
مشهد جزائري عشية الهجرة (من الكتاب – المؤسسة العربية)
درجت العادة أن يقرأ الباحثون والمؤرخون العرب كتباً عن هجرة الجزائريين إلى فرنسا إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر وعقب حرب التحرير التي كانت كلفتها البشرية باهظة جداً. وامتلأت المكتبة الفرنسية والجزائرية بمئات الكتب التاريخية والسياسية والسوسيو- ثقافية التي تناولت تاريخ الاستعمار والحرب، ولا تزال قضية الجزائر تشغل حتى اليوم البحاثة الفرنسيين، فينكبون عليها دراسة وبحثاً وتمحيصاً ويصدرون الكتب دورياً. أما هجرة الجزائريين إلى بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) التي حصلت بالتتالي بين أواسط القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، فظلت وقفاً على بعض المؤرخين ولم يجرِ تناولها بصورة واسعة وعميقة.
في هذا السياق يصدر كتاب “المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام: شواهد من الأرشيف العثماني 1836-1920” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2026، 360 صفحة من القطع الكبير)، للباحث الأكاديمي الدكتور عبدالله صلاح مغربي، ليملأ فراغاً في المكتبة التاريخية العربية، إزاء هجرة الجزائريين إلى بلاد الشام. ويكتسب الكتاب قيمة مضاعفة، فهو عطفاً على فرادة موضوعه، يعتمد شواهد الأرشيف العثماني الذي يُعد من عيون المصادر التاريخية، مما يعني أن الباحث بذل جهداً كبيراً للجمع بين التأريخ والتوثيق، وأرفق النص بصور ووثائق مرجعية عدة، يبلغ عددها 303، تشهد على الأحداث والوقائع. ولم يكتف المؤلف بنشر هذه الوثائق، بل عمد إلى تحليل مضامينها وربطها ببيئتها التاريخية، موظفاً إياها لإعادة بناء صورة تاريخية متكاملة للهجرة الجزائرية، كما يشير الدكتور محمد هاشم غوشة في مقدمته للكتاب.
ليس الكتاب مجرد دراسة عن حركة انتقال سكاني بين الجزائر والمشرق، بل هو يعيد بناء مشهد متكامل من التاريخ العربي الحديث، ظلّ طويلاً، في منأى عن دائرة الاهتمام الخاص والعام. فمن خلال مئات الوثائق العثمانية، يتتبّع المؤلف مسارات الجزائريين الذين غادروا وطنهم تحت ضغط الاحتلال الفرنسي، ويرصد رحلتهم من المقاومة والنفي، إلى الاستقرار والاندماج في مجتمعات بلاد الشام.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه يربط الهجرة الجزائرية بالسياق السياسي والاجتماعي الذي أنتجها. فالجزائريون لم يتجهوا إلى المشرق بحثاً عن فرص اقتصادية وحسب، بل فراراً من واقع استعماري شرع يهدم البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلادهم. وكانت الولايات العثمانية، بالنسبة إلى كثير منهم، امتداداً لفضائهم الديني والثقافي، وملاذاً يمكنهم نداخله الحفاظ على هويتهم وإعادة تأسيس حياتهم.
المجال العثماني
يبدأ المؤلف من الجزائر قبل الاحتلال، مستعيداً موقعها الاستراتيجي في البحر الأبيض المتوسط، ومكانتها ضمن المجال العثماني، إذ امتلكت قوة بحرية أدّت دوراً مهماً في حماية السواحل وتأمين الملاحة، وأقامت شبكة واسعة من العلاقات الدولية. ومن أبرز الشواهد على حضورها السياسي توقيعها معاهدة سلام مع الولايات المتحدة عام 1795.
لكن الغزو الفرنسي عام 1830 دشّن مرحلة مختلفة جذرياً، فشرعت سلطات الاحتلال في مصادرة الأراضي الزراعية وتفكيك البنى التقليدية للمجتمع وملاحقة القيادات المحلية وقمع المقاومات المتعاقبة. ومع اتساع دائرة العنف والاستيلاء على الممتلكات، تحولت الهجرة إلى أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام عائلات كثيرة.
هكذا يضع الكتاب، الهجرة في علاقتها المباشرة بالمقاومة، فكلما اشتد القمع الفرنسي أو أُخمدت ثورة، ظهرت موجة جديدة من النازحين نحو المشرق. وهكذا لا تبدو الهجرة حدثاً منفصلاً عن التاريخ الجزائري خلال القرن الـ19، بل امتداداً لمعركة المجتمع في مواجهة الاحتلال.
رمزية الأمير عبدالقادر
يحتل الأمير عبدالقادر الجزائري موقعاً أساساً في هذه السردية. ويتتبّع الكتاب مسيرته منذ قيادته المقاومة ضد الجيش الفرنسي، مروراً بأسره ونفيه، وصولاً إلى استقراره في دمشق عام 1855. في المدينة، لم يبقَ الأمير شخصية سياسية منفية، بل أصبح مرجعية علمية ودينية واجتماعية. واكتسب حضوراً بارزاً بصفته رجل دولة ومصلحاً، قبل أن يرسخ مكانته التاريخية خلال أحداث دمشق عام 1860، حين تدخل لحماية آلاف المدنيين من ضحايا الفتنة الطائفية.
يستعرض الباحث أدوار شخصيات أخرى ارتبطت بالمقاومة والهجرة، من بينها أحمد بن الطيب بن سالم الدبيسي الذي شارك في مواجهة القوات الفرنسية قبل استسلامه وانتقاله إلى بلاد الشام عام 1847. ويتوقف أيضاً عند ثورة الشيخ محمد المقراني عام 1871، وهي من أكبر الانتفاضات ضد الاحتلال، وقد أعقب قمعها، استيلاء واسع على الأراضي وموجة جديدة من النزوح. ولا تغيب التجارب الفردية عن الكتاب البحثي، ففي عريضة تعود لعام 1854، طلبت نفيسة خاتون، السماح لها بالعودة للجزائر. وتمنح هذه الوثيقة صوتاً شخصياً لتجربة المنفى، بما حملته من حنين ومشقة وأمل مستمر في الرجوع إلى الوطن.
هجرة واستقبال
سلك المهاجرون طرقاً متعددة للوصول إلى بلاد الشام. تحرك بعضهم براً عبر تونس وليبيا ومصر، فيما اختار آخرون البحر، فوصلوا إلى الإسكندرية أو بيروت أو عكا، ومنها تابعوا طريقهم إلى أماكن الاستقرار التي خصصتها لهم الإدارة العثمانية.
وتكشف الوثائق عن أن الدولة العثمانية لم تتعامل معهم باعتبارهم وافدين موقتين، بل بوصفهم رعايا مسلمين أجبرهم الاحتلال الفرنسي على مغادرة بلادهم. لذلك لم تقتصر سياستها على استقبالهم وتوزيعهم، وإنما سعت إلى تأمين شروط استقرارهم وإدماجهم.
ومن الخطوات الدالة على ذلك تعيين موسى أفندي الجزائري وكيلاً عن المهاجرين الجزائريين في إسطنبول عام 1845، ليتولى نقل مطالبهم ومتابعة قضاياهم لدى السلطة المركزية. ويظهر هذا الإجراء أن ملف الهجرة الجزائرية حظي باهتمام إداري مبكر ومنظم. وساعدت الدولة الوافدين من خلال توزيع الأراضي الزراعية وتقديم الإعانات المالية والعينية وتوفير البذور وأدوات العمل، فضلاً عن إعفاءات ضريبية وعسكرية أتاحت للعائلات فرصة تأسيس حياة جديدة والدخول في الإنتاج.
انتشار واسع في فلسطين وبلاد الشام
كانت فلسطين من أهم مناطق استقرار الجزائريين، ويرسم الكتاب خريطة دقيقة لوجودهم في صفد وحيفا وطبريا وعكا، وفي قرى عدة، من بينها عولم وبيريا وشعارة وتليل والحسينية وعموقة وديشوم وماروس وسمخ وهوشة ومعذر. وامتد حضورهم إلى دمشق وحماة والكرك، ووصلت بعض العائلات إلى جزيرة رودس. وتكشف هذه الخريطة عن انتشار أوسع مما توحي به الدراسات التاريخية المتداولة، وإن بقي أثره حاضراً في أسماء العائلات والذاكرة المحلية.
واعتمد المهاجرون بصورة أساسية على الزراعة، ولا سيما زراعة الحبوب والزيتون وتربية المواشي، وشاركوا كذلك في النشاط التجاري. وأسهموا في الحياة العلمية والدينية من خلال المساجد والزوايا. ونجم عن هذا، نمط من الاندماج حافظوا فيه على بعض تقاليدهم وخصوصيتهم الجزائرية، بالتوازي مع دخولهم في مجتمعاتهم الجديدة.
ويولي المؤلف اهتماماً خاصاً للوضع القانوني للمهاجرين، إذ حرصت الإدارة العثمانية على تسجيلهم في دفاتر النفوس والسجلات الرسمية، ومنحهم الجنسية العثمانية بعد تخليهم عن أية تبعية أجنبية، وعملت أيضاً على تسوية أوضاع الذين فقدوا وثائقهم وإصدار أوراق تثبت هويتهم. لكن هذه الإجراءات تحولت إلى موضوع نزاع سياسي ودبلوماسي مع فرنسا التي أصرت على اعتبار الجزائريين رعايا فرنسيين حتى بعد هجرتهم. وفي المقابل، تمسك معظمهم بالانتماء إلى الدولة العثمانية التي واجهت بدورها ضغوطاً من لدن القناصل الفرنسيين في بيروت والقدس وغيرهما.
وامتدت التعقيدات القانونية إلى أوضاع النساء والعائلات المختلطة، وأصبحت القضية جزءاً من المفاوضات بين إسطنبول وباريس، بل ارتبطت أحياناً بالنقاش حول حقوق المسلمين الذين بقوا داخل الجزائر.
أما في ما يتعلق بالخدمة العسكرية، فمُنح المهاجرون إعفاءات امتدت في بعض الحالات إلى 20 عاماً. وبعد انقضاء مدة الإعفاء، خضعوا لقوانين التجنيد العثمانية، في دلالة إلى تحولهم من جماعات وافدة تحظى بالرعاية، إلى رعايا يتمتعون بالحقوق ويتحملون الواجبات نفسها.
مئات الوثائق العثمانية
يشكل القسم الوثائقي العمود الفقري للكتاب، فجمع المؤلف مئات الوثائق العثمانية المتفرقة، من أوامر سلطانية ومراسلات إدارية وعرائض فردية وتقارير مالية، إلى سجلات توزيع الأراضي وبناء المساكن وتنظيم النفوس وتسوية النزاعات العقارية. ولا يتعامل المؤلف مع هذه المواد باعتبارها ملحقاً توثيقياً، بل يجعلها أساساً للسرد والتحليل. ومن خلال الربط بينها، يكشف عن طريقة عمل الإدارة العثمانية وأولوياتها، مستعيداً التجربة اليومية للمهاجرين بلغتهم ومطالبهم ومشكلاتهم.
وتلقي بعض الوثائق ضوءاً على قضايا تتجاوز شؤون الجالية نفسها مثل محاولات حماية الأراضي التي سكنها الجزائريون، ولا سيما في محيط بحيرة الحولة، ومنع انتقال ملكيتها إلى جهات أجنبية مع ظهور النشاط الاستيطاني في فلسطين. وتظهر مراسلات تتعلق بالأمير علي بن الأمير عبدالقادر، تعود لعامي 1911 و1913، استمرار المنازعات العقارية داخل العائلات الجزائرية، مما يكشف عن أن أبناء المهاجرين تجاوزوا بحلول تلك المرحلة، هاجس تأمين المأوى، وأصبحوا منشغلين بإدارة ممتلكاتهم والدفاع عن حقوقهم القانونية.
الهوية والإشكالات
وتمتد الدراسة إلى سنوات الحرب العالمية الأولى، وتتابع استمرار الإشكالات القانونية المتعلقة بالهوية حتى عام 1919. وترصد تأسيس جمعية المهاجرين الأفارقة في بيروت عام 1914، في تحول يعكس انتقال الجالية من الاعتماد الكامل على رعاية الدولة إلى تنظيم مصالحها وبناء مؤسساتها الأهلية.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تبدو تجربة الجزائريين في بلاد الشام مجرد قصة لجوء أو اقتلاع، بل تجربة بناء ومشاركة اجتماعية واقتصادية، إذ أسهموا في الزراعة والتجارة والحياة الدينية والعلمية، وأصبحوا جزءاً من نسيج المنطقة، من دون أن يفقدوا صلتهم بذاكرتهم وهويتهم الأصلية.
ويجمع كتاب الدكتور عبدالله صلاح مغربي مسارات تاريخية متباعدة ضمن رواية واحدة، الاحتلال الفرنسي للجزائر والمقاومة والهجرة إلى المشرق والسياسة العثمانية والتحولات الاجتماعية والقانونية في بلاد الشام وفلسطين. وبفضل اعتماده على مصادر أولية غنية، فهو يقدّم مرجعاً مهماً يعيد الاعتبار لواحدة من أبرز حركات الهجرة العربية في العصر الحديث، ويكشف عن أن تاريخ الجزائريين في المشرق كان، في الوقت نفسه، تاريخ اقتلاع ومقاومة واستقرار وانتماء جديد.
“منفى الجزائريين في المشرق ” كتاب بالفرنسية
وفي موازاة صدور الكتاب العربي، صدر للباحث عبدالله صلاح مغربي كتاب آخر بالفرنسية عن “دار لارماتان” (باريس 2026) يدور في المجال نفسه، عنوانه “منفى الجزائريين في المشرق: تاريخ عائلة مغربي بين الهجرة والذاكرة والهوية الممحوة”، وقد ترجمته عن الإنجليزية عقيلة دبيشي. ويكشف هذا الكتاب أيضاً عن جانب شبه منسي من التاريخ، هو هجرة جزائريين خلال القرن الـ19، عقب الاحتلال الفرنسي، إلى فلسطين وسوريا ولبنان والأردن.
لكن الباحث ينطلق في هذا الكتاب الذي كتبه اصلا بالعربية بعنوان “من جرجرة إلى الكرمل: تجربة عائلة عبد الرحمن مغربي في الهجرة والهوية”، من تاريخ عائلته التي انتقلت من الجزائر إلى فلسطين ثم لجأت إلى لبنان بعد نكبة عام 1948، ليقدّم من خلاله تاريخاً أوسع لآلاف العائلات الجزائرية التي عانت الاستعمار ونزع الملكية والتهجير. وهكذا تتحول السيرة العائلية إلى مدخل لفهم الروابط التاريخية بين الجزائر والمشرق، بعيداً من النظرة التقليدية التي حصرت الهجرة الجزائرية في اتجاه فرنسا.
ويعتمد الكتاب على بحث دقيق يجمع بين الذاكرة الشفوية والوثائق العائلية والأرشيفات الفرنسية والبريطانية والعثمانية والعربية، إضافة إلى السجلات القنصلية والدينية والعقارية. ومن خلال مقارنة هذه المصادر المتفرقة، يعيد المؤلف بناء حياة الجزائريين في مدن مثل حيفا وعكا والقدس ودمشق وبيروت وصيدا وعمان، ويكشف عن أنشطتهم التجارية والاجتماعية وعلاقاتهم العائلية وطرق اندماجهم في المجتمعات المحلية.
وتكمن أهمية الكتاب أولاً في استعادة تاريخ عائلة مغربي، ثم في إنقاذ ذاكرة جماعية كادت أن تختفي بسبب تبدّل الدول والحدود والأنظمة القانونية واللغات. ويدعو الكتاب إلى النظر إلى المتوسط على أنه فضاء مترابط من الهجرات والمنفى والمقاومة والذاكرة المشتركة، لا مجموعة من التواريخ الوطنية المنفصلة.
وقد يشكل هذا الكتاب، مثل الكتاب السابق، مرجعاً أساساً في تاريخ الجزائر والمشرق وفلسطين والهجرات المتوسطية.
ومثل هذين الكتابين تحتاج إليهما المكتبة الجزائرية والعربية والفرنسية والمتوسطية، كي تملأ فراغاً في الدراسات التاريخية والجغرافية والسوسيو- ثقافية التي يحتاج إليها المؤرخون والباحثون في شؤون الاستعمار والهجرات والإثنيات. وتبرز أهميته الإضافية كما يقول المؤلف في مقدمته، في كونه يقدم عبر وثائق غير منشورة، رؤية إلى الهجرة الجزائرية إلى بلاد الشام، ليس باعتبارها مجرد انتقال جغرافي أو حدث عارض، بل كجزء من التاريخ العربي العثماني المشترك، وكحلقة وصل بين تجربة الجزائر في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وتجربة بلاد الشام في مواجهة الأطماع الاستعمارية.
