ملخص
تكشف ألعاب الروبوتات في بكين عن قفزة تكنولوجية تتجاوز تحطيم الأرقام القياسية إلى منافسة البشر في الأعمال اليومية، وبينما تعد الروبوتات بعالم أكثر وفرة وإنتاجية، فإنها تهدد بإقصاء ملايين العمال وتعميق فجوة الثروة، لتجعل ثورة الذكاء الاصطناعي نعمة محتملة ونقمة في آن.
هذا الأسبوع، تمكن “رياضي” آلي من تحطيم الرقم القياسي العالمي لسباق 100 متر الذي سجله العداء الجامايكي يوسين بولت، الحائز ثماني ميداليات ذهبية أولمبية، عام 2008 عندما قطع المسافة في 9.58 ثانية، فقد أنهى روبوت شبيه بالإنسان يدعى “تيانغونغ ألترا” السباق في 9.39 ثانية.
يستحق السيد ألترا – أو ربما “تيان” باختصار – التهنئة، على رغم أنه / أنها لم يتقن بعد فن إبطاء سرعته، فاصطدم بالمرتبة البلاستيكية الكبيرة التي وضعها منظمو الدورة الثانية من الألعاب العالمية للروبوتات الشبيهة بالبشر في بكين في نهاية مضمار السباق، وتطايرت أجزاء من “جسد” تيان عند اصطدامه بها.
لكنها أضرار قابلة للإصلاح، فلن تنتهي مسيرة أي روبوت أبداً بسبب تمزق في وتر العرقوب (أو وتر أخيل).
وبطبيعة الحال، فإن الألعاب التي أقيمت في العاصمة الصينية، التي صممها بشر ساديون لا محالة، تضمنت أيضاً منافسات أجبرت فيها الروبوتات على ضرب بعضها بعضاً ضرباً مبرحاً لترفيه الجمهور، وسأستغرب لو لم يراهن أحد على نتيجة هذه المنافسات.
(ربما يمكن لمحبي صيد الثعالب في بريطانيا أن يبتكروا مسابقة يطارد فيها الكلاب روبوت على هيئة ثعلب عبر الريف الإنجليزي قبل أن تمزقه إرباً، بينما تتناثر دماء مزيفة في كل مكان. ومن المنطقي أيضاً، كما شهدنا في حرب أوكرانيا، أن تستخدم التقنيات الحديثة لقتل البشر، إضافة إلى الروبوتات).
ويكفينا الحديث عن سيرك “أولمبياد الروبوتات”… فماذا عن الأعمال اليومية؟
حسناً، لم تقتصر المنافسات على العروض الرياضية، بل امتدت أيضاً إلى المهمات المنزلية الروتينية التي تثقل كاهل البشر، فبعيداً من الملاعب تولت الروبوتات بشرية الشكل مجموعة من الأعمال المنزلية. وعلى سبيل المثال، جرى تخصيص فندق كامل لتمكين فريق من الروبوتات الخادمات من اختبار قدراته في ترتيب الأسرة وكي الملابس ونشر الغسيل، فضلاً عن تنظيف وترتيب الغرف التي تعمها الفوضىولزيادة المهمات صعوبة، تخللتها مهمة غير مجدولة، وهي استلام طرد. من الواضح أن تنفيذها تطلب أيضاً التحرك بسرعة يوسين بولت للوصول إلى الباب، قبل أن يهرب سائق أمازون، وهو أيضاً روبوت على الأرجح.
من ناحية الاستعراض، يمكن القول إن مشاهدة الروبوتات أمر مثير للإعجاب للغاية، ومخيف في الوقت نفسه. فها نحن أمام مثال صارخ آخر يبين كيف يمكن للروبوتات أن تستبدل البشر يوماً ما في الأعمال الفندقية، بل وأن تتولى بالفعل كل أنواع المهمات المرهقة في المنزل، وإذا تحققت النبوءات التي طرحتها أفلام “تيرميناتور” الكثيرة، فإنها ستقتلنا جميعاً أيضاً.
ما زلت أرغب في الحصول على واحد من تلك الروبوتات الآلية بالكامل، سيكون امتلاك روبوت خاص بي يعمل كمدبر منزل وخادم شخصي وبستاني وطباخ ومساعد أمراً مدهشاً، لأنه سيوفر لي وقت فراغ ويحررني من الأعمال المنزلية، يجب أن يمتلك كل منزل واحداً من هذه الروبوتات، فلننتظر خمس سنوات.
على نطاق أوسع، ستنهي ثورة الروبوتات مشكلتنا مع الإنتاجية في لمح البصر، لتخلق عالماً من الوفرة، ومجتمعاً “يعيش في راحة وفراغ”، وهو ما تخيله أمثال جون ماينارد كينز، وألدوس هكسلي، وإتش جي ويلز منذ ما يقرب من قرن، وقد يصبح حقيقة قريباً.
في مثل هذا المجتمع الجديد الذي يدمج الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ستزول فكرة الندرة الاقتصادية تقريباً، وترتفع مستويات المعيشة بصورة كبيرة. وستحل مسألة ما يسمى بالعدالة بين الأجيال في غضون بضع سنوات، لأن الروبوتات هي التي ستقوم، على سبيل المثال، ببناء منازل جديدة كثيرة وعالية الجودة. فإذا كنا اليوم نفتقر إلى عدد كاف من النجارين والبنائين وفنيي الكهرباء وعمال السقالات، فلنوكل هذه المهمات إلى الروبوتات البشرية. وسيصبح جيل الشباب، الذي كان مستقبله يبدو قاتماً قبل بضع سنوات فقط، قريباً الأوفر حظاً في تاريخ البشرية.
لكن المشكلة الواضحة في هذا الأمر هي كيفية تأمين دخل للأشخاص، الذين اعتادوا على كسب أجر. ففي ظل تغير الاقتصاد بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، سيقل عدد الأشخاص الذين يتقاضون أجراً، وسيضطرون إلى الاعتماد على الضمان الاجتماعي، إن كان لا يزال موجوداً، فالترفيه الجماعي قد يصبح مرادفاً للبطالة الجماعية.
إن المستفيدين من الثورة الصناعية المقبلة هم أصحاب رأس المال – أي أولئك المحظوظون الذين يمتلكون أسهماً في الشركات التي ستجني ثمار هذه الثورة، والمقصود هنا الشركات الناشئة التي تطور الذكاء الاصطناعي وتصنع الروبوتات، والشركات الأقدم التي ستنتفع من خفض تكاليفها بصورة جذرية – في مجالات متنوعة تتراوح بين خدمات التوزيع والفنادق، ووصولاً إلى المحاسبة وسيارات الأجرة، إضافة إلى الشركات العاملة في مجال توليد الطاقة والتبريد المائي لمراكز البيانات الضخمة.
ستظل بعض المهن في مأمن من منافسة الروبوتات، ويخطر لي أن إحداها هي مهنة لاعب كرة القدم، خصوصاً بعد أن شاهدت مباراة بين فريقي الروبوت هيومانويدز يونايتد وواندررز في بكين، إذ لا أعتقد أن إرلينغ هالاند وزملاؤه لديهم ما يخشونه. أما بالنسبة إلى الصحافيين، فقد لا يكون مستقبلهم مبشراً.
ما يسميه الاقتصاديون “التوزيع الوظيفي للدخل” – أي الأجور مقابل الأرباح – الذي كان حتى الآن محل اهتمام الطلاب الماركسيين، سيصبح حقل دراسة رائجاً، بل ومحورياً، لكن القرارات المتعلقة بطريقة ضمان “التوزيع العادل” للدخل والثروة ستكون سياسية في المقام الأول.
لا بد لي أن أقول بأن نظام الحكم الصيني، على رغم بشاعته من جوانب عدة، هو أنسب بكثير لحل هذه المسألة من أنظمتنا الغربية التي تتسم بقدر أكبر من الحرية الاقتصادية وتحركها قوى السوق. وإن أخذنا التاريخ مقياساً ودليلاً، فمن المرجح أن ننجرف نحو عالم أكثر وفرة، ولكنه مشوه بسبب انعدام المساواة الفظيع في الثروة والدخل، وربما ينزلق نحو فوضى التغير المناخي.
كانت الدورة الثانية من ألعاب الروبوتات البشرية العالمية مسلية، لكنها شكلت أيضاً خطاً فاصلاً. بالنسبة إلينا نحن البشر، ستكون ثورة الروبوتات المقبلة نعمة ونقمة في آن واحد.
