ثمّة عدّة أسباب لهذا التفاعل مع هذا النوع من المبادرات والتنظيمات: الأول والمفروغ منه هو الإحباط والشعور بعدم القدرة على التغيير، وأنّ السياق بلغ من الصعوبة حدّاً يجعل العمل التغييري شبه مستحيل. والثاني يتعلّق بنشوء حرج أخلاقي من الحديث عن حملات بأهداف “تبدو صغيرة”، حتّى لدى من يقودونها؛ فحين يكون الظلم كبيراً، تصبح المقارنة مطلقة، وتبدو الإنجازات الجزئية، مهما كانت ضروريةً، أقلّ من أن تُذكر. فما قيمة حملة تؤمّن الطعام اليومي للناس في غزّة إن لم تنهِ الحصار؟ وكيف يُنظر إلى بناء حمّام لعاملات زراعيات أمام شعارات العدالة الاجتماعية الكُبرى، أو منع تزويج عشرات الطفلات في بنيةٍ ما زالت تعيد إنتاج الظاهرة نفسها؟ ويُضاف سبب ثالث، افتراض ضمني أنّ “النضال الحقيقي” هو ما يقلب الشارع ويطرح المطالب الكُبرى في حدث جليّ، بينما يُنظر إلى الأشكال الأخرى “الأصغر” من التنظيم والعمل كأنّها التفاف على “المهمّة الأصلية”، أو من أشكال التكيّف مع الواقع. وعليه، حين ينظّم الطلاب أنفسهم مثلاً حول مطالب تتّصل بشروط تعلّمهم اليومية، كالمطالبة بساعات تدريب عملي، يُنظر إلى هذا بوصفه انشغالاً ثانوياً لا ينسجم مع ما يُفترض أنّه “الدور السياسي التاريخي” للحركة الطلابية.
المشاركة تدريب عملي على المواطنة، وتعيد تعريف من يحقّ له أن يكون فاعلاً سياسياً
ولكن الاستغراق طويلاً في هذا التفكير فخّ خطير لمجتمعاتنا. فعندما يصبح التغيير المقبول هو الشامل فقط، تبدو معظم أشكال الفعل الجماعي كأنّها فاشلة سلفاً. ومع الوقت، لا يبقى هذا مجرّد انطباع، بل يتحوّل إلى جزء من البنية الاجتماعية نفسها، يعيد إنتاج الإحباط والانسحاب من المجال العام، ويُضعف ثقة الناس بقدرتهم على التأثير في واقعهم، وبالتالي في مستقبلهم.
ليس المقصود هنا تقديم الحملات والمبادرات التنظيمية الصغيرة بديلاً من أشكال العمل السياسي الأوسع، فلا غنى عن تنظيمات قادرة على صياغة مطالب على مستوى وطني وإقليمي. لكنّ النظر إلى هذه الحملات المحلّية، سواء نشأت في الأحياء أو المزارع أو المؤسّسات التعليمية، بوصفها بلا قيمة ما لم تُفضِ مباشرة إلى تحوّلات كُبرى، ينطوي على خسارة حقيقية؛ فهي ليست مجرّد أدوات لتحقيق مطالب جزئية، ولا تمثّل مرحلةً تمهيديةً تسبق السياسة، بل هي حواضن اجتماعية مصغّرة وأحد أشكال الممارسة السياسية ذاتها، إذ يجري من خلالها بناء الخبرات، وصقل الفاعلين الجدد، وتعميق الروابط التي يقوم عليها العمل العام في ممارسة يومية قابلة للتراكم والتعلّم.
وهي تُشكّل إحدى البنى الاجتماعية التي يُعاد من خلالها إنتاج القدرة السياسية للمجتمع، لستّة أسباب: فأولاً،
يُعدّ التراكم غير المرئي للفعل التنظيمي شرطاً للحدث الكبير، إذ ثمّة علاقة وثيقة بين الأهداف التغييرية الكُبرى والأفعال اليومية المتراكمة. فالقدرة على حمل التغيير لا تُبنى في لحظته، بل قبلها بكثير، عبر الاستمرار والتراكم الذي يُنتج خبرات تنظيمية وذاكرة جمعية للفعل. حرمان المجتمع من خوض تجارب تنظيمية والتقليل من شأنها، حتى حين تكون محدودةً، لا يحافظ على نقاء الفعل السياسي، بل يُضعف الشروط التي تجعل الفعل الكبير أكثر إمكاناً. فالتغيير في القضايا الكُبرى لا يتشكّل عبر الانفجارات المفاجئة فحسب، بل عبر طبقات من التراكم غير المرئي الذي يبني الشبكات، ويوسّع الإمكان.
في الأدبيات التي تناولت الحركات الاجتماعية، من تيلي وتارو في تحليلهما لبنى الفعل الجماعي وتراكمه، إلى كتابات آصف بيات حول أشكال الفعل اليومي غير المرئي، مروراً بتحليلات جلبير الأشقر لتجارب “الربيع العربي”، يُنظر إلى الفعل الجماعي لا بوصفه لحظة انفجار سياسي معزولة، بل مساراً ممتدّاً من التراكمات الاجتماعية والتنظيمية التي تُعيد تشكيل إمكانات التغيير وحدوده. ومع ذلك، ليست هذه العلاقة آلية أو حتمية؛ فليس كلّ فعل صغير يتحوّل بالضرورة إلى مسار تغييري أوسع، إذ قد تُحتوى بعض الحملات داخل بنى قمعية أو تنموية مشروطة، لتتحوّل إلى مجرّد آليات لإدارة الأزمات من دون معالجة أسبابها الجذرية. لذلك، لا تُقاس القيمة السياسية لأيّ مبادرة بحجم مطلبها فقط أو بمجرّد وجودها، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على استقلاليّتها، وتوسيع دائرة مشاركة الناس في العمل التنظيمي، وتطوير خبراتهم، واستمرار تفعيل “عضلة” العمل الجماعي التشاركي المنظّم. لكن هذا التراكم لا يقتصر أثره على إنتاج الشروط الموضوعية التي تجعل الفعل الكبير ممكناً، بل يمتدّ أيضاً إلى إعادة تشكيل قوّة الفاعلين أنفسهم؛ إذ إنّ الانخراط المتكرّر في العمل التنظيمي لا يبني المسار فحسب، بل يبني قدرة الناس على السير فيه.
وثانياً، هناك تراكم خبرات الناس قوّةً دافعة للتغيير، فحين يعمل الناس بشكل منظّم، ويحققون هدفاً محدّداً ولو بدا بسيطاً “سياسياً”، فإنّهم لا يحقّقون نتائج آنية فحسب، بل يعيدون تشكيل وعيهم بذاتهم فاعلين، وهذا ما يُنمّي قدرتهم على التنظيم، والتخطيط، واتخاذ القرار الجماعي. ومع كلّ تجربة ناجحة، يتّسع أفق الممكن، ويتراجع الإحساس بالعجز، ويصبح الانتقال إلى أهداف أكثر طموحاً أمراً قابلاً للتخيّل والتحقّق. بهذا المعنى، لا يكون التراكم مجرّد مسار سياسي خارجي، بل أيضاً عملية داخلية تُعيد بناء الإنسان فاعلاً قادراً، ويُستكشف الممكن في سياق يبدو مشبعاً باللاممكن، ويطوّر تدريجياً “عضلة” العمل الجماعي التشاركي المنظّم. فمثلاً، حين تنظّم عاملات زراعيات حملة أولى للمطالبة بتوفير أدوات الصحّة والسلامة، وينجحن في تحقيق هدفهن رغم صعوبات الحشد وإقناع زميلاتهن بالانخراط، تكون الحملة التالية أكثر طموحاً، ليس فقط بسبب زيادة عدد المشاركات، بل نتيجة تراكم الخبرات في اتخاذ القرار الجماعي، وبناء القيادة، والحشد، والتفاوض، وإدارة الموارد. وهي مهارات لا تُكتسب نظرياً، بل عبر الممارسة الفعلية. وهكذا، لا يقتصر الأثر على تحقيق مطلب محدّد، بل يمتدّ إلى رفع سقف الممكن. ولا يقتصر هذا التحوّل على الأفراد المشاركين، بل يمتدّ ليأخذ بعداً اجتماعياً أوسع، إذ تبدأ آثار التجربة بالتسرّب إلى محيطها.
يتعلّق السبب الثالث بانتقال عدوى النجاح إلى المحيط الاجتماعي، فلا تبقى آثار التنظيم محصورة في المشاركين فيه، بل تمتدّ إلى محيطهم الاجتماعي، فعندما يرى أشخاص يواجهون ظروفاً مشابهةً أنّ غيرهم نجح في تحقيق مكسب عبر العمل الجماعي، يصبح التنظيم خياراً قابلاً للتخيّل والتجربة، بعد أن كان خارج حدود الممكن. وهكذا، لا تنتشر المطالب وحدها، بل تتمدّد فكرة القدرة على الفعل الجماعي، لتتكاثر الحملات في قضايا متعدّدة وفي مناطق مختلفة.
لا تستفيد من الفرص السياسية القوى الأكثر رغبةً في التغيير، بل الأكثر جاهزية له
رابعاً: تحسين حياة الناس وصون الكرامة في الـ”هنا والآن”. فحتّى من دون النظر إلى الآثار التراكمية، تبقى هذه المبادرات ذات قيمة حقيقية لأنّها تُحسّن حياة الناس فعلياً في الـ”هنا والآن”. فوجود مرافق صحّية آمنة لعاملات في مزرعة لا يحقّق العدالة الاجتماعية الشاملة، لكنّه يغيّر شروط الحياة اليومية ويحفظ الكرامة الفعلية. وتأمين الاحتياجات الأساسية لعائلة في سياق الحصار لا ينهي الأزمة، لكنّه يواجه آثارها المدمِّرة المباشرة. لا يعكس التقليل من شأن هذه المطالب راديكاليةً فكريةً، بل يعكس انقطاعاً عن المعنى الملموس والواقعي للعدالة. وهناك (خامساً) توسيع فضاء الفعل السياسي للجميع، إذ تسهم هذه الحملات في توسيع فضاءات الفعل السياسي أمام أشخاص “عاديين” لا يُنظر إليهم عادة فاعلين سياسيين. ففي سياقات يُختزل فيها الفعل العام في النُّخب، تتيح هذه التجارب للناس اختبار المبادرة، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي. وبهذا المعنى، تصبح المشاركة تدريباً عملياً على المواطنة، وتعيد تعريف من يحقّ له أن يكون فاعلاً سياسياً، مثلما تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع والشأن العام.
وأخيراً، يأتي بناء الثقة وكسر عزلة البيئات القمعية، ذلك أنّ تشكّل الثقة والعلاقات الاجتماعية التي ينتجها العمل المنظّم جزء من البنية التحتية لأيّ قدرة جماعية على الفعل السياسي، ففي سياقاتٍ كثيرة، لا يقتصر التحدّي على غياب الموارد، بل يشمل تفكّك العلاقات العامّة وشعور الأفراد بالعزلة. وعندما يجتمع الناس حول قضية مشتركة، وينخرطون في نقاشات وقرارات ومسؤوليات جماعية، يعيدون بناء هذه الروابط، ويكسرون حالة العزلة التي تنتجها البيئات القمعية والهشّة.
في المحصّلة، إن بناء القدرة الجماعية لا يبدأ عندما تتّسع المساحة، بل قبل ذلك بكثير. لا تستفيد من الفرص السياسية القوى الأكثر رغبة في التغيير، بل الأكثر جاهزية له. وهذه الجاهزية لا تُصنع في لحظة الفرصة نفسها، بل في المساحات التنظيمية اليومية التي تبدو، في كثير من الأحيان، أصغر من أن تُلاحظ. فكلّ تجربة جماعية تُدار بصورة تشاركية، وكلّ حملة تتيح تداول الأدوار وتحمّل المسؤوليات وتطوير قيادات جديدة، تسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والمجال العام، وتقاوم منطق الفردانية والتبعية السياسية.
لا تتعلق المسألة بالمفاضلة بين التغيير “الصغير” و”الكبير”، بل بفهم الكيفية التي تتحوّل بها الأفعال التنظيمية إلى شروط إمكانٍ للتحولات الأوسع. فالسؤال في فترات الانسداد ليس: متى سيحدث التغيير؟ بل: كيف نحافظ على القدرة التي تجعله ممكناً؟ وعادةً ما تكون المجتمعات التي تحافظ على الفعل الجماعي وتراكم خبراته، الأكثر فاعليةً في لحظات التحوّل التحرّري، لا الأكثر حلماً به.