ملخص
تكثف الولايات المتحدة ضغوطها العسكرية والاقتصادية على إيران، مستهدفة قوات الحرس الثوري ومصادر النفوذ الإيرانية في مضيق هرمز
تواجه إيران واحدة من أقسى مراحل الضغط الاقتصادي والعسكري في تاريخها الحديث، في وقت تسعى الولايات المتحدة إلى تضييق الخناق على طهران عبر العقوبات والضربات العسكرية، بالتوازي مع عملية واسعة لضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وبينما تراهن واشنطن على أن يؤدي هذا الضغط المتصاعد إلى إرغام إيران على تقديم تنازلات أو حتى دفع النظام إلى الانهيار، يرى محللون أن الرهان على سقوط سريع للنظام الإيراني قد يكون مبالغاً فيه، خصوصاً أن البلاد راكمت على مدى أعوام طويلة خبرة واسعة في التعامل مع العقوبات والالتفاف عليها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد إيران أزمة اقتصادية حادة، بعدما وصلت عملتها (الريال) إلى مستويات تاريخية متدنية، بينما تجاوز معدل التضخم 80 في المئة، وسط طوابير طويلة للحصول على الوقود والخبز وتفاقم أزمة البطالة.
حرب اقتصادية وعسكرية
وتعمل الولايات المتحدة على ممارسة ضغط متزامن على إيران من خلال العقوبات الاقتصادية والعمليات العسكرية، في محاولة لإضعاف قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
وفي إطار الجهود الأميركية، تتحرك عشرات ناقلات النفط ليلاً عبر المنطقة، في محاولة لتجاوز الأخطار الأمنية.
وتشير المعلومات إلى أن أسطولاً يضم نحو 60 ناقلة يعمد إلى إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة به، فيما تسير السفن بمحاذاة الساحل العماني أثناء خروجها من الخليج نحو خليج عمان.
وتترافق هذه العمليات مع حماية عسكرية أميركية، إذ تتصدى الطائرات الأميركية للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي تستهدف الملاحة التجارية والقوات الأميركية في المنطقة.
وبحسب التطورات الميدانية، بدأت إيران تفقد تدريجاً جزءاً من قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز، الذي كان يمثل أهم أوراق الضغط لديها خلال الحرب المستمرة منذ ستة أشهر مع الولايات المتحدة.
ويرى مسؤولون ومحللون أن تراجع السيطرة الإيرانية على المضيق، تزامناً مع العقوبات الاقتصادية المتصاعدة، عزز الآمال لدى بعض المسؤولين الأميركيين في أن يؤدي الضغط إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني ودفع النظام إلى الاستسلام أو الانهيار.
لكن هذه التوقعات تواجه شكوكاً واسعة، خصوصاً بعدما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في فبراير (شباط) الماضي على أساس توقعات بأن النظام الإيراني قد ينهار خلال أسابيع.
ضربات جديدة قرب “هرمز”
وفي أحدث تصعيد، أفاد التلفزيون الإيراني الرسمي بسماع سلسلة انفجارات جنوب البلاد، قرب مضيق هرمز الاستراتيجي.
وقال التلفزيون الرسمي إن “انفجارات عدة سُمعت شرق بندر عباس وحول جزيرة قشم”، مضيفاً أنه لم ترد تقارير فورية عن وقوع أضرار أو حوادث في محافظة هرمزغان الجنوبية.
وجاءت هذه التطورات بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جديدة ضد الحرس الثوري الإيراني، رداً على ما وصفته بمحاولات استهداف سفن تجارية وقوات أميركية.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن الضربات بدأت أمس الثلاثاء عند الساعة الـ12:00 ظهراً، واستهدفت الحرس الثوري بعد “محاولات أخيرة” لتنفيذ هجمات ضد الملاحة التجارية في مضيق هرمز وضد أفراد القوات الأميركية المنتشرين داخل المنطقة.
اقتصاد تحت ضغط شديد
وعلى رغم استمرار النظام الإيراني في الصمود أمام الحرب، فإن الأوضاع الاقتصادية داخل البلاد تشهد تدهوراً متسارعاً.
فالريال الإيراني يُتداول عند مستويات تاريخية متدنية، بينما تجاوز التضخم 80 في المئة، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساس وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
ويواجه الإيرانيون صعوبات متزايدة في الحصول على الوقود والخبز، إذ يقضي كثير منهم ساعات طويلة في الطوابير. ودعت السلطات المواطنين مراراً إلى ترشيد استهلاك البنزين والكهرباء، وسط دراسة فرض حصص جديدة للاستهلاك.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن البلاد تحتاج إلى خفض استهلاك الوقود، مؤكداً ضرورة “توفير البنزين”.
ومع ذلك، يرى مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي فايز أن شدة الضغوط الاقتصادية لا تعني بالضرورة اقتراب الاقتصاد الإيراني من الانهيار الكامل.
وقال فايز لصحيفة الـ”تايمز” إن الوضع الاقتصادي “سيئ، لكنه ليس من النوع الذي سيؤدي إلى انهيار اقتصادي”.
وأضاف أن من الصعب للغاية دفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار، نظراً إلى أنه لا يمكن فرض حصار كامل ومحكم على دولة بحجم إيران، فضلاً عن الخبرة التي اكتسبتها طهران خلال أعوام في الالتفاف على العقوبات.
عقوبات بلا حصار كامل
وتعتمد الولايات المتحدة على العقوبات باعتبارها إحدى أهم أدوات الضغط على إيران، إلا أن التجربة خلال العقود الماضية أظهرت أن طهران تمكنت من بناء شبكات تجارية ومالية معقدة للتخفيف من آثار العقوبات.
وتشير تقديرات محللين إلى أن الحجم الجغرافي لإيران وتنوع علاقاتها الاقتصادية، إضافة إلى خبرتها الطويلة في التعامل مع القيود الأميركية والدولية، يجعل من الصعب فرض ما يمكن وصفه بـ”الحصار المحكم” على البلاد.
ولهذا السبب، يرى كثير من المحللين أن العقوبات قد تؤدي إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني ورفع كلفة الحرب على النظام، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث انهيار سياسي.
وفي الوقت نفسه، أدت الضغوط الاقتصادية إلى ظهور خلافات أكثر وضوحاً داخل مراكز القوة في النظام الإيراني.
صراع بين البراغماتيين والمتشددين
ودفعت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى تباين المواقف بين التيارات السياسية داخل النظام الإيراني، إذ يقود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحسب التقارير، تياراً أكثر براغماتية يدعو إلى وقف الحرب واستئناف التفاهمات التي يمكن أن تساعد في إنقاذ الاقتصاد.
وقال بزشكيان الأسبوع الماضي إن من الأفضل إنهاء الحرب الآن، مؤكداً أن إيران يجب أن تسعى إلى إنهائها وهي في “موقع قوة وكرامة”.
في المقابل، يدعو المتشددون إلى مواصلة المواجهة ومحاولة انتزاع تنازلات أكبر من الولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بمطالب إيران ونفوذها في مضيق هرمز.
وحذر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، الذي خلف والده بعد اغتياله في بداية الحرب، من التركيز المفرط على نقاط الضعف الاقتصادية، داعياً إلى العمل لمعالجة المشكلات بدلاً من تضخيمها.
وقال في بيان مكتوب إن “الضعف والعيوب وأوجه القصور لا تحتاج إلى سرد وإبراز، بل تحتاج إلى التخطيط والعمل من أجل حل المشكلة”.
لكن استمرار تدهور الاقتصاد وفقدان إيران تدريجاً قدرتها على التحكم الكامل بالمضيق قد يضعف موقف المتشددين داخل النظام، ويمنح التيار البراغماتي مساحة أكبر للمطالبة بالتفاوض.
هل يمكن أن يؤدي الغضب الشعبي إلى سقوط النظام؟
وشهدت إيران في يناير (كانون الثاني) الماضي انتفاضة شعبية مرتبطة بالأزمة الاقتصادية، التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب.
لكن النظام تعامل مع الاحتجاجات بعنف وتمكن من احتوائها، وهو ما يجعل كثيراً من المحللين متشككين في قدرة أي احتجاجات شعبية جديدة على إسقاط النظام من دون تغيرات أكبر في موازين القوى.
ويرى المتخصص في الشأن الإيراني داخل معهد جنيف للدراسات العليا فرزان ثابت، أن الانتفاضة الشعبية وحدها لن تكون كافية لإسقاط النظام.
وقال ثابت للصحيفة إن “الانتفاضة الشعبية وحدها لا يمكن أن تنجح”، مضيفاً أنها تحتاج إلى تدخل عسكري خارجي.
وأشار إلى أن التدخل العسكري الخارجي حدث خلال المواجهة السابقة، لكنه جاء متأخراً، بحسب تقديره.
وأضاف أن النظام الإيراني، بخلاف نظام الشاه الذي سقط عام 1979، لن يستسلم بسهولة، وأن تغيير السلطة يتطلب انتزاعها بالقوة.
وهذا يعني أن التدهور الاقتصادي، حتى لو وصل إلى مستويات شديدة، قد لا يكون كافياً وحده لإحداث تغيير سياسي جذري.
معركة مضيق هرمز
ويمثل مضيق هرمز محوراً أساساً في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره أحد أهم طرق نقل النفط في العالم.
وقبل اندلاع الحرب، كان نحو 20 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر المضيق، لكن خلال الأشهر الأخيرة بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تطوير وسائل لتجاوز الأخطار الإيرانية وضمان استمرار تدفق النفط.
وبحسب المحللين، كان من الصعب في البداية تقدير حجم النفط الذي يتمكن من عبور المضيق بسبب تعقيد العمليات البحرية وإجراءات إخفاء تحركات السفن،
إلا أن الصورة بدأت تتضح تدريجاً، وتشير إلى استمرار مرور كميات كبيرة من النفط يومياً.
وقال المتخصص في تجارة النفط وكبير المحللين في مجموعة أوراسيا غريغوري برو إن الإيرانيين ما زالوا يبذلون كل ما في وسعهم لتعطيل التجارة.
وأوضح أنهم ما زالوا يستهدفون السفن، مشيراً إلى أن أكثر من 12 سفينة تعرضت لإطلاق نار خلال نحو 10 أيام.
لكنه أضاف أن قدرة إيران على استهداف السفن لم تختف، بل إن الولايات المتحدة ودول المنطقة تمكنت من تطوير طرق لإدارة الأخطار.
وقال رئيس تحرير مجلة “لويدز ليست” المتخصصة في قطاع الشحن ريتشارد ميد إن الناقلات تعمل في ظروف تتسم بالسرية، إذ تتحرك داخل الخليج وخارجه مع إيقاف أنظمة التتبع، مضيفاً أن “العملية تركز الأخطار على ما بين 50 و60 سفينة”.
وتتباين التقديرات حول حجم النفط الذي يتمكن من العبور، إذ تشير تقديرات أميركية إلى أن التدفقات تراوح ما بين سبعة و16 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نصف مستويات ما قبل الحرب أو أكثر.
وقال ميد إن استمرار العمليات لفترة أطول جعل من الواضح أن الأرقام الأميركية ربما لم تكن مبالغاً فيها كما كان يعتقد في البداية، على رغم صعوبة إجراء تقييمات دقيقة بصورة يومية.
إيران تعيد بناء قدراتها
ومع تزايد خطر فقدان السيطرة على المضيق، كثفت إيران جهودها لإعادة بناء قدراتها العسكرية على السواحل. وتشمل هذه الجهود إعادة تطوير أنظمة الرادار والصواريخ قرب الساحل، في محاولة لاستعادة قدرتها على تهديد الملاحة.
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جوية ضد هذه المواقع، وتدرس تنفيذ حملة عسكرية جديدة تستهدف تقليص القدرات الإيرانية.
ويجعل ذلك مضيق هرمز ساحة رئيسة للمواجهة بين الطرفين، ليس فحسب من الناحية العسكرية، بل أيضاً من الناحية الاقتصادية، فقدرة إيران على تهديد الملاحة تمنحها ورقة تفاوضية قوية، بينما يؤدي نجاح الولايات المتحدة في الحفاظ على تدفق النفط إلى تقليص هذه الورقة.
الاقتصاد قد يدفع نحو التفاوض
ويرى محللون أن السيناريو الأكثر احتمالاً ليس انهيار النظام، بل أن يؤدي استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري إلى تغيير موازين القوى داخل النظام الإيراني، فكلما ازدادت الأزمة الاقتصادية حدة، قد يزداد نفوذ التيار الذي يدعو إلى وقف الحرب والتفاوض مع واشنطن.
وقال فرزان ثابت إن نجاح الضغوط الاقتصادية في إسقاط النظام يبدو غير مرجح، لكنه أشار إلى أن تفاقم الأزمة قد يمنح أحد التيارات السياسية داخل إيران قوة أكبر للدفع نحو العودة إلى التفاهمات السابقة مع الولايات المتحدة.
وأضاف أن إيران قد تعود إلى مذكرة التفاهم التي أوقفت المرحلة الأولى من الحرب في يونيو (حزيران) الماضي، لكن ربما في ظل شروط أسوأ بالنسبة إلى طهران.
ويبدو أن هذا السيناريو يمثل أحد أهم أهداف الاستراتيجية الأميركية الحالية، عبر استخدام الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإجبار النظام على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف، وليس بالضرورة لإسقاطه.
صمود اقتصادي أم استنزاف طويل؟
ويبقى السؤال الأساس هو إلى متى تستطيع إيران تحمل هذا المستوى من الضغوط.
فالأزمة الاقتصادية تتفاقم، والتضخم يلتهم القوة الشرائية، والعملة تتراجع، بينما تزداد الحاجة إلى الوقود والسلع الأساس.
لكن في المقابل، يمتلك النظام الإيراني خبرة طويلة في إدارة اقتصاد العقوبات، ومازات الدولة تحتفظ بأدوات أمنية وسياسية قوية تمكنها من احتواء الاحتجاجات.
لذلك، يرى المحللون أن التوقعات بانهيار سريع قد لا تكون واقعية، والأرجح أن تواجه إيران مرحلة طويلة من الاستنزاف الاقتصادي، تترافق مع ضغوط عسكرية متواصلة ومعركة متصاعدة حول مضيق هرمز.
وقد تكون النتيجة النهائية مرتبطة بدرجة أكبر بقدرة الاقتصاد الإيراني على الاستمرار، وبالتوازنات السياسية داخل النظام، أكثر من ارتباطها بالعقوبات وحدها.
فواشنطن تستطيع زيادة كلفة الحرب على إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة عزل دولة كبيرة ومعقدة بصورة كاملة.
وفي المقابل تستطيع إيران الصمود، لكن استمرار الحرب والتضخم وتراجع العملة وفقدان جزء من نفوذها في مضيق هرمز قد يجعل ثمن هذا الصمود أكثر ارتفاعاً مع مرور الوقت.
وبين الرهان الأميركي على الاستنزاف الاقتصادي وإصرار المتشددين الإيرانيين على مواصلة المواجهة، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى أداة لدفع طهران نحو التفاوض، بدلاً من أن يكون طريقاً مباشراً إلى انهيار النظام.
