
جميلة بوحيرد مناضلة ومواطنة نقدية باستمرار (اندبندنت عربية)
ملخص
نعم، لا تزال جميلة بوحيرد جميلة وأنيقة وذات مواقف واضحة وجريئة، مثقفة وقارئة وذكية لم تعط لسانها للقطة، ولم تضعه في جيبها، لسانها نصفها.
المرأة ليست عورة، المرأة ثورة وثروة.
بكل بساطة، وبشكل مباشر، أعتقد، وأنا أعاين هذا القلق الهوياتي والثقافي الذي تعيشه المرأة الجزائرية والذي يتجلى في السلوك وفي اللباس وفي لكنة اللغة وفي الحضور، بأن هناك غياباً كبيراً للرأسمال الرمزي الوطني الأنثوي في مجتمعنا، ذلك الرأسمال الذي من المفروض أن يتأسس عليه بناء شخصية المرأة والرجل على حد سواء بعيداً عن التحلل في هذا أو ذاك.
حين نقف على حجم هوس المرأة الجزائرية بتقليد نساء بعينها في السلوك والتدين واللكنة، نساء غزون الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، في مثل هذا الوضع المختل ندرك يقيناً بأن رأسمالنا الرمزي من النساء النموذجيات الناجحات قد أصابه خلل أو تهميش أو تشويه.
وسأتوقف عند واقع الأيقونة جميلة بوحيرد، هذا الرمز الذي لا يحول ولا يصدأ، والتي لا تزال تعيش بيننا في شقتها بمدينة الجزائر العاصمة، أطال الله في عمرها، ملاك يمشي على الأرض، وهنا أنا متأكد بأن الكثيرات من نساء الجزائر، ناهيك عن النساء في شمال أفريقيا والعالم العربي، يعتقدن بأن المجاهدة الثائرة جميلة بوحيرد قد رحلت عن هذا العالم منذ زمن، وربما بعضهنّ يعتقدن بأنها شهيدة من شهداء ثورة التحرير.
وهذا الاعتقاد بأن جميلة بوحيرد ميتة ليس بريئاً، بل له أسباب كثيرة، وأولها تغييبها عن المشهد الإعلامي، وتهميشها عن كل الحلقات التي تساهم في صناعة الوعي التاريخي والاجتماعي في الجزائر.
نعم، لا تزال جميلة بوحيرد جميلة وأنيقة وذات مواقف واضحة وجريئة، مثقفة وقارئة وذكية لم تعط لسانها للقطة، ولم تضعه في جيبها، لسانها نصفها.
جميلة بوحيرد مناضلة ومواطنة نقدية باستمرار، لا تهادن الغباء والكسل والنفاق بكل أشكاله السياسية والثقافية والدينية.
لماذا هذا الغياب لامرأة شكلت محوراً من محاور تاريخ الجزائر المعاصر؟
إن الجزائر، ليست بحاجة إلى التنقيب أو الحفر في الذاكرة كي تعثر على رمز تتوفر فيه كل الخصائص التاريخية كالصدق والشجاعة والوطنية بمفهوماتها الإنسانية العالمية، فجميلة بوحيرد التي لطالما شغلت السياسيين ورجال القانون والشعراء والمسرحيين والسينمائيين والتشكيليين لا تزال بيننا حاضرة ببهاء قل نظيره وهي تتخطى عقدها التاسع، تبتسم وتنتقد ولا تتردد في إبداء رأي في أمر مهما كان الشخص أو الحزب أو القوة التي تقف وراءه.
إن جميلة بوحيرد الرمز لا تنتمي إلى عالم “اليوتوبيا” التاريخية التي قد تخدعنا بل هي جزء من هذا الواقع اليومي الذي ينكسر تارة ويتعافى تارة أخرى.
إن استمرارية أسطورة جميلة بوحيرد يكمن في قدرتها على البقاء من دون ابتذال أو تشويه.
أن يحافظ الرمز على رمزيته القوية على الرغم من احتكاكه بواقع مليء بالانكسارات والفساد فتلك هي معجزة جميلة بوحيرد.
تغيرت الازمنة السياسية كثيراً في البلاد وتبدلت الأيديولوجيا الغالبة والمتناحرة من اشتراكية إلى رأسمالية إلى إسلامية لكن جميلة بوحيرد ظلت جميلة فوق الجميع، وتلك هي جميلة بوحيرد.
تتبدل حكومات وأطيح بأنظمة عسكرية أو سياسية وجاءت برلمانات التصفيق، وبيعت ذمم واشتريت ذمم أخرى، لكن جميلة بوحيرد ظلت عصية على الترويض، فوق الأسواق والبورصات جميعها، تلك هي جميلة بوحيرد.
على الرغم من معارك الهويات واللغات في الجزائر، بين أمازيغ يناضلون من أجل استعادة لغتهم وثقافتهم وآخرين يريدون العربية والعروبة وفرانكفونيين خائفين من تقلص حجم الفرنسية وآخرين حالمين بلغة شكسبير، ظلت بوحيرد مدافعة عن هوية واحدة: الجزائر.
استقبلها الرؤساء والملوك والوزراء في الشرق والغرب، استقبلوها استقبال الملوك، لكنها لم تفقد توازنها ولم تكن سجادة الاستقبال الملكية التي تمشي عليها حاجزاً بينها وبين حرارة الأرض التي مشت عليها في الإحياء الشعبية البسيطة في مدينة الجزائر.
تقف جميلة بوحيرد مع قضايا المثقفين الحقيقيين ولم تدع يوما بأنها مثقفة.
تحب جميلة بوحيرد شعر أدونيس كثيراً لكنها لم تتطفل يوماً على مجلس الشعر، وهي التي لم يسلم شاعر عربي واحد من سحرها وأسطوريتها، فقد كتب عنها شعراء الخمسينات والستينات جميعهم، دخلت القصيدة العمودية فكانت فيها قافية وصدراً وعجزاً، وسكنت قصيدة النثر فكانت لها نوتة موسيقية لا بديل لها.
حاول القوميون استمالة جميلة بوحيرد فاستعصت عليهم، وظلت وفية للنشيد الوطني: قسماً.
حاول تجار الوطنية المزكومة الاستثمار في اسم جميلة بوحيرد، فكان لسانها أقسى عليهم وأحدّ من السيف ومن الشهب.
حاول الإسلاميون مغازلتها كي تكون مفتاحاً لهم إلى سجل التاريخ الذي أخطأوه، فاستنكرت وكانت لهم سداً منيعاً، تلك هي جميلة بوحيرد.
حاول الفرانكوفيليون استمالتها، لكن لكنتها العاصمية وصوت سيدي عبد الرحمن الثعالبي حارس الجزائر ظل يهتف في أذنيها، تلك هي جميلة بوحيرد.
عرفت الجزائر الإرهاب، وكان الموت في الشوارع صباحاً ومساء، في الجامعة وفي الحافلة وفي المستشفيات وفي المدارس وعلى الأرصفة وداخل البيوت وفوق الأسرّ ة، عاشت الجزائر الرعب في أعلى درجاته ولم تغادر جميلة بوحيرد البلد، ولم تلتجئ لا للشرق ولا للغرب، ولم تطلب أمناً ولا حق اللجوء، ظلت في بيتها، في شقتها وسط العاصمة، تلك هي جميلة بوحيرد.
أجريت لجميلة بوحيرد عملية جراحية معقدة، ولم تشتكِ لرئيس أو أمير، كانت ابنة الشعب، تطالب بحقها وليس أكثر من حقها، وعلى الرغم من عطب الجسد إلا أن الروح لم يصبها عطب والموقف لم يصبه خذلان، هي جميلة بوحيرد.
تبدل لباس الجزائريات كثيراً، تارة تحت الخوف والترهيب والقتل وتارة تحت تأثير الدعاية الإسلاموية الإخوانية ولكن جميلة بوحيرد ظلت منسجمة مع ذاتها، سيدة جسدها ولباسها، لم تهزها رياح الأيديولوجيا ولا عالم النفاق، سيدة الحشمة والعقل الفصيح. وكما واجهت المستعمر واجهت تجار الدين بلباسها الطبيعي الأنيق البسيط.
كي نعيد جميلة بوحيرد إلى مجتمعها، ونستفيد منها حية، علينا أن نفتح لها المدارس والجامعات، كي تتحدث، كي تشاهدها الفتيات اللواتي أكل الدعاة تجار الدين السياسي عقولهنّ، كي يتعرفن بحق على جداتهنّ في أبهى صورهنّ.
لقد ظل فيلم “جميلة” الذي أخرجه يوسف شاهين بيضة الديك، لم يتجرأ أحد على المغامرة بفيلم جديد يعيد الأيقونة جميلة بوحيرد وبخطاب سينمائي جديد إلى الجيل الجديد الذي شوهته ثقافة الاستهلاك، لم يقدم لنا المسرح الجزائري ملحمة أو مسرحية عن جميلة بوحيرد وقد مرت مناسبات كثيرة.
إن تغييب صورة جميلة بوحيرد من السينما والمسرح والنقاش حول المرأة هي مؤامرة حقيقية ضد التاريخ، وهي مؤامرة ضد المرأة الجزائرية التي صنعت التاريخ، وهي في الوقت نفسه فتح الطريق لتكريس صورة معطوبة عن المرأة الجزائرية ضحية ثقافة المسخ وغسيل الدماغ.
الجزائر الجديدة المعاصرة لا تصنع بالإنجازات المادية فقط، على أهمية ذلك، لأن هذه الإنجازات المادية إذا لم تكن مسنودة إلى رأسمال قوي من الرموز التي تقاوم الاستلاب وتقاوم الانهزامية فإنها ستنهار بشكل سريع، وجميلة بوحيرد أهم رأسمال رمزي لا يزال يمشي في الأسواق ويعيش بيننا لكن في الإهمال والتهميش.
حين يضيع المجتمع رموزه التي صنعت تاريخه ومجده، رموزه في التاريخ العميق وفي الثورة وفي الثقافة والفن الراقي سيجد المواطن نفسه مجبراً على البحث عن رموز أخرى في ثقافات أخرى لينتمي إليها ويجعل منها نموذجه، وفي مثل هذه الحالة يتعرض المجتمع برمته إلى عملية استلاب خطيرة، والاحتفاء بالأيقونة جميلة بوحيرد هو إنقاذ للبلد من الانهيار الأخلاقي والثقافي والديني والسياسي.