية في أجواء التنافس المحموم مع الصين في مختلف الأماكن والميادين.
وقد أسهم نتنياهو، الذي استغلّ “7 أكتوبر” (2023)، للمضي في مشروعه القديم الجديد المتمثّل في مساعي إلغاء فكرة حلّ الدولتين، في توتير الأجواء بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع أنّ العلاقات بينهما كانت قد تأثّرت سلباً بقرارات وسياسات الرئيس الأميركي في فترة إدارته الأولى. فأوروبا اتخذت موقف الصمت بضغط من الجانب الأميركي، في بداية الأمر، تجاه الانتهاكات الإسرائيلية في غزّة، بل اتخذت إجراءاتٍ وتدابيرَ لمنع المنتقدين من التعبير عن آرائهم بحرّية، على الرغم من التناقض الصارخ لتلك الإجراءات مع القيم والمعايير الأوروبية الديمقراطية، والمواثيق الدولية التي تلتزمها دول الاتحاد الأوروبي. ولكنّ الدول الأوروبية تراجعت عن إجراءاتها الداعمة لسياسات نتنياهو تحت وطأة ضغوط الرأي العام، الأمر الذي أدّى إلى اتّساع الشرخ بين الموقفين، الأوروبي، من جهة، والأميركي الإسرائيلي من جهة ثانية، لا سيّما بعد حملة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، والأنشطة الأممية التي كانت برعاية فرنسية سعودية لتفعيل موضوع حلّ الدولتَين الذي أقرّته الأمم المتحدة.
أمّا تفسير التحوّل في الموقف الأميركي من حكومة نتنياهو فهو يتجسّد، على الأرجح، في إدراك الدوائر الاستراتيجية الأميركية خطورة الاستمرار في سياسة تجاهل الموقف الدولي بصورة عامّة، وموقف الاتحاد الأوروبي على وجه التحديد. كما أنّ تصاعد الانتقاد العلني للموقف الإسرائيلي من قضية الشعب الفلسطيني ضمن الأوساط الطلابية والشعبية والإعلامية في مختلف الدول الأوروبية، وحتّى في الولايات المتحدة نفسها، على الرغم من جهود اللوبيات الداعمة لسياسات حكومة نتنياهو، بالإضافة إلى الحسابات الأميركية الداخلية، وتذمّر دول الخليج وتركيا وباكستان، وهي جميعها من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة… هذه العوامل كلّها، وغيرها، دفعت الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في مسألة دعمها اللامحدود لحكومة نتنياهو. وهذا ما أفصحت عنه بوضوح تصريحات جي دي فانس التي كانت ردّاً على المواقف السالبة المشكّكة من بعض أعضاء حكومة نتنياهو من مذكّرة التفاهم الأميركية الإيرانية. ولكن، ما الخطوة التالية بعد هذه المذكّرة الإشكالية التي تثير كثيراً من التساؤلات والهواجس لدى مختلف الأطراف، وهي تتضمّن كثيراً ممّا لم يُتفاهم عليه بين الطرفَين المعنيَّين؟
اليوم، تطالب الولايات المتحدة النظام الإيراني بتغيير سلوكه، لتتحوّل إيران إلى دولة إقليمية هامّة مندمجة بصورة طبيعية مع جوارها الإقليمي، وفحوى ذلك أن يتخلّى النظام المقصود عن سياسة التدخّل في شؤون الجوار بصورة مباشرة أو عبر الأذرع والخلايا النائمة. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: أيّ مركز من مراكز القوى في النظام الإيراني يستطيع القيام بهذه المهمة؟ هل يستطيع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وفريقه التزام هذا التوجّه، أم إنّ الأقطاب الجدد في الحرس الثوري المتدثّرين بعباءة المرشد الجديد، الذي لا يُرى ولا يُسمع، هم الذين سيتكفّلون بهذه المهمّة لضمان بقائهم في السلطة؟ هل سيتخلّى النظام الإيراني عن أذرعه العراقية، ويقتنع بأنّ تدخّلاته الفظّة في الشؤون العراقية الداخلية السيادية بدأت تثير امتعاض المجتمع الشيعي العراقي نفسه الذي بدأت الأصوات ترتفع فيه مطالبةً بضرورة وضع حدّ لفساد وتجاوزات قيادات المليشيات التي تستقوي بالراعي الإيراني، وتتصرّف بناءً على تعليماته مقابل ما تحظى به من امتيازات غير مشروعة؟
ولكن في جميع الأحوال، سواء اقتنع النظام الإيراني أم لم يقتنع، يبدو أنّ تحوّلاً تدريجياً يجري في العراق في اتجاه العلاقة مع النظام الإيراني، وذلك تحت وطأة تصاعد التذمّر الشعبي من التدخّلات الإيرانية، وتزايد الضغوط الأميركية. ولعلّ القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أخيراً، بخصوص التعيينات الجديدة لقادة الأجهزة الأمنية، تلقي الضوء على جانب من جوانب هذا التحوّل. هل سيقتنع النظام الإيراني بعد 45 عاماً بأنّ سياسته في ميدان تبنّي حزب الله، واتخاذه رأس حربة يقاتل لصالح مشاريع نظام ولي الفقيه التوسّعية، لم تعد مجديةً؟ وأنّ شعارات “المقاومة والممانعة” والمتاجرة بالموضوع الفلسطيني وتحرير القدس قد فقدت ألقها الدعائي وسحرها التضليلي وسبّبت دمار لبنان ومأساة أهله، خاصّة الشيعة؟ أم سيظلّ هذا النظام يمارس تقيّته المعهودة، ويستمرّ في دعمه لحزب الله الذي يفكّر ترامب في تسليم ملفّ لجمه أو ضبطه للإدارة السورية الانتقالية، بموجب تصريحات الرئيس الأميركي المتكرّرة، وآخرها تلك التي كانت في لقاء السبعة الكبار في فرنسا؟
لن تتمكّن الولايات المتحدة من الاستمرار في الدعم اللامشروط لإسرائيل في أجواء تبلور نظام دولي متعدّد المراكز
إذا كان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيسه جادَّين في الدعوة إلى ضرورة وضع حدّ للفوضى في المنطقة، وضمان أمنها واستقرارها، ومساعدة دولها وتشجيعها على بناء علاقات طبيعية مع شعوبها وجيرانها، فالمنطق السليم يستوجب معالجة الموضوع الفلسطيني وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. فمحنة الشعب الفلسطيني هي السبب الأساس لعدم استقرار المنطقة، ومعالجتها ستكون لمصلحة الجميع بما في ذلك إسرائيل نفسها. وما يدعم هذا الأمر هو أنّ حقائق ووقائع الديموغرافيا والجغرافيا، وانتشار التكنولوجيا العصرية في زمن العولمة والذكاء الاصطناعي، والإمكانات المادّية، تؤكّد أنّ اعتماد إسرائيل على القوّة العسكرية وسيلةً لفرض هيمنتها الإقليمية أمر لم يعد له مستقبل مضمون في المدى المنظور، ناهيك عن المدى البعيد. فالقوى الإقليمية الكُبرى لن تسمح بأن تكون مجرّد صدى للصوت الإسرائيلي المرتفع، ولن تتمكّن الولايات المتحدة نفسها، على الرغم من كلّ إمكاناتها، من الاستمرار في سياسة الدعم اللامشروط لإسرائيل في أجواء تبلور نظام دولي جديد متعدّد المراكز. ولعلّ هذا ما يُستنتج من مشاركة بعض دول الإقليم (السعودية، قطر، تركيا، باكستان) في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، وربّما في أماكن أخرى، بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي بشأن القضايا الخلافية، وهي قضايا تمسّ مستقبل دول الإقليم بصورة جوهرية.
ويبقى الهمّ السوري هو الذي يشغلنا نحن السوريين أكثر من غيره: هل ستلبّي الحكومة السورية المؤقّتة رغبة ترامب وتتدخّل في لبنان، ونحن نعلم أكثر من غيرنا ما معنى التدخّل في لبنان، وما هي انعكاساته السالبة (الكارثية) على مصير العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني؟ مع ضرورة الإشارة هنا إلى أنّ التدخّل الذي يطالب به ترامب ستكون له تبعات طائفية بغيضة، تُضاف إلى تلك التي سبّبها النظام الإيراني عبر استخدامه الخطاب الطائفي 47 عاماً أداةً تجييشية لتسويق مشروعه التوسّعي.
سورية اليوم ليست على ما يرام. هذا ليس سرّاً نفصح عنه، وإنّما إقرار بمرارة واقع أليم يعيشه السوريون يومياً. سورية في حاجة إلى توافق وطني مجتمعي وطني وسلم أهلي، وإلى شفافية من جانب الإدارة المؤقّتة في التعامل مع السوريين، وضمان الضروري على الأقلّ من مقوّمات العيش الكريم للمواطنين، والإقرار بحقّ سائر السوريين في إبداء الرأي، والمشاركة في مناقشة القضايا واتخاذ القرارات التي تحدّد مصيرهم ومصير أجيالهم المقبلة.