
المخرج الروماني حاز جائزة “النمر الذهبي” (خدمة المهرجان)
ملخص
اختُتمت مساء أمس الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان لوكارنو السينمائي بتتويج الفيلم الروماني “أنتَ لا تنتمي إلى هنا“ للمخرج فلورين شربان بـ”النمر الذهبي”. وكان المهرجان شهد أحد عشر يوماً من المنافسة بين أفلام تراوحت بين الجيد والمتوسط، تحت شمس الصيف الحارقة وفي أجواء مفتوحة حوّلت هذا الحدث السينمائي السويسري، إلى احتفالية عالمية يتقاطر إليها جمهور وسينمائيون من كل حدب وصوب.
مرة أخرى، بعد مهرجان “كان”، يذهب اللقب الأكبر في تظاهرة سينمائية عريقة إلى مخرج روماني (كريستيان مونجيو فاز بـ”سعفة” في “كان” 2026 عن “فيورد”)، في تأكيد جديد للزخم الذي لا يزال يطبع المشهد السينمائي الروماني، حيث تتوالى المواهب والأفلام، وإن اختلفت أساليبها وأنماطها وطموحاتها، ضمن حركة بصرية تبدو متواصلة ومنتظمة نحو عقدين.
شربان، المخرج البالغ الـ51 سنة، خريج فلسفة، درس أيضاً الإخراج، في السينما والمسرح. دخل عالم الفن السابع من باب عريض مع فيلمه الروائي الأول “إذا أردت أن أصفر، سأصفر” (2010)، الذي شارك في مسابقة مهرجان برلين، ونال يومها “الدب الفضي”، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم. وبعد خمس سنوات شارك في مهرجان كارلوفي فاري وتورونتو بفيلمه “صندوق”. ثم انصرف لسنوات إلى مشروعه التعليمي “مدرسة السينما”، التي أسسها مع عدد من السينمائيين، قبل أن يعود إلى الإخراج مع “أنتَ لا تنتمي إلى هنا”، مستأنفاً مساراً سينمائياً انقطع لسنوات، لكنه لم يخمد.
الفيلم، الذي تتجاوز مدته الساعتين ونصف الساعة، هو عن صراع الأجيال ويتمحور حول ماريوس (أدريان فانتسيكا)، المدير الطبي لمستشفى في بلدة صغيرة، الذي يعيش وحيداً مع ابنه المراهق يوان (تيودور بوتانيسكو) منذ وفاة زوجته. طبيب واثق من نفسه، يبدو ممسكاً بزمام حياته ومهنته، لكنه يجهل تماماً أن ابنه يجوب شوارع البلدة ليلاً على دراجته، برفقة عصابة من الملثمين، يتولون تخريب السيارات في ما يشبه عدالة ليلية على القانون. غير أن عالم ماريوس المستقر يتصدع حين يكتشف أن الشرطة بدأت تشتبه في تورط ابنه في جريمة قتل. فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة النظر، ليس في ابنه فحسب، وإنما في الصورة التي رسمها عن حياته وعن العالم من حوله.
يقول شربان في ملاحظته الإخراجية: “هذا الفيلم، قبل أي شيء، بورتريه لطريقة في النظر إلى العالم قد تكون آيلة إلى الاختفاء. أو ربما ينبغي لها أن تختفي”.
انبثقت الفكرة من مشهد كتبه شربان قبل سنوات لصف في التمثيل، حين كان يدرس السينما في بوخارست. كان الموضوع يومها يدور حول الصراع بين الأجيال، والمشهد يضع أباً أمام مهمة إخفاء الاحتقار الطاغي الذي يشعر به تجاه ابنه. كان في هذا الشعور شيء بدا لشربان خطأ، وظل يلاحقه لسنوات. ثم تذكر، في وقت لاحق، مقولة هانا أرندت الشهيرة: “أكثر الثوريين راديكالية يصبح محافظاً في اليوم التالي للثورة”.
وهكذا أخذت الفكرة شكلها النهائي. لم يعد الأمر مجرد احتقار أب لابنه، ولكن تحول احتقار ثوري قديم لثوري جديد. إنه جيل أنجز ثورته، ثم استقر داخل النظام الذي أسهم في صنعه، في مواجهة جيل آخر يريد أن يقلب الطاولة من جديد. في هذا التناقض وجد شربان العمود الفقري لحكايته، وظل متمسكاً به حتى اللحظة التي بدأ فيها اختيار الممثلين.
الحركة اليمينية المتطرفة التي تظهر في الفيلم، استوحاها شربان من مجموعة روسية أسستها منظمة “ناشي”، التي وُصفت على نطاق واسع أنها بمثابة “الجيش الخاص” لبوتين. اشتهرت المجموعة بملاحقة مخالفات المرور في موسكو، لا سيما السيارات المتوقفة بصورة غير قانونية على الأرصفة، من خلال إلصاق ملصقات على زجاجها الأمامي. امتد صدى التجربة إلى بلدان أخرى في أوروبا الشرقية، لكنه لم يعمر طويلاً في رومانيا، رغم أن احتلال السيارات للأرصفة لا يزال فيها مشكلة مزمنة.
ومن هذه الواقعة يبني شربان واحدة من أكثر مفارقات الفيلم إثارة: كيف يمكن لمراهق ينطلق من رغبة تبدو مشروعة، بل نبيلة، في الدفاع عن النظام المدني، أن يجد نفسه، خطوة بعد أخرى، منجرفاً نحو العنف، ثم نحو مواقف عنصرية ومعادية للسامية ورهاب المثلية؟ هذه أفكار ربما كان سيرفضها بشدة لو طُرحت عليه في البداية.
يقول المخرج: “على هذه الأرضية تتكون عائلة الفيلم: أب وابن تمزقت العلاقة بينهما. أب ذو ملامح تراجيدية، حلم ذات يوم بأن يترك أثراً في العالم، وابن يشعر بأن والده يحط من شأنه، فيبحث عن الاعتراف بذاته عبر خوض “معارك” من أجل النظام المدني. يضاف إلى ذلك شكل خفي من العنصرية المؤسساتية، لا يعترف بها أحد، لكنها قائمة وفاعلة، وأخيراً تلك البلدة الصغيرة التي تتحول إلى مختبر لكل هذه التوتر.
جوائز أخرى
وُزِعت جوائز كثيرة في مهرجان يُعد من الأكثر سخاء بين المهرجانات السينمائية الدولية، إذ تأتي بعض جوائزه مرفقة بمكافآت مالية تصل إلى نحو 100 ألف دولار، كما في حال الجائزة الكبرى التي أُعطيت لشربان. لكثرتها، نكتفي بجوائز المسابقة الدولية، بحيث ذهبت الجائزة الثانية من حيث الأهمية، أي “جائزة لجنة التحكيم الخاصة”، إلى الفيلم البرازيلي الألماني “ضفة النهر” لماتيوس فارياس وإينوك كارفالو.
يقدم المخرجان فيلمهما بوصفه “رحلة بين اليابسة والماء، بين النور والظل، بين الرغبة والخوف”. يعمل إزاكييل منظفاً في ريسيفي، ويغامر ليلاً بالتوغل في غابات المانغروف بحثاً عن لقاءات سرية، إلى أن يقوده تعرفه إلى جيريمياس، صياد غامض، وسط تهديد عنيف يضيق الخناق عليهما كلما توغلا في أعماق المستنقعات.
جائزة الإخراج ذهبت إلى الكوري الجنوبي هونغ سانغ سو، أحد أكثر السينمائيين غزارة ونشاطاً في العالم، رغم بلوغه منتصف الستينات. وقد حضر سانغ سو إلى لوكارنو مراراً، شأنه في ذلك شأن المهرجانات الكبرى التي يتنقل بينها على مدار العام، من برلين إلى كان فالبندقية. صور فيلمه الجديد في ستة أيام فقط، وهو، كعادته، مقتصد في مدته، إذ يتجاوز الـ70 دقيقة بقليل. أما جائزة التمثيل، فذهبت إلى ممثلته كيم مينهي، التي ظهرت في عدد من أفلام سانغ سو وتربطهما علاقة عاطفية، عن دور سانغهي، المرأة التي تعود بعد غياب 10 سنوات إلى جزيرة جيجو لزيارة والدتها. تجد سانغهي عائلتها وقد تبدلت خلال سنوات الغياب، فيما تكشف الزيارة، وسط المجاملات والنصائح والحقائق المستجدة، عن مسافات خفية أخذت تتسع بين أفرادها. وتقاسمت مينهي الجائزة مع الإيطالية مونيكا بيللوتشي، عن دور الأم في “كيتيتشي” لجيوفاني تورتوريتشي، الذي تدور أحداثه قبل نحو عقد في باليرمو.