ملخص
يقدم كتاب “علم نفس الفكاهة” نظرة شاملة لما وصل إليه علماء النفس من المعلومات والمعارف والأفكار الخاصة بالفكاهة، ومن ثم فإنه يعرض للكيفية التي تناول بها كل تخصص فرعي من تخصصات علم النفس موضوعة الفكاهة من مختلف جوانبها، وأهم الدراسات التي جرت في كل مجال من تلك المجالات.
ترى أستاذة علم النفس المعرفي في كلية غرينل في الولايات المتحدة الأميركية جانيت جيبسون أن الفكاهة ظاهرة عالمية، تتجاوز الحدود الثقافية واللغوية، وهي قديمة قدم التاريخ الإنساني، تتباين مظاهرها، وتتعدد روافدها، وتتنوع أساليبها لإحداث المرح والضحك، ويتسع نطاق تأثيرها ليشمل الأفراد والجماعات باختلاف طبيعتها وخصائصها. فهي خبرة يومية يمر بها الجميع في مختلف تفاعلاتهم الاجتماعية، وتعتبر مصدر قوة في حياتنا، وتعزز جوانب مختلفة من شخصياتنا، بل تحسن جودة حياتنا.
وصدر كتاب جيبسون عام 2019 تحت عنوان An Introduction to the Psychology of Humor، وصدرت ترجمته إلى العربية ضمن سلسلة “عالم المعرفة” (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت) بتوقيع أستاذ علم النفس في جامعة القاهرة معتز سيد عبدالله.
بعد اجتماعي وثقافي
في ضوء علم النفس الاجتماعي، لاحظت جيسون أن للفكاهة عدداً من الوظائف الاجتماعية، تتراوح بين تخفيف التوترات بين أعضاء الجماعات وطمأنتهم، وتعزيز القواسم المشتركة بينهم لزيادة تماسك الجماعة، وتكوين إشارات اجتماعية لكيفية التفكير والسلوك في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين. وفي السياق ذاته رأت المؤلفة أن الضحك يوفر إشارات خارجية نستخدمها لتفسير المواقف الاجتماعية، وتشير نتائج كثير من الأبحاث التي أجريت في شأن العلاقات العاطفية، على سبيل المثال، إلى أن الفكاهة يمكن أن تساعد في طرح مناقشة المواضيع المعقدة، أو التعبير عن المشاعر الصعبة أو تقليل الصراع.
وتتفاعل الوظائف الاجتماعية للفكاهة مع أساليب الفكاهة، فالفكاهة التي تحط من قدر هوية الجماعة، كما هو الحال في النكات العنصرية والمتحيزة جنسياً، ربما تكون مفيدة وضارة في الوقت نفسه، وتتمثل الفوائد في زيادة الوعي بسخافة القوالب النمطية أو توفير آلية لمواجهتها والتعامل معها. وفي بعض الأحيان يخفف الضرر الناجم عن النكات السخيفة والمبتذلة من خلال الاتجاهات والمعتقدات الموجودة مسبقاً لدى الجمهور، والنقطة المهمة لتأثير الفكاهة، وفقاً لدراسة جيبسون في جانبها المتعلق بعم النفس الاجتماعي، هي ما إذا كان الجمهور يفسر مقصد راوي النكتة على نحو واقعي، وهو أمر يكون صعباً في كثير من الأحيان، ص 187.
وفي ضوء علم النفس الثقافي المقارن لاجظت جيبسون أن الدراسات النفسية عبر الثقافات، تساعد في توسيع نطاق النتائج الخاصة بالفكاهة الموجودة في ثقافة واحدة، إضافة إلى التحدي الذي يواجه فهمنا لها وتعميقه. ورأت أنه ليس من السهل إجراء مثل هذا البحث، إذ يجب على عالم النفس توخي الحذر في شأن تأثير تحيزاته الثقافية، بما في ذلك اللغة وأمثلة الفكاهة على النتائج التي يخرج بها، وعلى ذلك فإن دراسة علم نفس الفكاهة تعتبر دراسة عالمية.
تشابه واختلاف
ولذلك تبين مراجعتنا الموجزة للأدبيات – تقول المؤلفة – أوجه التشابه والاختلاف في تقدير الفكاهة وإنتاجها عبر الثقافات، وتوصلنا إلى أن هناك دعماً عالمياً لنظرية حل التناقض المعرفي عبر الثقافات. وأظهرت المقارنات الثقافية نفوراً عالمياً تجاه أسلوب الفكاهة العدواني، مقارنة بأساليب الفكاهة الأخرى. وعلى رغم ذلك، أفاد الأميركيون بأنهم يحبون الفكاهة ذات المحتوى العدواني أكثر من الجنسيات الأخرى!
وإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون أن هناك تبايناً عالمياً كبيراً في مدى الإعجاب بالفكاهة الجنسية مقارنة بأنواع الفكاهة الأخرى، ويظهر هذا التباين وجود تشابه بين الأفراد داخل الثقافة الواحدة في عدم اتفاقهم على الإعجاب بالنكات ذات المحتوى الجنسي. وشملت الفروق بين الثقافات تكرار أنواع الفكاهة والاتجاهات المتعلقة بمدى ملاءمة الفكاهة في مكان العمل، أو المحادثات الجادة، وأثرت المعايير الثقافية في مدى الإعجاب بالفكاهة. على سبيل المثال، إذا كانت الثقافة تحتوي على نسبة عالية من رهاب التعرض للسخرية، فإننا نجد تجنباً وارتياباً عندما يعبر الآخرون عن الفكاهة. وإذا كانت الثقافة تقدر النظافة، فإن المازحين يصفون المستهدفين بالنكات الساخرة بأنهم قذرون.
وإذا كانت التقاليد الثقافية تنظر إلى الفكاهة على أنها سطحية، فإننا نجد تقييمات أقل في تقدير الفكاهة أو إنتاجها. ويحدد نهج العدسة الثقافية أهدافاً للباحثين في مجال الفكاهة من أجل التركيز على التعريفات الإجرائية للفكاهة، وطرح أسئلة بحثية من شأنها أن تساعد في زيادة معرفتنا بخبرات الفكاهة وسلوك الأفراد عبر الثقافات.
ومن زاوية علم النفس الارتقائي، خلصت دراسة جيبسون إلى أن الفكاهة تظهر في وقت مبكر من الحياة، تقريباً في الوقت الذي يستطيع فيه الأطفال المعالجة العقلية بالرموز مثل اللغة (عند عمر ستة أشهر) ومعالجة توقعات الآخرين. ويعتبر تقدير الأطفال للفكاهة مستقلاً عن فهمهم لها، كما هو واضح في الألغاز. ويتعلم الأطفال الشكل والسلوك قبل أن يستوعبوا التناقض، يقولون الألغاز والنمات لإضحاك أنفسهم والآخرين، ويظهرون تقديراً للقوة الاجتماعية للفكاهة، بما في ذلك استخدام أساليب الآخرين، لفهم متى يكون هناك شيء مضحك (المرجع الاجتماعي)، ومعرفة متى يستخدمون المعلومات الجديدة التي يحصلون عليها من المازحين والناقلين المخلصين للنكات.
وذلك قبل أن يكون لديهم المخططات المعرفية الناضجة للتعامل مع العمليات المعرفية الدلالية المجردة. وتقول جيبسون في هذا السياق “تتداخل معالجة الفكاهة المبكرة لدينا مع ارتقائنا الاجتماعي (القرب من مقدمي الرعاية) والمرجعية الاجتماعية (استخدام سلوك الآخرين للتأثير في سلوكنا)، والتنظيم الذاتي (الضحك لتحسين مزاجنا)، كما يمكن أن يكون مؤشراً للكفاءة المعرفية واللغوية أيضاً. وتشكل خبرات الحياة الحس الفكاهي، “على رغم أن الجينات تؤدي دوراً قوياً في تكوين أساليب الفكاهة لدينا” ص 257، وكذلك في استخدام الفكاهة في علاقاتنا الاجتماعية.
وفي مرحلة التقدم في العمر ربما نعبر عن الفكاهة على نحو أقل، ونعتبر انتهاكات المعايير الاجتماعية أقل فكاهة، لكن تظل الفكاهة، تقول جيبسون، ذات قيمة وتضيف جودة للحياة، لكن هنا يجب تجنب تكوين قوالب نمطية عن كبار السن، تشير إلى أنهم يفتقدون روح الفكاهة.
تعزيز المناعة
ومن زاوية علم النفس الصحي تخلص دراسة جيبسون إلى أن النتائج التي تشير إلى أن الفكاهة تساعد في تعزيز المناعة، وتعين على تحمل الألم والتعامل الأمثل مع الضغوط، تدعم الحاجة إلى مزيد من دراسات الفكاهة، وكيف يمكن استخدامها كأداة للحفاظ على الحياة الصحية الأفضل. وتؤكد جيبسون أن الضحك استجابة للفكاهة يوضع في إطار التمرين المفيد للجهاز التنفسي والدورة الدمية، وربما يسبب الضحك استجابة للفكاهة، إطلاق مواد كيماوية من أجل استعادة التوازن اللازم للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية.
وفي فصل آخر، لاحظت جيبسون أن علماء علم النفس الإيجابي يرون أن الفكاهة تسهم في الرضا عن الحياة، ومشاعر الرفاهية والسعادة الذاتية. واعتبار الفكاهة إحدى قوى الشخصية، يميل الأفراج الذين يتمتعون بالحس الفكاهي العالي، إلى استخدام أساليب الفكاهة الإيجابية، والتمتع بتقدير كبير للذات والتفاؤل. وفي الفصل التالي، تتناول الباحثة الفكاهة من زاوية علم النفس الإكلينيكي، وتخلص في هذا الصدد إلى أنه وفقاً للنظرية الديناميكية النفسية، “تعد الفكاهة والضحك من وسائل التعبير عن الأفكار والمشاعر، فهما آليتان دفاعيتان لحماية الذات وتعزيز الصحة النفسية”، ص 253 و354.
ورأت جيبسون فيهذا الإطار، أن تضمين الفكاهة في العلاج بات محبذاً في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى. وتبرر الباحثة ذلك بتأكيدها أن الفكاهة تتمتع بالقدرة على زيادة الوفاق بين المعالج والمريض، وتوضيح التشوهات المعرفية في تفسير المواقف الغامضة، وزيادة المشاعر الإيجابية. وترى جيبسون أن المخاوف من تضمين الفكاهة في العلاج النفسي، تتضمن سوء فهم الفكاهة المستخدمة في الجلسة من المعالج أو المريض. ومن زاوية علم النفس التطبيقي، خلصت الباحثة إلى أن استخدام الفكاهة في مكان العمل يسهم في فهمنا للعلاقات المعقدة بين زملاء العمل ورضا العاملين الوظيفي، ومناخ وثقافة مكان العمل. أما في التعليم، فيحبذ استخدام الفكاهة في المقررات الدراسية لزيادة الانتباه والاهتمام بالمادة، وكذلك لتوضيح المفاهيم بطرائق من المحتمل أن تساعد في بقائها في الذاكرة.