تسعون عامًا مرت على إعدام لوركا وها هي مدريد تعيده إليها حيًّا كما هي قصائده، مدهشًا كما هي مسرحياته، ها هي شوارع وساحات مدريد تتقمص لوركا في مساء 17 آب/ أغسطس بعد تسعين عامًا على إعدامه، وهكذا يصبح لوركا في مدريد ليس “شهيدًا” فقط بل شاعرًا يعود إلى الحياة في فعالية تأخذ كلام لوركا نفسه وتحوّله إلى مفتاح درامي للحدث كله… الرجل الذي قال إنه يريد أن يعرف الجميع أنه لم يمت، يقوم من الموت ويعود فعليًا إلى شوارع مدريد بطريقة طاعنة الرمزية والمسرحية، طريقة تحاكي مسرحياته، مثلما تحاكي المجاز في أشعاره، والموسيقى الطالعة من كلماته ومن أغاني الغجر الراحلين عن أرضهم وقلوبهم تسبقهم على الطريق، طريقة تؤكد على أن لوركا ليس ملكًا للنخبة الثقافية، بل هو تراث مشترك لجميع الإسبان ولهذا أُقيم العرض في الشارع، بين الناس، لا داخل قاعة مغلقة، فلوركا الذي يعود إلى مدريد هو “شاعر الشعب” الذي يلتقي مرة أخرى بجمهوره.
بدأ العرض الفني الساحر الذي حمل عنوان La Saca nocturna أو “الاقتياد الليلي” والذي أعده ونفذه تجمع La Juan Gallery بدعم من وزارة المساواة الإسبانية، و”بهدف إحياء ذكرى لوركا واستحضار آلاف الأشخاص الذين اختفوا أو أُعدموا خلال الحرب الأهلية الإسبانية والديكتاتورية”، حيث يؤكد المدير الفني للتجمع، خوان غوميث أليمان، على أن “الفكرة لم تكن إقامة جنازة تقليدية، لأن جنازة لوركا مستحيلة ما دام جسده لم يُعثر عليه. لذلك تحولت الفكرة إلى إعادة الشاعر إلى مدريد، المدينة التي كان لها دور أساسي في تطوره الأدبي وفي علاقته بجيل الـ 27. وهكذا تصبح العملية نوعًا من إصلاح ماضٍ لا يمكن إصلاحه”.
وقد بدأ العرض الساحر في القصر الذي يحمل اسم الرسام الإسباني بيلاثكيث داخل حديقة الريتيرو في قلب العاصمة مدريد، حيث تقوم مجموعة من الفنانين الشباب بـ “اختطاف” تمثال لوركا، في محاكاة رمزية لعمليات “السَّوق أو الاقتياد الليلية” التي كانت تتم خلالها اعتقالات الأشخاص ليلًا واقتيادهم إلى الإعدام. وبخلاف كل المتوقع والمنطقي، ينقلب المشهد هذه المرة إلى نقيض المأساة، فالفنانون يخرجون بالتمثال وسط الضحك والتصفيق والهتاف: “لوركا حي!”، وكأن الشاعر الذي اختفى جسده قبل تسعين عامًا يستعيد حياته من خلال الشعر والفن والذاكرة. وفوق التمثال لافتة تحمل عبارة لوركا: “أريد أن أنام قليلًا ولكن ليعلم الجميع أنني لم أمت”، أما التمثال الذي يجسّد لوركا، فهو من تصميم النحات الإسباني المعروف فرناندو سانشيث كاستيو، ويبلغ طوله نحو متر، حيث لم يصنع كاستيو لوركا في هيئة حزينة أو ميتة، كما تفعل كثير من تماثيل الشخصيات التي انتهت حياتها مأساويًا. بل صوّره بذراعين مرفوعتين، مبتسمًا، ممسكًا بعصاه، وكأنه يقفز. وقد استلهم الوضعية من صورة حقيقية للوركا في زمن La Barraca، أي عندما كان في مرحلة مليئة بالحيوية والمسرح والحركة، مصرحًا: إن لوركا في الصورة يبدو كأنه المسيح القائم من الموت. ثم يقارن حركته أيضًا بـ Mercurio، رسول الآلهة في الأساطير اليونانية، حامل الأخبار، أي أن لوركا ليس فقط شاعرًا عاد إلى الحياة، وإنما رسول يحمل خبرًا من الماضي إلى الحاضر، هنا يقول النحات أيضًا: “لقد قتلوا جسد لوركا، لكنهم لم يستطيعوا قتل الشاعر، لأنه ينهض في كل مرة تُقرأ فيها قصيدة له، وهنا يتحول الشعر إلى شكل من أشكال القيامة”، مضيفًا: “أنه لا يحزن فقط على ما فقدته إسبانيا من لوركا، وإنما على كل ما كان يمكن أن يكونه لوركا لو عاش، لقد كان في الثامنة والثلاثين فقط. وبالتالي فالمأساة ليست فقدان أعماله الموجودة فحسب، بل فقدان الأعمال التي لم تُكتب، والأفكار التي لم تولد، والحياة التي لم تُعش”، ويسميه لذلك “الشخصية الكبرى المفقودة”.
| تمثال لوركا في ساحة سانتا آنا |
ينتقل الموكب من حديقة الريتيرو إلى عدد من الأماكن المركزية في مدريد، ويتزايد عدد المشاركين في الطريق. يتوقف الفنانون عند تمثال الملاك الساقط، كويستا دي مويانو، بمحيط متحف البرادو والحديقة النباتية، شارع هويرتاس، ثم ينتهون في ساحة سانتا آنا. وفي كل محطة تتداخل عناصر الشعر والموسيقى والرقص والأداء المسرحي. تُقرأ قصائد لوركا، ويشارك الجمهور في ترديدها، بينما تقدم الفنانات رقصات مستوحاة من أعماله، ومنها شخصية “أديلا” من مسرحيته الشهيرة “بيت برناردا ألبا”، كما تُغنى أعمال مرتبطة بلوركا. وفي النهاية، يختفي التمثال في ساحة سانتا آنا، في استعادة رمزية للحظة اختفاء لوركا نفسه. ويعلّق أحد المشاركين: “لقد أخذوه كما حدث في ذلك اليوم. بقينا من دون لوركا”. أما النحات سانشيث كاستيو فيرى “أن الهدف من العرض هو تحويل الألم إلى جمال، مثل المحارة التي تغلف الحجر المؤلم داخلها باللؤلؤ. وهكذا يصبح هذا الاحتفال، في جوهره، محاولة لتحويل مأساة فقدان لوركا وضحايا الحرب إلى ذاكرة حية وفن قادر على مقاومة النسيان”، والأجمل أنه لا يرى الفعالية بوصفها مجرد إحياء لذكرى لوركا، بل “إنها محاولة لبناء صورة جديدة حوله: لوركا الحي، الفرح، الشعبي، والمستعاد من الموت”، خاصة وأن الساحة نفسها تزدان منذ مائة عام بتمثال دائم لـ لوركا في مقابل البيت الذي سكنه، وهو يحمل طائر حمام ويقلي أشعاره، أي أن الرمزية هنا تأتي من اختفاء جسد، وبقاء الشاعر والشعر الذي لا يموت.
نعم، تسعون عامًا مرت على إعدام شاعر إسبانيا فيديريكو غارثيا لوركا، ولا تزال كل شجرة هنا في مدريد تسأل عن صوته الذي اغتالته محاكم فرانكو، تسأل عن إعدام الشجر الطالع من قصائده، عن سؤاله عندما أمروه بالركض قبل إعدامه: “في أي اتجاه يجب أن أركض؟”، هل كان الاتجاه مهمًا يا صديق الفقراء والأغاني؟ هل يختلف الموت حين يختلف اتجاه الرصاصة؟ هل كنت تريد متسعًا فقط لنظرة أخيرة على غرناطتك، لوقت أخير لأغاني الغجر، لنداء أخير لمدريد؟ أم كان ما تريده هو ذلك الوقت المستقطع الوحيد الذي نملكه كي ندرك أن الشعر لا يكفي لإنقاذنا، وأن الأحلام لا تكفي لكي نركض أكثر قبل أن تثقب الرصاصات هذا القلب؟