
جنود أميركيون خلال مناورة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في بيموفو بيسكي، بولندا، مايو (أيار) 2026 (رويترز)
ملخص
رسخ الوجود العسكري الأميركي الممتد منذ الحرب الباردة اعتماد أوروبا على واشنطن، على رغم امتلاك القارة الموارد الاقتصادية والعسكرية التي تمكنها من تحمل مسؤولية دفاعها التقليدي. تقليص القوات الأميركية في أوروبا إلى نحو 40 ألف عسكري وسحب جزء من الوحدات البرية والجوية والبحرية يمكن أن يدفع الأوروبيين إلى بناء قدراتهم، ويخفف أعباء واشنطن العالمية من دون الإضرار بمصالحها الأمنية.
قبل وقت طويل من توليه الرئاسة، شدد دونالد ترمب، في إعلان نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1987، على أن “على أميركا أن تتوقف عن دفع كُلف الدفاع عن دول قادرة مالياً على الدفاع عن نفسها”.
وظلت هذه الفكرة ركناً ثابتاً في خطابه المتعلق بالسياسة الخارجية منذ دخوله البيت الأبيض للمرة الأولى، مع تركيز خاص على تطبيقها في أوروبا.
وخلال ولايته الأولى، أثار ترمب قلق الحلفاء الأوروبيين بتهديده بانسحاب الولايات المتحدة من الـ “ناتو”، عاداً أن أعضاء الحلف لا ينفقون ما يكفي على دفاعهم، وأنهم يعتمدون مجاناً على دافعي الضرائب الأميركيين، لكنه لم ينفذ تهديده في نهاية المطاف، ولم تتجاوز جهود إدارته محاولة متأخرة وفاشلة في صيف عام 2020 لسحب 12 ألف جندي من ألمانيا.
أما هذه المرة، فقد جعلت إدارته من نقل أعباء الدفاع إلى الحلفاء شعاراً رئيساً، ويبدو أنها مستعدة للتحرك على هذا الأساس، فبعد وقت قصير من توليه منصبه، توجه وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى بروكسل لإبلاغ نظرائه بأن على الولايات المتحدة التركيز على أولويات أخرى غير الدفاع عن أوروبا، وقال إن على أوروبا نفسها “تحمل مسؤولية الأمن التقليدي في القارة”، وفي الشهر الماضي أطلق البنتاغون “مراجعة الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا” لتحويل هذه الرؤية إلى واقع، بهدف إجراء تقييم نقدي لانتشار القوات الأميركية والتزاماتها المتعلقة بالقواعد العسكرية في القارة. وعند إعلانها خلال اجتماع وزراء دفاع الـ “ناتو”، قال هيغسيث بوضوح إنه “يمكن لأوروبا، بل يجب عليها، أن تتحمل المسؤولية الرئيسة عن دفاعها التقليدي”، ومن شأن تحقق ذلك أن يحدث تحولاً كبيراً في طبيعة التحالف عبر الأطلسي.
فمنذ تأسيس الـ “ناتو” بعد الحرب العالمية الثانية، تكفّلت الولايات المتحدة إلى حد بعيد بالدفاع عن أوروبا، واحتفظت بأعلى منصب عسكري في الحلف، وبعد أكثر من 75 عاماً، لا يزال الإنفاق العسكري الأميركي يمثل نحو 60 في المئة من إجمال الإنفاق العسكري لدول الـ “ناتو”، فيما تنشر واشنطن نحو 80 ألف جندي في القارة الأوروبية والمملكة المتحدة، وأدت عقود من الهيمنة الأميركية إلى اعتماد أوروبا بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في القيادة والتكنولوجيا والإنفاق الدفاعي.
وإذا كانت إدارة ترمب جادة في نقل مسؤوليات الدفاع إلى أوروبا، فإن المراجعة الحالية تتيح فرصة نادرة لتحقيق ذلك، فمن شأن خفض كبير في الوجود العسكري الأميركي بالقارة خلال العامين المقبلين أن يجبر الأوروبيين على بناء قوات وقدرات ظلوا يعتمدون حتى الآن على الولايات المتحدة لتوفيرها، وأن يعزز في الوقت نفسه وضع واشنطن الدفاعي، فالولايات المتحدة مثقلة بديون تبلغ 40 تريليون دولار، وتضيف إليها نحو تريليوني دولار سنوياً، من دون أن تلوح في الأفق إصلاحات مالية كبرى، وعلى رغم هذا الوضع المالي المتردي، تنفق نحو 100 مليار دولار سنوياً على الدفاع عن أوروبا.
وليست المشكلة جديدة، فعلى رغم أن الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عهد دوايت أيزنهاور حثت أوروبا على بذل مزيد من الجهد للدفاع عن نفسها، ظل الأوروبيون يتقاعسون عن الوفاء بالتزاماتهم، وحتى اليوم لا يزال بعض القادة الأوروبيين يأملون في أن يعود الـ “ناتو” لـ “وضعه الطبيعي” إذا تمكنوا من الانتظار حتى انتهاء ولاية ترمب الثانية، ولن يقتنع الحلفاء بأن الولايات المتحدة عازمة فعلاً على تسليمهم مسؤولية الدفاع التقليدي عن المنطقة إلا إذا سحبت قواتها، ولن يجبرهم شيء آخر على التخطيط لمستقبل لا تتولى فيه واشنطن زمام القيادة، ومن المتوقع أن تواجه هذه الخطوة مقاومة من القادة الأوروبيين والكونغرس الأميركي، لكن تقليص الوجود العسكري ضروري لتخفيف عبء الانتشار الأميركي المفرط، ويمكن تنفيذه من دون الإضرار بالمصالح الأميركية.
درع موقتة
كان من المفترض أن يكون وجود القوات الأميركية في أوروبا خلال أواخر أربعينيات القرن الماضي وأوائل خمسينياته بمثابة درع موقتة، ريثما تعيد دول أوروبا الغربية بناء اقتصاداتها التي دمرتها الحرب، لكن القوات بقيت هناك بعد اكتمال إعادة الإعمار بوقت طويل. وفي ذروة الحرب الباردة، كان لدى الولايات المتحدة أكثر من 400 ألف جندي في القارة الأوروبية، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي، زال المبرر الرسمي الذي قام عليه الـ “ناتو”.
وبالنسبة إلى واشنطن، تحول الحلف بعد ذلك أساساً إلى وسيلة لترسيخ القوة والنفوذ الأميركيين ضمن إطار مؤسسي، وعلى رغم تراجع إجمال عدد القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا بمرور الوقت، فإنه لم ينخفض قط إلى ما دون 60 ألف جندي، ومع زوال التهديد السوفياتي استفادت الحكومات الأوروبية من “مكاسب السلام”، فوسعت برامجها الاجتماعية وخفضت إنفاقها العسكري بصورة حادة، وفي الوقت نفسه أخذ الحلف على عاتقه التزامات جديدة، مقدماً وعوداً بالحماية لدول صغيرة وهشة مجاورة لروسيا، من دون التفكير بما يكفي في المتطلبات الفعلية للدفاع عنها.
وبحلول عام 2014، حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، كانت أوروبا قد أصبحت شديدة الاعتماد على الولايات المتحدة في أمنها، في وقت كانت واشنطن منشغلة بالفعل في الشرق الأوسط، وتوجه اهتماماً متزايداً إلى تنامي القوة العسكرية الصينية، ولا يزال هذا الوضع قائماً حتى اليوم.
وأجرى البنتاغون آخر مراجعة رسمية شاملة للانتشار العسكري الأميركي حول العالم عام 2021، خلال السنة الأولى من إدارة جو بايدن، وقدمت المراجعة بعض التوصيات المحدودة، لكن خلاصتها العامة كانت أن الوضع القائم مناسب إلى حد كبير. وفي آسيا، أوصت بالبحث عن مواقع إضافية يمكن للقوات الأميركية العمل منها، وتعهدت بتعزيز تحصين القواعد هناك، لكنها لم تفعل الكثير لزيادة الوجود الأميركي في المحيط الهادئ، واختارت بدلاً من ذلك إضافة قدرات جديدة إلى قوة أميركية كبيرة موجودة أصلاً في أوروبا، فعلى سبيل المثال، أقرّت المراجعة رسمياً قرار الرئيس جو بايدن إبقاء القواعد العسكرية في ألمانيا وبلجيكا مفتوحة، في تراجع عن خطة ترمب لتجميعها في عدد أقل من المواقع، وأعلنت أن وحدة جديدة تابعة للجيش الأميركي، مجهزة بصواريخ بعيدة المدى وقدرات متقدمة للحرب الإلكترونية، تعرف باسم “قوة المهمات متعددة المجالات”، ستُنشر في ألمانيا بحلول عام 2026.
تستطيع أوروبا تحمل كلفة تولي مسؤولية الدفاع عن نفسها
وبعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا مطلع عام 2022، ازداد الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، فرفع بايدن عدد القوات هناك إلى نحو 100 ألف جندي، تدعمهم سبعة أسراب من المقاتلات وست مدمرات ونحو 100 قنبلة نووية تُلقى من الطائرات، وكذلك صاغ التزامات الولايات المتحدة تجاه الـ “ناتو” بأوسع العبارات، متعهداً “بالدفاع عن كل شبر من أراضي الـ ’ناتو‘”، وذهب بذلك أبعد كثيراً من نص المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك، التي لا تلزم كل دولة عضو بعد تعرض أحد الحلفاء لهجوم، إلا باتخاذ الإجراء الذي “تراه ضرورياً”.
ومن حيث الخطاب، مثّل نهج ترمب تجاه أوروبا منذ عودته للبيت الأبيض خروجاً حاداً عن نهج بايدن، لكنه لم يُحدث حتى الآن سوى تغييرات هامشية في الوجود العسكري الأميركي، ففي العام الماضي سحب البنتاغون نحو 800 جندي من أصل 1700 جندي أميركي كانوا متمركزين في رومانيا، وفي الربيع أعلن خفضاً إضافياً مقداره 5 آلاف جندي من القارة، على رغم استمرار الغموض حول تفاصيل هذا الخفض والقوات التي سيشملها، وكذلك خفضت الإدارة مساهمات الولايات المتحدة في نموذج قوات الـ “ناتو”، الذي يحدد حجم القوات والقدرات التي سيرسلها الأعضاء وأنواعها في حال نشوب صراع، وألغت خطة بايدن لنشر صواريخ بعيدة المدى في ألمانيا.
لكن هذه التغييرات لم تكن كافية لإقناع الحلفاء بأن الولايات المتحدة جادة في نقل مسؤولية الردع التقليدي إليهم، فلم ينخفض عدد العسكريين الأميركيين في أوروبا إلا إلى نحو 80 ألفاً، وهو تقريباً العدد الذي كان موجوداً عندما تولى ترمب ولايته الأولى، وعلى رغم الصدمات الشديدة التي تعرض لها التحالف، مثل تهديدات الرئيس المتعلقة بغرينلاند، فإن بعض الأوروبيين لا يزالون يعتقدون أن إبقاء ترمب راضياً قد يكفي لعودة العلاقات عبر الأطلسي لوضعها السابق، بمجرد مغادرته منصبه. وفي الوقت نفسه، يخشون أن يذهبوا بعيداً وبسرعة في تحمل مزيد من المسؤوليات الدفاعية، خشية أن يعجل ذلك بالانسحاب الأميركي الذي يحاولون تجنبه، والنتيجة هي الجمود، أي النقيض تماماً مما تقول الإدارة إنها تسعى إليه.
زيادة الإنفاق لا تعني زيادة القوة العسكرية
على رغم أن إدارة ترمب جاءت إلى السلطة راغبة في تقليص الدور الأميركي في أوروبا، لكنها اكتفت بدلاً من ذلك بالضغط على الحلفاء لزيادة موازناتهم الدفاعية، لكن زيادة الإنفاق الأوروبي لا تعني تقليص الدور الأميركي، فالغاية من أن تقوم أوروبا بدور أكبر هي أن تتمكن الولايات المتحدة من القيام بدور أقل.
وقد أدت ضغوط ترمب، إضافة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى زيادة الموازنات الدفاعية في عدد من الدول الأوروبية، لكن احتساب عدد الدول التي تنفق نسبة معينة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع ليس مقياساً جيداً لقدرات أوروبا، فوفق معايير الإدارة، تشمل قائمة الدول الأفضل أداء دول البلطيق، وهي دول صغيرة ذات اقتصادات صغيرة، وحجم الاقتصاد مهم، إذ إن إنفاق نسبة كبيرة من اقتصاد صغير لا يعني أموالاً كثيرة أو قوة عسكرية كبيرة، وفي المقابل لننظر إلى أكبر خمسة اقتصادات أوروبية: ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فإذا أنفقت هذه الدول ما يكفي، وأنفقت أموالها بكفاءة، فيمكن حماية المصالح الأميركية في المنطقة من دون حاجة إلى انضمام أميركي كبير، وتستطيع واشنطن عندئذ إغلاق قواعدها وإعادة توزيع قواتها وأصولها العسكرية.
وقد أحجمت الدول الأوروبية عن التحرك لأسباب عدة، فعلى مدى عقود بعثت الولايات المتحدة برسائل متناقضة إلى الأوروبيين، إذ شجعتهم على تحمل مزيد من المسؤولية، ثم وبختهم عندما سعوا إلى قدر أكبر من الاستقلال، ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطواته الأولى نحو التعاون الأمني خارج إطار الـ “ناتو”، تحركت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت لإجهاض هذا المسعى، منددة بأية خطوة من شأنها أن تنتقص من دور الـ “ناتو” أو تكرر وظائفه أو تضعفه، واتبعت إدارة ترمب نهجاً متناقضاً على نحو مماثل، إذ تضغط على الحلفاء لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهم، لكنها تطالبهم في كثير من الأحيان بمواصلة إنفاق موازناتهم الدفاعية على شراء أسلحة أميركية الصنع.
ويدرك القادة الأوروبيون أيضاً أن أي محاولة من هذه الإدارة لتغيير الانتشار العسكري الأميركي ستواجه مقاومة داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد حاول الكونغرس بالفعل منع إدارة ترمب من خفض عدد القوات في أوروبا، من خلال إدراج حد أدنى لأعدادها في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، وقد تنبه الأوروبيون إلى ذلك. وإذا كان انتظار انتهاء ولاية ترمب قد يسمح لهم بالحفاظ على الدعم الدفاعي الأميركي، فسيكون من الحماقة ألا يحاولوا ذلك.
ولهذا تمثل “مراجعة الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا” فرصة لواشنطن كي توضح نياتها وتمنح الحلفاء انتقالاً منظماً بدلاً من تغيير مفاجئ، ومن شأن خطة مكتوبة وواضحة لسحب أعداد كبيرة من القوات، أن تُظهر للأوروبيين أن إدارة ترمب جادة في شأن نقل أعباء الدفاع إليهم، ويظهر التاريخ أن الحلفاء القلقين، عندما لا يطمئنهم حليفهم الأقوى، يميلون إلى زيادة الاستثمار في دفاعهم، ففي ثمانينيات القرن الماضي كان الاقتصاد الياباني مزدهراً، فيما تزايد قلق طوكيو من الأسطول السوفياتي في المحيط الهادئ، الذي كان يتوسع بوتيرة أسرع من القدرات البحرية للحلفاء في المنطقة، وعندما رفضت واشنطن إرسال مزيد من السفن، تحركت اليابان من تلقاء نفسها، فتضاعف تقريباً إنفاقها الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام الـ15 التالية.
كيف تنسحب واشنطن؟
ينبغي للبنتاغون أن يستخدم مراجعته ليعلن بوضوح ما هو بديهي: لن تتحمل أوروبا مسؤولية الدفاع التقليدي عن نفسها ما لم تسحب الولايات المتحدة قواتها، ولتحقيق أكبر أثر ممكن، ينبغي أن تنص المراجعة على خفض كبير للقوات في عامي 2027 و2028، وأن تحدد جدولاً زمنياً لمزيد من الخفض بعد انتهاء ولاية ترمب الثانية، وقد يحاول رئيس أميركي مقبل تغيير المسار، لكن من الصعب التراجع عن عمليات انسحاب بدأت بالفعل، إذ يصعب إعادة فتح القواعد المغلقة، وأيضاً فإن استئناف الانتشار الدوري للقوات يستغرق وقتاً، وإضافة إلى ذلك فإن تزايد قدرة أوروبا على الاعتماد على نفسها سيجعل كل خفض لاحق للقوات الأميركية، أسهل من سابقه.
والخطوة الأكثر وضوحاً للبدء هي تقليص القوات البرية، لأنها مكلفة للولايات المتحدة، ولأن تعويضها بقوات أوروبية أسهل من تعويض أنواع أخرى من القوات، وقبل انتهاء ولاية ترمب، ينبغي للإدارة أن تنهي نهائياً الانتشار الدوري للواء القتالي في بولندا، الذي يضم نحو 4 آلاف جندي، وأن تسحب “فوج الفرسان الثاني”، وهو وحدة مماثلة في الحجم تتمركز في ألمانيا، وسيظل لواء خفيف واحد في إيطاليا، قادراً على التحرك بسرعة للاستجابة للأزمات، إضافة إلى عدد من العسكريين الأميركيين المكلفين بمهمات الدعم القتالي، وهناك سبب آخر يدعو إلى البدء بالقوات الثقيلة تحديداً: فهي ما تفتقر إليه أوروبا، ولذلك فإن سحبها سيجبر الأوروبيين على بناء هذه القدرات بأنفسهم.
وسيكون سحب اللواء الأميركي من بولندا خطوة مثيرة للجدل، إذ سيعني أيضاً إنهاء إسهام الولايات المتحدة في انتشار قوات الـ “ناتو” في دول البلطيق، وتنظر وارسو إلى التهديد الروسي بقلق بالغ، وقد رفعت إنفاقها الدفاعي بنحو 300 في المئة منذ عام 2016، لكن القوات الأميركية المنتشرة في أقصى شرق الحلف قد تتكبد خسائر فادحة في الأيام الأولى من أي صراع، مما يضيّق هامش الخيارات أمام واشنطن، في اللحظة التي تكون فيها أحوج ما تكون إليه، أما إبعاد هذه القوات عن جبهة محتملة، فمن شأنه أن يحافظ على حرية الحركة الأميركية، ويحد من نزوع أعضاء الـ “ناتو” في شرق أوروبا عن الإقدام على أية مجازفات.
وينبغي لإدارة ترمب أيضاً خفض عدد أسراب المقاتلات الأميركية المتمركزة بصورة دائمة في أوروبا من سبعة إلى أربعة، وتقليص وحدات الدعم التابعة لها، فالدول الأوروبية الأعضاء في الـ “ناتو” تشغّل بالفعل نحو 1700 طائرة مقاتلة، وهو عدد يفوق كامل أسطول المقاتلات الروسي، وكذلك ينبغي للولايات المتحدة سحب ثلاث من المدمرات المتمركزة في “قاعدة روتا” البحرية في إسبانيا، إما بإعادتها للموانئ الأميركية أو نقلها إلى المحيط الهادئ، وستظل ثلاث مدمرات وأنظمة “إيجيس” التابعة لها في أوروبا لدعم الدفاعات الجوية للقارة، أما الأقمار الاصطناعية الأميركية وغيرها من قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فستظل متاحة للحلفاء نظراً إلى سهولة نقلها نسبياً، وقدرتها على تغطية مهمات عدة، أما الوحدات الأميركية التي ستبقى على الأراضي الأوروبية، فسيصبح قوامها أقرب إلى 40 ألف عسكري بدلاً من نحو 80 ألفاً حالياً، وستتولى أساساً مهمات الدعم القتالي والدفاع الجوي والأسلحة النووية.
التخلص من العجز المكتسب
سيعترض المنتقدون بأن سحب القوات الأميركية سيكون خطأ في وقت لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا مستمرة، وتظل القارة عرضة لخطر امتداد الصراع إليها أو تصعيده، لكن الحرب جعلت، في الواقع، الظروف أكثر ملاءمة للانسحاب، فالغزو الروسي زاد استعداد الأوروبيين للإنفاق على الدفاع، فيما ألحقت الحرب أضراراً بالغة بالقوات المسلحة الروسية، وحتى بعد انتهاء القتال، سيحتاج الجيش والاقتصاد الروسيان إلى أعوام للتعافي، مما يمنح أوروبا الوقت اللازم لبناء قواتها وقدراتها الخاصة، وبفضل ناتج محلي إجمالي مشترك يتراوح بين خمسة و10 أضعاف الناتج الروسي، تستطيع أوروبا مواجهة أي تحد عسكري تقليدي مستقبلي بقدراتها الذاتية.
وسيقول آخرون إن أوروبا تشكل منصة انطلاق حيوية للحروب الأميركية في الشرق الأوسط، وإذا انسحبت واشنطن فقد تصبح الحكومات الأوروبية أقل استعداداً للسماح لها باستخدام أراضيها في صراعات، مثل الحرب الحالية في إيران، وهذا صحيح، لكن لجعل بدء الحروب المكلفة وغير الضرورية أكثر صعوبة، ينبغي أن يُحسب في خانة الإيجابيات لا السلبيات، فقد كشفت الحرب في إيران، ليس فقط حدود القوة العسكرية الأميركية، بل أيضاً الفجوة بين التزامات واشنطن والموارد المتاحة لها، ومنذ أن هاجمت الولايات المتحدة إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، استهلكت جزءاً كبيراً من مخزونها من الصواريخ الاعتراضية والصواريخ بعيدة المدى، ويضع هذا النقص واشنطن أمام حقيقة غير مريحة: فقد لا تكون قادرة على الوفاء بجميع التزاماتها العالمية، وربما لا تكون مستعدة لخوض حرب ضد قوة كبرى، ويعد طلب البنتاغون موازنة مقدارها 1.5 تريليون دولار، اعترافاً جزئياً بهذه القيود الجديدة، لكن ضخ مزيد من الأموال وحده لا يكفي لمعالجة هذا الاختلال، فعلى واشنطن أيضاً أن تتخلى عن بعض مسؤولياتها.
وفي نهاية المطاف، ينبع الاستياء الكامن وراء خطاب إدارة ترمب تجاه الـ “ناتو” من تقاسم غير عادل للأعباء، فأوروبا قادرة مالياً على تولي مسؤولية الدفاع عن نفسها، ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة مطالبة بتحمل العبء، فلقد ترسخت لدى أوروبا حال من العجز المكتسب، لكنها قادرة أيضاً على التخلص منها، وتمثل “مراجعة الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا” فرصة أمام ترمب لتنفيذ رؤيته المتعلقة بنقل أعباء الدفاع، لكن تحقيق ذلك يتطلب منه إعادة القوات الأميركية لبلادها.
جينيفر كافانا زميلة أولى ومديرة التحليل العسكري في مؤسسة “أولويات الدفاع”.
جاستن لوغان مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد “كاتو”.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 28 أغسطس (آب) 2026