
تسجل هذه المرويات عن بنت جبيل وجوهًا من أحوال مجتمعها، تقلّباته وتحولاته ومنعطفاته، في القرن العشرين. ونستهلها بحلقة أولى عن حوادث وصور من عقد الستينيات في البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان.
ضياع فلسطين.. زلزال وهجرة
ولدت أم علي سنة 1952 في بنت جبيل، البلدة العاملية في أقصى جنوب لبنان على الحدود اللبنانية-الفلسطينية. وكان والدها المولود في البلدة نفسها، قد تزوّج قريبةً له من قرية عيترون المجاورة.
أولى صُوَر الحوادث العامة الحيّة اليوم في ذاكرة أم علي عن بنت جبيل تعود إلى زلزال ضرب لبنان في العام 1956. وصلت تردّدات الزلزال من مركزه في بلدة شحيم الشوفية بجبل لبنان إلى جبل عامل، فأصابت منزل أهلها بفسوخ أخذت تُدْلِفُ أو تُسَرّب مياه الأمطار من جدرانه وسقفه. والدها الذي تلقى تعليمًا ابتدائيًا في أول مدرسة أنشأها الأتراك في بنت جبيل قبل ولادته، كان مهاجرًا في الكويت حينما وقع الزلزال، وكانت هي وأمها وإخوتها يقيمون في منزلهم المتصدّع.
الأقرب إلى الظن والترجيح أن كساد حرفته نجارًا في بنت جبيل، وكذلك سائر الحرف التقليدية الناشطة فيها، بل انكماش وضيق دورة حياتها الاقتصادية في مطلع الخمسينات، كان من دواعي هجرة والد أم علي وسواه من رجال بلدته وغيرها من قرى جبل عامل إلى بلدان الخليج العربية النفطية، وإلى بيروت وأميركا. وذلك بسبب انقطاع صلة بنت جبيل وسواها من البلدات والقرى العاملية، الحدودية منها على وجه التخصيص، بالبلاد الفلسطينية ومدنها، غداة نشوء دولة الاستيطان اليهودي الصهيوني الاستعمارية على أرض فلسطين وأنقاض المجتمع الفلسطيني في العام 1948، حسب مرويات تؤرخ لتقلّب أحوال تلك البلدات والقرى.
لم تستطع والدة أم علي الحصول على مساعدة مالية أو عينية من “لجان التعمير” التي أنشأتها الحكومة اللبنانية لإحصاء أضرار الزلزال وللتعويض على متضرِّريه. رجلها الغائب، وقلة حيلتها في معمعة شبكات النفوذ والمحسوبيات المعتمدة في توزيع التعويضات، كانا على الأرجح من دواعي حرمانها من مساعدة لترميم بيتها المتصدع. ولما عاد زوجها من مهجره الكويتي، هاجر وأسرته إلى برج حمود في ضواحي بيروت الشرقية، فعمل في حرفته نجارًا ليعود في العام 1964 إلى بنت جبيل ويرمّم بيته فيها. لكنه بعد أن أسكن فيه زوجته وبناته، عاد وأولاده الذكور إلى برج حمود لتحصيل معاش أسرته من عملهم في مهنة النجارة، فيما تابعت بناته تحصيلهن الدراسي في بنت جبيل.
إذا كان انخراط الأبناء الذكور في سوق العمل، وتوريثهم النسب ومهنة والدهم أو حرفتة، تقليدًا معهودًا، متوارثًا ومديدًا، في المجتمعات المحلية تبعًا للمراتب فيها، أفلا تنطوي إتاحة التعليم لأخواتهم البنات في حال والد أم علي وإخوتها على ظاهرة جديدة في بنت جبيل الخمسينيات والستينيات؟
زعماء ووجهاء ونيابة
في طفولتها وفتوّتها بمدرسة بنت جبيل الرسمية للبنات في الستينات، تتصدر ذكريات أم علي وقائعُ المشاحنات العائلية بين آل بزي وآل بيضون في البلدة. وهي سمّت وجيهين نافذين فيها آخر أيام الأتراك وحقبة الانتداب الفرنسي: محمد سعيد بزي ومحمد سعيد الشامي، المناوئان لزعامة آل الأسعد الإقطاعية العشائرية المديدة في جبل عامل. وكان الرجلان مما يسمى “عائلات وجهاء الصف الثاني” العامليون، شأن آل الزين (في النبطية وقراها)، الخليل (في صور وقراها)، عسيران (في صيدا والزهراني)، وبزي وبيضون (في بنت جبيل)، فيما كان آل الأسعد يتصدرون المشهد الزعامي العام في الحواضر والقرى العاملية.
لكن الوجيه الأبرز والأقوى نفوذًا في بنت جبيل كان الحاج حسن بزي، أحد كبار المُلاك الإقطاعيين والتجار في نهايات القرن التاسع عشر وحتى أربعينات العشرين. وقد لُقّب “سلطان البر”، ربما في محاكاة عاملية متأخرة لمنح السلطان العثماني هذا اللقب لأمير الشوف الدرزي فخر الدين الأول، بعد استيلاء العثمانيين على بلاد الشام في العام 1516. والحاج حسن بزي هو والد النائب علي بزي (1912- 1985) في البرلمان اللبناني، والوجه الشهابي الشيعي الجنوبي البارز في الستينات.
وروى زوج أم علي العيتروني، المولود في عيترون سنة 1943، أن “المكتب الثاني” الشهابي -أي جهاز مخابرات الجيش المتنفذ في عهد فؤاد شهاب الرئاسي (1958- 1964) وعهد خلفه شارل الحلو (1964 -1970)، عندما كان كبار ضباط ذاك الجهاز يديرون معارك الانتخابات النيابية الشهابية- هم من حملوا علي بزي (أبو هاني) على الترشح للنيابة عن واحد من المقعدين الشيعيين عن دائرة مرجعيون-حاصبيا سنة 1964، ضد المرشح الشيعي الضعيف فيها إلى جانب “الزعيم الوائلي” البيك الشاب كامل الأسعد (1932 -2010) الذي ورث في “دار الطيبة” كرسي الزعامة الأسعدية والنياية في انتخابات فرعية بعد وفاة والده سنة 1961.
وفاز بزي بذلك بمقعد نيابي شيعي في دائرة مرجعيون-حاصبيا سنة 1964، ولكان فشل لو ترشح في بلدته بنت جبيل، حيث كان النفوذ الأسعدي قويًا في دائرتها الانتخابية ومدعومًا من الشهابية، وفاز فيها الوجيه البنت جبيلي عبد اللطيف بيضون.
وشهابية علي بزي، وهو تلقى تعليمه في صيدا ودمشق، كانت مسبوقة بصداقته لرياض الصلح الدستوري الاستقلالي، ثم بعروبته وفوزه نائبًا عن بنت جبيل سنة 1957، مستفيدًا من مناوءته زعامة آل الأسعد الإقطاعية، ومن المد الجماهيري العروبي الناصري في لبنان بعد حرب السويس، ضد الرئيس كميل شمعون المنخرط في حلف بغداد المناوئ للناصرية. وعُيِّن بزي وزيرًا للصحة، ثم سفيرًا للبنان في الأردن.
أنساب وفولكلور المشاحنات العائلية
أما أم علي فروت أن كبرى شقيقات الحاج حسن والد علي بزي، وهي لم يحالفها الحظ في أن تتزوج، عقدت العزم على تزويج بنات أخيها من رجال دين، ما دام التقليد الإسلامي يحطّ من شأن المرأة غير المتزوجة. وقد تمكنت من تزويج إحدى بنات الحاج حسن من المرجع الديني الشيعي العراقي السيد محسن الحكيم (1889- 1970)، وزوّجت ابنته الأخرى للسيد العاملي العيناتي (من عيناتا) عبد الرؤوف فضل الله (1907- 1979) والد السيد محمد حسين فضل الله (1935- 2010).
ومن رجال الدين والأنساب قفزت ذاكرة أم علي إلى مشاهد المناكفات والمشاحنات العائلية في مواسم الانتخابات النيابية في بنت جبيل الستينيات: كانت حارتنا تضم بيوت عائلات كثيرة، بينها لآل بزي، بيضون، جمعة، وسعد، دباجة، وحوراني… لكن النواة الداخلية للحارة كانت تتجمع فيها بيوت آل بزي الذين كان علي بزي مرشحهم، أو مرشح عصبيتهم إلى النيابة ضد العصبية الأسعدية ومرشحها في بنت جبيل عبد اللطيف بيضون. وكان كلٌ من العصبيتين يضم لفيفًا من العائلات في المعارك الانتخابية التي كانت حلقات الدبكة الفولكلورية من وسائل التحشيد والمناكفة والمبارزة فيها، قبل نحو شهر من موعد الانتخابات.
وكانت حلقات الدبكة تُعقد في الساحة المسماة “حاكورة نص الضيعة”. وكلمة الضيعة لا تحضر تسمية لبنت جبيل في ذاكرة أهلها الذين يقولون البلد في حديثهم عنها، إلا في هذه التسمية للساحة التي كانت تشرف عليها دارة علي بزي الموروثة عن والده الوجيه النافذ في زمانه، الحاج حسن. وفي طرف الساحة-الحاكورة كان جامع بنت جبيل الكبير الذي يقال إن عمره 400 سنة. أما سوق البلدة الأسبوعي التقليدي، فعلى طرف من أطرافها في ساحة أخرى فسيحة.
أيدي النساء والرجال من الأعمار كافة كانت تتشابك في حلقات الدبكة اليومية للتحشيد والمناكفات الانتخابية، على إيقاع خبطات الأرجل وعزف المجوز والمنجيرة والأغاني والزجليات الحماسية. وياما كانت تُستعاد في تلك الحلقات الردّة الزجلية التي قالها رجل من آل هيدوس في بنت جبيل أثناء انتفاضتها في سنة 1936 ضد سلطات الانتداب الفرنسي، وبالتزامن مع انتفاضة فلسطينية ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني: “بشكوف (جنرال فرنسي) خبر دولتك/ سلطاننا عبداللطيف (زعيم آل الأسعد آنذاك)/ باريس مربط خيلنا/ ورصاصنا قلط (تجاوز) جنيف”. ولا يبعد أن دبيكة لفيف آل بيضون كانوا يرددون هذه الزجلية لمرشحهم النيابي في الستينات، عبد اللطيف بيضون، ضد مناوئه الشهابي علي بزي.
وفي ذاكرة أم علي أن حلقات دبكة لفيف آل بزي العائلي كانت أقوى وأنجح من الحلقات التي يعقدها لفيف آل بيضون الأقل عددًا والأضعف عصبية من آل بزي ولفيفهم في البلدة. وياما كان رجال من عائلات موالية لآل بيضون ويقيمون في حارة آل بزي، يتعرضون للتهجّم عليهم فورعودتهم إلى حارتهم بعد مشاركتهم في حلقات دبكة آل بيضون في ساحتهم. وهذا ما كان يحدث أيضًا للبزاويين ورجال من لفيفهم العائلي المقيمين في الحارة التي يكثر فيها آل بيضون. وطوال الشهر السابق للانتخابات النيابية، كانت تنشب مناكفات وشجارات بين نسوة من آل بزي وأزواجهن من آل بيضون. وكانت نساء منهن تغادرن منازلهن الزوجية وتقمن في بيوت أهلهن، لتعود المياه الزوجية إلى مجاريها وسابق عهدها من الوئام بعد الموسم الانتخابي.
وقلّلت أم علي من شأن التعليم والتحزّب المحدث، القومي العروبي واليساري، في إضعافهما العصبيات العائلية في بنت جبيل، وخصوصًا في مواسم الانتخابات النيابية وحلقات دبكاتها، أغانيها وزجلياتها، للتحشيد والمناكفة بين اللفيف العائلي للعصبيتين. وهي لاحظت أن التعليم في مدارس خارج بنت جبيل، صيدا وبيروت، قد يكون أضعف العصبيتين العائليتين لدى شبان بنت جبيليين.
طلاب الاختلاط والاستلطاف
وشملت رواية أم علي في طفولتها وصباها في الستينات ومطلع السبعينات، عندما كانت تلميذة في مدرسة بنت جبيل الرسمية للبنات، قبل انتقالها سنة 1969 إلى المدرسة الثانوية الرسمية المختلطة للصبيان والبنات، والتي بدأ التدريس فيها سنة 1967.
وعن نمط حياة التلامذة والطلاب والعلاقات بين الجنسين في ذلك الوقت، روت أن الشهر الذي يسبق الامتحانات الرسمية في نهاية المرحلة المتوسطة (شهادة البروفيه)، كان يشهد حلقات اختلاط بين التلاميذ والتلميذات لمراجعة دروسهم تحضيرًا للامتحانات النهائية، وخصوصًا في مادة الرياضيات.
كإخوة وأخوات، وفي مناخ من الإلفة والوئام، كانت تُعقد حلقات التلامذة في بيوت من هذه الحارة أو تلك أو على مساطب البيوت. وكانت تلك الحلقات تستمر حتى منتصف الليالي المعتدلة الطقس والحرارة من أيار وحزيران. وياما كانت تنشأ مشاعر استلطاف وهوى مراهق، خفِرٍ ومحتشم، بين تلامذة صبيان وبنات، أثناء جلسات حل التمارين والمسائل الرياضية. هما الخفر والاحتشام كانا لغة ذاك الاستلطاف بين الطرفين. لم يكن ممنوعًا أو محرّمًا الاختلاط بين الجنسين، ولا التزمّت في ملبس البنات شائعًا: إيشاربات أو شالات ملونة على رؤوسهن، قمصان بنصف أكمام، وتنانير قصيرة.
وفي مرحلة التعليم الثانوي المختلط في ثانوية بنت جبيل الرسمية، توسع الاختلاط بين الطلاب والطالبات، مسيحيين ومسلمين. فبنت جبيل التي تخلو من المسيحيين، صار يتعلم في مدرستها الثانوية الرسمية شبان وفتيات من مسيحيي رميش وعين إبل، ومنهم من كانوا يقيمون في البلدة الشيعية طوال العام الدراسي، فيخالطون طلابها وطالباتها، وتنشأ بينهم صداقات وعلاقات استلطاف وهوى. وكان طلاب وطالبات من أبناء بنت جبيل يزورون أقرانهم في القرى والبلدات المسيحية القريبة، ويكثرون من نزهات المشي الهوينى على طريق “سف (مهب) الهوا” التي تُلفظ “صف الهوا” في اللهجة الدارجة. وهو الطريق أو الشارع الإسفلتي بين عين إبل وبنت جبيل.
(يتبع حلقات أخرى عن أحوال بنت جبيل)