اكرم حسين كاتب
يُشكّل إعلان انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» كقوة عسكرية مستقلة، واندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية في الخامس والعشرين من آب الحالي، بعد يوم واحد فقط من رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لحظة مفصلية في تاريخ البلاد. فالمشهد لا يتعلق بمجرد حل تشكيل عسكري نشأ خلال سنوات الحرب، بقدر ما يعكس انتقالاً ملموساً من مرحلة تعدّد مراكز القوة إلى مرحلة جديدة عنوانها الدولة، والسلام، والمصالحة، وإعادة البناء ، وقد أثار هذا التحول ردود فعل متباينة، ولا سيما في الوسطين العربي والكردي.
ففي قطاعات من الرأي العام العربي، قُرئ الحدث بوصفه انتصاراً للدولة السورية، واستعادة لسيادتها ووحدة قرارها العسكري، ونهاية لمشروع قسد «الانفصالي » كقوة مستقلة.
في المقابل، أثار الإعلان لدى قطاعات من المجتمع الكردي مشاعر الحزن والقلق، نظراً إلى أن «قسد» ارتبطت، خلال سنوات الحرب، بتجربة عسكرية وسياسية وإدارية، وبما رافقها من تضحيات وآمال كبيرة ، ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في معادلة «انتصار عربي وهزيمة كردية» يبقى قراءة سطحية للحظة التاريخية. فبين حل تشكيل عسكري وبين إنهاء قضية شعب وحقوقه، مسافة واسعة ينبغي عدم تجاهلها.
فانتهاء «قسد» كقوة عسكرية مستقلة لا يعني، بأي حال، انتهاء القضية الكردية. هناك فرق جوهري بين مصير تشكيل عسكري وبين حقوق شعب ومواطنيه. وإذا كانت سنوات الحرب قد دفعت الكرد إلى الاعتماد على القوة العسكرية والإدارة المحلية لحماية وجودهم ومصالحهم، فإن المرحلة الجديدة يفترض أن تنقل هذه الحماية من السلاح إلى الدستور والقانون، ومن المؤسسات الموازية إلى مؤسسات دولة تضمن حقوق جميع مواطنيها ، ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال الحلم الكردي في بقاء «قسد» أو استمرار الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة. فجوهر هذا الحلم، في النهاية، هو أن يعيش الكرد في سوريا بوصفهم مواطنين متساوين، يتمتعون بحقوقهم اللغوية والثقافية والسياسية، وألا يكون انتماؤهم القومي سبباً في حرمانهم من أي حق أو منصب أو فرصة ، ولذلك، فإن التحدي الأساسي أمام سوريا الجديدة يتمثل في بناء دستور يؤسس لمواطنة متساوية، ويعترف بالتنوع القومي والثقافي، ويحمي اللغة والثقافة الكرديتين، ويمنع التمييز على أساس القومية أو اللغة، ويضمن مشاركة سياسية عادلة في مؤسسات الدولة ، وفي هذا السياق، فإن اللغة الكردية ليست امتيازاً ممنوحاً من أحد، بل هي جزء من التنوع السوري ، والدولة الواثقة من نفسها لا تخشى تعدّد اللغات والثقافات، وإنما تحمي هذا التنوّع ضمن إطار المواطنة ووحدة البلاد. غير أن هذا الانتقال لا يخلو من مخاطر حقيقية؛ إذ يرى البعض أن حل «قسد» قد يضعف القضية الكردية إذا لم ترافقه ضمانات سياسية ودستورية واضحة، خصوصاً أن الكرد سيفقدون إحدى أهم أوراق القوة التي امتلكوها خلال السنوات الماضية، لينتقلوا من موقع عسكري تفاوضي إلى موقع سياسي يعتمد بدرجة أكبر على التزام الدولة بوعودها ، ومن هنا تحديداً، يصبح بناء الثقة معياراً أساسياً لنجاح المرحلة المقبلة. فنجاحها لا يقاس بعدد المقاتلين الذين يندمجون في الجيش أو المؤسسات الأمنية، وإنما بمدى شعور المجتمع الكردي بالأمان والثقة تجاه الدولة. فالدمج العسكري وحده لا يكفي؛ المطلوب أيضاً دمج سياسي ومؤسساتي واجتماعي، بحيث يشعر الكرد أن دخولهم إلى مؤسسات الدولة لا يشكل تهديداً لهويتهم، بل يعزّز حضورهم في إطار المواطنة السورية.
وفي المقابل، من حق العرب أيضاً أن تؤخذ مخاوفهم من استمرار أي قوة عسكرية أو إدارة خارج سلطة الدولة بالجدية نفسها. فسوريا تحتاج إلى جيش وطني واحد، وسيادة واحدة، وقرار سياسي موحد. لكن وحدة الدولة لا تعني بالضرورة العودة إلى المركزية والإقصاء، كما أن الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي لا يعني تقسيم البلاد أو تهديد وحدتها ، وعليه، فإن المعادلة التي يبحث عنها السوريون اليوم تبدو ممكنة وواقعية: دولة واحدة، وجيش واحد، وسيادة واحدة، مع إدارة أكثر لامركزية وحقوق متساوية لجميع المواطنين ، وفي ظل هذه المعادلة، يمكن أن تتحول نهاية «قسد» من مصدر للقلق إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة ملفات تتجاوز المسألة العسكرية. فسوريا تحتاج إلى إعادة الإعمار، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وقوانين عادلة، واقتصاد قادر على توفير فرص العمل. كما تحتاج إلى تهيئة الظروف لعودة اللاجئين والنازحين، ومعالجة أوضاع المخيمات، وإعادة دمج المجتمعات التي أنهكتها سنوات الحرب، بعيداً عن منطق الانتقام أو الإقصاء ، وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم هو: هل ستتمكن سوريا من الانتقال من دولة تدير اختلافاتها بالقوّة إلى دولة تدير تنوّعها بالدستور والقانون؟
إذا نجحت في ذلك، فلن يكون الخامس والعشرون من آب نهاية للحلم الكردي، بل بداية لانتقاله من مرحلة السلاح إلى مرحلة السياسة والحقوق الدستورية والمشاركة في صناعة الدولة. أما إذا بقيت الوعود من دون ضمانات واضحة، فقد لا يكون حل «قسد» نهاية للمشكلة، بل مجرد انتقال لها من ساحات القتال إلى ساحات السياسة.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم مشتركة. فعلى دمشق أن تبني دولة المواطنة والمساواة، وعلى القوى الكردية أن تنتقل من منطق المعارضة والصراع إلى منطق السياسة والشراكة الوطنية ، والغاية في النهاية أن تصبح سوريا بلداً لا يُسأل فيه المواطن عن قوميته قبل حقوقه، ولا تُحدد قدرته على الوصول إلى مواقع المسؤولية بحسب أصله، بل بحسب كفاءته وإرادة الناخبين .
إن هدف السوريين، في جوهره، ليس دولة أحادية اللون أو الهوية، وإنما دولة واحدة لا أحاديّة؛ سوريا المواطنة، دولة العدل والقانون والمساواة. سوريا التي يكون فيها الكرد والعرب وسائر مكونات المجتمع شركاء كاملين في الوطن والدولة والثرّوة .
عرض أقل