يعتبر راغافان، الذي عمل سابقاً كبيرَ مراسلي شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “وول ستريت جورنال”، أنّ لبنان يختصر هذا التحوّل بأوضح صوره. لم يكن وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ بين إسرائيل ولبنان في 16 نيسان، بحسب وصفه، اتّفاق سلام أو بداية لمسار سياسيّ مستدام، بل “هدنة اختبار” مرتبطة بحسابات إقليميّة أوسع تتعلّق بالمواجهة مع إيران. اشترطت طهران التوصّل إلى تهدئة في لبنان كجزء من أيّ تهدئة إقليميّة، وهو ما جعل الساحة اللبنانيّة مرتبطة مباشرة بالتفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ وبموازين القوى في المنطقة. منذ اللحظة الأولى، بدا أنّ الاتّفاق يجمّد المواجهة أكثر ممّا يحلّها.
يشير راغافان إلى أنّ الوقائع الميدانيّة أثبتت سريعاً هشاشة الاتّفاق. بعد دخوله حيّز التنفيذ، استمرّت الضربات الإسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة مؤدّية إلى سقوط مئات القتلى وتدمير قرى في الجنوب وتعزيز السيطرة العسكريّة الإسرائيليّة في بعض المناطق الحدوديّة، فيما واصل “الحزب” إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتّجاه القوّات الإسرائيليّة ومناطق في شمال إسرائيل. يؤكّد هذا التبادل المستمرّ للضربات أنّ الاتّفاق لم يكن سوى هدنة هشّة تفتقر إلى آليّات تنفيذ ورقابة فعّالة.
جزء من لعبة إقليميّة أكبر
يؤكّد راغافان أنّ خطورة النموذج اللبنانيّ لا تكمن في استمرار القتال فقط، بل وفي الطريقة التي تحوّل فيها وقف إطلاق النار إلى جزء من لعبة إقليميّة أكبر. شكّل استمرار الانتهاكات الإسرائيليّة للاتّفاق، من وجهة نظر إيران، دليلاً إضافيّاً على أنّ أيّ تفاهم مع الولايات المتّحدة أو إسرائيل قد لا يُحترم فعليّاً.
لذلك لم تعُد الهدنة اللبنانيّة ملفّاً داخليّاً أو حدوديّاً، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بحسابات طهران في مستقبل التفاوض مع واشنطن والحرب الإقليميّة الأوسع.
يرى الباحث أنّ غياب الثقة هو العامل الحاسم في فشل وقف إطلاق النار. كلّ طرف يتعامل مع الاتّفاق باعتباره فرصة لكسب الوقت وتحسين موقعه العسكريّ لا خطوة نحو السلام. تريد إسرائيل الحفاظ على حرّية العمل العسكريّ لمنع خصومها من إعادة بناء قدراتهم، بينما يرى “الحزب” نفسه في موقع دفاعيّ يبرّر استمرار الهجمات.
أمّا إيران فترفض الانخراط في ترتيبات جزئيّة تعتبر أنّها ستُستخدم لإضعافها تدريجاً وعزل “الحزب” عن بقيّة ساحات الصراع. هكذا يتحوّل وقف إطلاق النار من أداة لخفض التوتّر إلى مساحة لإعادة التموضع والاستعداد للمواجهة التالية.
يحذّر راغافان من أنّ وقف إطلاق النار في لبنان قد يتحوّل إلى مرحلة انتقاليّة نحو تصعيد جديد بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار. كلّما طال أمد الهدنة من دون حلّ سياسيّ حقيقيّ، ازدادت احتمالات انهيارها بصورة أكثر عنفاً. خلال فترات الهدوء النسبيّ، تستغلّ الأطراف الوقت لإعادة التسلّح وإعادة التموضع وتحسين شروط المواجهة المقبلة، وهو ما يجعل الهدنة نفسها جزءاً من ديناميّة الحرب لا نقيضاً لها.
إطفاء الحرائق لا معالجتها
يصف راغافان هذا الواقع بأنّه منطق “إطفاء الحرائق” بدلاً من معالجة أسبابها، ويربطه بنهج أوسع للسياسة الخارجيّة لدونالد ترامب، الذي قدّم نفسه بوصفه “رئيس السلام”، مدّعياً نجاحه في وقف عدد من الحروب في العالم، لكنّ الواقع أنّ معظم هذه “النجاحات” لم تنتج حلولاً سياسيّة دائمة، بل اتّفاقات لوقف إطلاق النار أبقت احتمالات الانفجار قائمة.
ينقل راغافان عن الباحث في معهد “نيو لاينز” غوبي كريشنا بهاميديباتي قوله إنّ إدارة ترامب “تعطي الأولويّة للهدنات التكتيكيّة على التغيير الهيكليّ، فهي تستخدم الضغط الاقتصاديّ والتهديد العسكريّ لوقف الحروب مؤقّتاً، لكنّها لا تعمل على تحويل الصراع أو حلّ أسبابه”. يشبّه الباحث هذا النهج بوضع “ضمّادة” على النزاعات، بينما يبقى المرض قائماً.
أمّا خبير شؤون الشرق الأوسط في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدوليّ والمفاوض السابق في القضايا العربيّة – الإسرائيليّة ضمن إدارات جمهوريّة وديمقراطيّة، آرون ديفيد ميلر، فيرى أنّ مقاربة ترامب تقوم على البحث عن “صفقات سريعة” تمنحه انتصارات سياسيّة وإعلاميّة، من دون الدخول في عمليّة دبلوماسيّة طويلة ومعقّدة لمعالجة جذور الأزمات.
يعتبر راغافان أنّ مقاربة ترامب الدبلوماسيّة تعكس أيضاً خللاً في آليّة صنع القرار الأميركيّة. في الأزمات السابقة، كانت واشنطن تعتمد على دبلوماسيّين محترفين ومفاوضات طويلة تقودها مؤسّسات الدولة، فيما تعتمد إدارة ترامب اليوم على دائرة ضيّقة يقودها مقرّبون منه يفتقرون إلى الخبرة التقليديّة في إدارة النزاعات الدوليّة.
يعتبر راغافان أنّ مقاربة ترامب الدبلوماسيّة تعكس أيضاً خللاً في آليّة صنع القرار الأميركيّة
ينقل عن الخبير في الشؤون الإيرانيّة ونائب الرئيس التنفيذيّ لمعهد كوينسي للحكم الرشيد في واشنطن قوله إنّ “ترامب متسرّع، ولا يريد سوى التقاط صورة سريعة. يتجاهل الخلافات الحقيقيّة ويخلق “مهلة مؤقّتة” كي يعلن نجاحه في وقف عدد كبير من النزاعات فقط، بينما تبقى أسباب الصراع الأساسيّة قائمة”.
نظام دوليّ متشرذم
ينقل عن مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس – المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة في لندن، سانام وكيل، قولها إنّ الشرق الأوسط يعيش منذ سنوات في ظلّ نظام دوليّ متشرذم، فشلت فيه التعدّديّة الدوليّة في فرض تسويات سلميّة، بينما أصبحت التحالفات الإقليميّة تعمل في اتّجاهات متناقضة، فباتت الصراعات أكثر تعقيداً وصعوبةً في الحلّ. ترى وكيل أنّ أسلوب ترامب القائم على “الصفقات السريعة” وتسجيل الانتصارات السياسيّة يزيد هشاشة هذه الهدنات بدلاً من تحويلها إلى مسارات استقرار دائم.
يربط راغافان بين هشاشة وقف إطلاق النار في لبنان وبين الحرب مع إيران. لم يحلّ وقف إطلاق النار الذي أنهى “حرب الأيّام الاثني عشر” القضايا الجوهريّة المتعلّقة بالبرنامج النوويّ الإيرانيّ أو بدور طهران الإقليميّ، بل منح إيران وقتاً لإعادة بناء قدراتها الدفاعيّة والاستعداد لاحتمال اندلاع جولة جديدة من المواجهة.
استخدم ترامب في الوقت نفسه وقف إطلاق النار أداةَ ضغط، فكان يطرح مبادرات للسلام ثمّ يهدّد باستئناف القصف إذا لم توافق طهران على شروطه. يرى أنّ هذه السياسة عمّقت الشكوك الإيرانيّة ودفعت طهران إلى الاعتقاد بأنّ أيّ اتّفاق قد يكون محطّة مؤقّتة قبل جولة جديدة من التصعيد.
يحذّر راغافان من أنّ هذا النهج، القائم على الضغط السريع والصفقات المؤقّتة، قد يدفع المنطقة نحو حالة دائمة من “اللاحرب واللاسلم”. بدلاً من إنهاء الصراعات، تتحوّل الهدنات إلى أدوات لتأجيل الانفجار فقط. يرى أنّ لبنان يمثّل الساحة الأكثر وضوحاً لهذا النموذج: وقف إطلاق نار قائم شكليّاً، لكنّ العمليّات العسكريّة مستمرّة، الثقة غائبة، والتسوية السياسيّة بعيدة، فيما تبقى احتمالات التصعيد الإقليميّ قائمة في أيّ لحظة.
