أخطر ما قام به التيّار الراديكاليّ هو التشكُّك في قرارات المرشد الجديد مجتبى خامنئي، من خلال التصويب على المجلس الأعلى للأمن القوميّ، واتّهامه بمصادرة صلاحيّات المرشد وفرض القرارات والمواقف عليه بما يخدم مصالح أعضائه وسياساتهم، من دون الأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجيّة للنظام والجمهوريّة الإسلاميّة، بحسب تعبيرهم.
اعتبر أنّ قرار التفاوض ووقف الحرب، الذي اتّخذه المجلس الأعلى للأمن القوميّ ومنظومة القرار الجديدة، لا ينسجم مع توجّهات المرشد الجديد ونيّاته، ولا مع مفهوم ولاية الفقيه المطلقة، متناسياً أنّ جميع القرارات الصادرة عن هذا المجلس تُتّخذ بالإجماع، ولا تكتسب صفة التنفيذ والمشروعيّة إلّا بعد موافقة المرشد الأعلى.
تمثّلت المحطّة الأبرز التي عبّرت عن مواقف هذه الجماعة في البيان الذي أصدره نحو 60 نائباً برلمانيّاً يمثّلون هذا التيّار، وطالبوا فيه الجهات المعنيّة في النظام، أي مجلس الأمن القوميّ والقيادات الجديدة، باستمرار الحرب وعدم السماح للعدوّ الأميركيّ بإعادة ترميم قدراته تمهيداً لشنّ حرب جديدة ضدّ النظام الإسلاميّ وجمهوريّته. طالبوا أيضاً الفريق المفاوض بالتزام شروط النظام ومطالبه والخطوط الحمر التي رسمها المرشد، باعتبارها مدخلاً لاستمرار الجهود الدبلوماسيّة، محذّرين من أنّ أيّ خروج عنها قد يؤدّي إلى انهيار القدرات الوطنيّة، إضاعة الفرص، وتسعير الخلافات الداخليّة.
ضرب الدّائرة الجديدة
لا يبدو مستبعداً أن تكون هذه الجماعة، ومعها التيّار الراديكاليّ، بصدد التفكير في إيجاد مركز جديد للقرار يهدف إلى ضرب الدائرة الجديدة التي تشكّل منظومة القرار المحيطة بالمرشد الجديد، والحلول مكانها. وهو ما قد يسمح لها بالعودة إلى الواجهة والسيطرة مجدّداً على مفاصل القرار، من خلال الإمساك بمحيط المرشد وقنوات التواصل معه، بوصفه القائد الأعلى للنظام والدولة والقوّات المسلّحة.
من شأن ذلك أن يوفّر لهذه الجماعة دائرة أمان تحمي مصالحها ومكاسبها، التي بدأت تتقلّص نتيجة ما تتعرّض له من حصار وتضييق وعزلة، سواء داخل المنظومة أو على المستوى الاجتماعيّ، حتّى داخل القوى المحافظة التي كانت تشكّل الحامل الرئيس للنظام الإسلاميّ.
أخطر ما لجأت إليه هذه الجماعة، وتحوّل إلى مادّة شغلت غالبيّة وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الدوليّة، هو التسريب الذي تحدّث عن وجود خلافات حادّة داخل منظومة القرار في النظام، وما نتج عنها من استبعاد رئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف عن رئاسة الوفد الإيرانيّ المفاوض. والحال أنّ هذا التسريب، أو الكلام المتداول، يعود في جذوره إلى تصاعد الخلافات بين هذه الجماعة الراديكاليّة وقاليباف داخل البرلمان، ولا سيّما أنّ قرار تعليق جلسات البرلمان، الذي اتّخذه قاليباف، ألحق بها ضرراً كبيراً، بعدما أفقدها منبراً مؤثّراً تستخدمه للتعبير عن مواقفها وسياساتها وانتقاداتها للسياسات الداخليّة والمسار التفاوضيّ الذي يقوده قاليباف بالتنسيق مع المجلس الأعلى للأمن القوميّ وتحت إشراف المرشد الأعلى.
عبّر بيان نوّاب هذه الجماعة بوضوح عن موقفهم من قرار قاليباف تعليق جلسات البرلمان، عندما أشار إلى أنّ التعليق يضع أداء مهمّات المجلس التشريعية والمشاركة في اتّخاذ القرارات الوطنيّة في طريق مسدود، معتبرين أنّ ذريعة الحرب والأوضاع الأمنيّة لم تعد مبرّرة، وخصوصاً في ظلّ غياب أفق واضح لنهاية هذه الحرب.
من دعوات التّضامن إلى منصّات التّخوين
ربّما الصدمة الأبرز التي أصابت هذه الجماعات تمثّلت في المشهد الشعبيّ والتجمّعات اليوميّة التي تشهدها الشوارع الإيرانّية، بمشاركة مختلف فئات الشعب، لكن لا تتوخّى دعماً للنظام بقدر الدفاع عن إيران ووحدة أراضيها وسيادتها في مواجهة هذا العدوان. لقد تحوّلت هذه التجمّعات إلى منصّات للتعبير عن مختلف الآراء والمواقف، من دون خوف من الرقيب أو الأجهزة الأمنيّة، في ظلّ تسهيل وتساهل لم تنتهجهما دوائر القرار عن قناعة، بل تحت ضغط الضرورة التي فرضتها الحرب والحاجة إلى ترميم الشرعيّة الشعبيّة للدولة والجمهوريّة.
أمام هذا المشهد الشعبيّ، استفاقت ذاكرة المتشدّدين لتستعيد موقفها من مسألة تطبيق قانون الحجاب، الذي رفضت الحكومة إصدار مراسيمه التطبيقيّة بدعم من المرشد الراحل علي خامنئي وقرار من المجلس الأعلى للأمن القوميّ. بدأت هذه الجماعات باستهداف النساء المشاركات في التجمّعات، وتوجيه الاتّهامات إليهنّ بسبب عدم ارتدائهن الحجاب، معتبرة أنّ هذه المشاركة تحوّل التجمّعات، التي يفترض أن تكون دعماً للنظام الإسلاميّ، إلى احتفالات تُمارس فيها مختلف أنواع المخالفات الدينيّة والاجتماعيّة وحتى السياسيّة.
لم تكتفِ هذه الجماعات بمهاجمة النساء، بل حاولت أيضاً استغلال هذه التجمّعات الشعبيّة عبر بعض الخطباء وقرّاء مجالس العزاء، لتحويلها إلى منصّات تستهدف الحكومة والنظام والفريق المفاوض والمجلس الأعلى للأمن القوميّ، مع تأكيد خطاب رفض التفاوض والحوار، والتحذير ممّا قد تفضي إليه الدبلوماسيّة من تفريط بحقوق إيران ومكاسبها، ولا سيّما في ما يتعلّق بالخضوع للشروط الأميركيّة والإسرائيليّة.
الإعلام الرّسميّ منبر المتشدّدين
لم تصمد طويلاً سياسة “التضامن الوطنيّ” التي أعلنتها مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون الرسميّة أمام التطوّرات السياسيّة المتسارعة، وخصوصاً ما يتعلّق بالمسار التفاوضيّ وما قد ينتج عنه من وقائع سياسيّة داخليّة تعيد رسم موازين القوى لمصلحة التيّار العقلانيّ والعقلائيّ، الذي قد يضمّ في صفوفه القوى المحافظة المعتدلة إلى جانب القوى الإصلاحيّة والوسطيّة، مع احتمال اصطفافها خلف المرشد الجديد. عادت هذه المؤسّسة إلى فتح الهواء أمام الأصوات المتشدّدة التي تتبنّى خيار العودة إلى الحرب والمواجهة وخطاب التخوين، إلى حدّ المطالبة بإعدام الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمّد جواد ظريف بذريعة ارتكابهما “جريمة” بحقّ إيران عندما وقّعا الاتّفاق النوويّ عام 2015.
يعكس الأداء السياسيّ لمؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، بوصفه تعبيراً عن مواقف التيّار الراديكاليّ بقيادة رئيس المؤسّسة بيمان جبلي ونائبه وحيد جليلي، شقيق سعيد جليلي، حالة التصويب الدائم على الحكومة برئاسة مسعود بزشكيان، وعلى الفريق المفاوض في هذه المرحلة الدقيقة، واتّهامهما بالتفريط بالمصالح القوميّة والوطنيّة والمكاسب التي حقّقتها إيران في هذه الحرب، عبر اعتماد خيار التفاوض والتنازل أمام الأميركيّ “المهزوم”.
هو سلوك تصفه قيادات سياسيّة محافظة وإصلاحيّة، حتّى أمنيّة، بأنّه إدخال لإيران في منعطف خطِر، وتجاوز للضرورات التي تفرضها الحرب وما تقتضيه عقلانيّة السلطة، لا سيّما أنّ هذه المؤسّسة الإعلاميّة، شأنها شأن المؤسّسة العسكريّة، مطالبة بالانضباط والالتزام بالسقوف والسياسات التي تضعها السلطة وتحدّدها، والابتعاد عن السلوكيّات التي تعمّق الانقسام، وتربك أداء مراكز القرار، وتضعف التضامن الداخليّ.
في الحلقة الثالثة غداً: من يقود الراديكاليّين: محمّد أم محمود؟
