بلقيس شرارة…جريدة المدى
لم اكن اتوقع ان نصير سيترك هذا العالم، واني سأكتب عنه وعن دوره في الدفاع عن حقوق الشعب العراقي. فقد كان نصير شخصية مستقيمة، ذا مثل عالية، فهو امتداد لشخصية والده الذي كان له دور مهم في الدفاع عن حق الشعب العراقي، من خلال ترسيخ الحكم الديمقراطي في البلاد.
ولد نصير في الثاني عشر من شهر آب عام 1933، وهو العام الذي توفي به الملك فيصل الأول، وقد عاصر فترات زمنية مختلفة من تاريخ العراق، من العهد الملكي الى عصر عبد الكريم قاسم ثم الانقلاب الذي قام به عبد السلام ومجيء البعثيين للحكم ومن ثم عهد صدام حسين الذي انتهى باحتلال العراق من قبل الجيش الأمريكي.
نشأ نصير في دار يؤمها السياسيون من كل الاتجهات بسبب والده الذي كان رئيس الحزب الوطني الديمقراطي. ونشأ في شارع طة الذي سمي بهذا الإسم لأن رئيس الوزراء (طة الهاشمي) كان يسكن به. واشتهر الشارع بعدد من رؤساء الوزارة الذين سكنوا فيه.
انخرط نصيرعلى صغر سنه ولم يكن يتجاوز الخامسة عشر من عمره في مظاهرات الوثبة في عام 1948، وذلك رفضا للمعاهدة التي وقعت من قبل الحكومة مع الإنكليز. كما شارك في انتفاضة 1952، التي أدت بمصطفى العمري الى تقديم استقالته.
كما كان نشطاً في انتخابات عام 1954 التي رشح بها كامل الجادرجي نفسه لإنتخابه عضواً في مجلس النواب، مع المعارضة. وقد اقلقت تلك المعارضة الصغيرة التي تتألف من احدى عشرة نائباً معارضاً الحكومة آنذاك، حيث افتتح نوري السعيد البرلمان وحله بعد جلسة الإفتتاح. وعلى اثرها وجدت المعارضة ان ليس هنالك سبيل في التخلص من الحكومات المتعاقبة، إلا بانقلاب عسكري.
في تلك الأثناء اصبح نصير نشطاً والتقى بعدد من اعضاء أحزاب المعارضة وفي عام 1955 انتمى كعضو إلى الحزب الشيوعي وكان من مؤسسي لجنة الشباب في الحزب. كما كان الحزب سرياً، واعضاءه ملاحقين ومحاربين من قبل الحكومة، وكان عدد منهم في السجن في بغداد أو في سجن نقرة السلمان الواقع في محافظة المثنى في القسم الصحراوي منها.
و في عام 1956 امم عبد الناصر قناة السويس وكان لها صدى التأييد من قبل جميع الأحزاب في العراق واصبح لجمال عبد الناصر تأييد كبير في العراق. وعلى اثرها شنت القوات البريطانية والفرنسية والأسرئيلية هجوما على مصر. وكان كامل الجادرجي في تلك الفترة في مصر مع لجنة الإتصال الشعبي المكونة من كبار الشخصيات العربية الذين قابلوا جمال عبد الناصر. وكان نصير من الذين قادوا التظاهرة ولكن القي القبض عليه واودع في الموقف. في تلك الفترة صدر الحكم على كامل الجادرجي بالسجن لمدة ثلاثة اعوام بتهمه انه ارسل برقية احتجاجية من مصر يتهم بها الحكومة العراقية بتصدير النفط الى اسرائيل.
أما نصير فقد نقل إلى معتقل السعدية وذهبتُ مع رفعة لزيارته في السعدية آنذاك، وبعد ان خرج من معتقل السعدية قرر ان يكمل دراسته في القاهرة.، لكنه انزل من الطائرة التي كانت متوجهة إلى القاهرة. ولاقى مصاعب حتى حصل على موافقة ثانية بالسفر للدراسة في القاهرة.
أما كامل الجادرجي فخرج من السجن بارادة ملكية وذلك قبل الثورة بستة عشر يوماً. وفي الثامن والعشرين من شهر حزيران كان نصير في القاهرة عندما حدثت ثورة 14 تموز من قبل الضباط الأحرار، وتتبع الأخبار في الراديو بالقاهرة، وتأكد من ذلك عندما سمع صوت عبد السلام عارف معلناً انهاء النظام الملكي في العراق و إعلان الجمهورية.
عاد نصير الى بغداد، والتحق بكلية الحقوق، والتقى في تلك الفترة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وذكر ان في ذلك الإجتماع الجميع صفق له إلا هو ، مما جذب نظر عبد الكريم قاسم لعدم تصفيقه له، وعندما الح عليه استاذه ان يصفق للزعيم، اجاب عبد الكريم قاسم لا تصفق. مثل هذا الموقف لا يجرأ على اتخاذه الا شخص جريء وشجاع مثل نصير.
في شهر شباط من عام 1963، حدث انقلاب ضد عبدد الكريم قاسم، كان انقلاباً عنيفاً ودمويا، ولم تنجى عائلة الجادرجي، بالرغم من ان نصير اختفى في دار ابنة خالته اسماء الكيلاني لبضعة ايام قبل القاء القبض عليه من قبل الحرس القومي، واقتيد الى النادي الأولمبي في الأعظمية، حيث تعرض إلى الضرب، اما رفعة فقد قدم استقالته من الوظيفة، وانا عزلت من وظيفتي كسكرتيرة عميدة كلية البنات.
كانت تلك اصعب ايام مرّت على العائلة بصورة خاصة والشعب العراقي بصورة عامة. فقد قتل وعذب خيرة مثقفي البلد. وحدثت انتهاكات خطيرة بحقوق الأنسان العراقي وكرامته التي طالت نخباً عديدة من ابناء الشعب. وقد نقل نصير الى عدة معتقلات وقضى آخر ايامه في معتقل أطلق عليه بمعتقل (المثقفين)، حيث كان يسمع صراخهم اثناء تعرضهم للتعذيب. ومن حسن الحظ انه لم يقضي فترة طويلة في هذا المعتقل حيث اطلق سراحه.
عاد نصير الى البيت وظل حذراً في الخروج من البيت حتى زال حكم الانقلابيين في في تشرين الثاني عام 1963. كما اصبح نصير في تلك الفترة هو المسؤول عن إدارة املاك العائلة، فقد طلب منه شقيقه رفعة ان يكون مسؤولاً عن بستان الفحامة والاملاك الأخرى التي تعود إلى العائلة.
كنا في تلك الفترة نقضي عطلة الأسبوع في بستان الفحامة، في الدار التي صممها رفعة، وكان نصير يقضي بها وقتاً، حيث كانت العائلة تستقبل ضيوفها ايام الجُمع، وقرر ( خيرالله طلفاح) الذي كان محافظ مدينة بغداد، هدم الدار، وفي اليوم الذي صدر فيه الحكم من المحكمة ضد قرار طلفاح، بعث بلدوزر لهدم البناء، واقتلع البلدوزر الأعمدة الخشبية ومرافق الحمام والأثاث وانقلب حطاماً، انه درس لكل من يعترض على اسياد البلاد الجدد، وتحول القانون الى عجينة يخبزونها كما يشاؤون حسب مصالحهم. وقد فسره نصير انه حقد على عائلة الجادرجي.
في عام 1968 توفي كامل الجادرجي بعد معاناة طويلة من توالي نوبات القلب، وكانت وفاته صدمة كبيرة للعائلة.
بعد وفاة كامل الجادرجي اصبح نصير منهمكا في العمل، اما في ممارسة المحاماة أو العمل الزراعي. كما دعي في أوائل السبعينيات إلى مناقشة الدستور الجديد للعراق الذي وضعته (القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم) واشترك به عدد من الشخصيات العراقية.
في عام 1978، عدنا انا ورفعة الى بغداد من فينا بعد ان اقيم معرضاً له كما القى محاضرة عن اعماله، وفي اليوم التالي القي القبض على رفعة، واخذ نصير على عاتقه الاتصال بالاشخاص الذين في امكانهم الوصول الى المسؤولين في السلطة. فكنت التقي بنصير مساء كل يوم وكنا نقف امام دار والده في الشارع، يخبرني بما توصل اليه من معلومات جديدة عن وضع رفعة.
كانت الكابة تهيمن على اجوائي في تلك المدة العصيبة التي كنت امر بها، حيث اغلقت جميع الكوى المضيئة امامي، حصار من كل جانب. وكان نصير يخبرني بجميع التطورات بخصوص رفعة حتى صدر الحكم المؤبد عليه، وكان الحكم كالصاعقة المدمرة. كان نصير معنا في زيارته الى السجن في ايام المقابلة، وكانت الفرحة كبيرة عندما تم الأفراج عن رفعة للاستفادة من خبرته المعمارية في اعمار بغداد تمهيداً لعقد قمة عدم الانحياز.
امتدت الحقبة البعثية مدة خمسة وثلاثين عاما، حيث جمد نصير نشاطه السياسي وعوض عنها باللقاء بالأصدقاء.
عندما كنا في بوسطن عام 1984، تعرضت ام رفعة إلى الاصابة في الورك بسبب سقوطها المفاجيء من السرير، وبعد العملية توفيت ودفنت في الحضرة القادرية، وكان خبر وفاتها صاعقة هز كيان العائلة واثار الأسى والفراغ فينا.
ثم بعد انتهاء الحرب مع ايران قام صدام حسين في غزو الكويت، ظل نصير في العراق وكان شاهداً الى ما عانى منه الشعب العراقي من تلك الحرب وخاصة بعد الحصار الذي دام اثنى عشرة عاماً.
و لكن في نيسان عام 2003 شاهد العالم من خلال شاشات التلفزيون سقوط النظام.
واسس مجلس حكم قبل الانتخابات، و اختير نصير عضوا في المجلس، لكن فوجئ نصير بالتقسيم الإثني والطائفي للمجلس وخلافاً لما كان يتداول بينهم. كان المفروض ان يتم اختيار العضو حسب كفاءته او اتجاهه السياسي، وهذا ما كان يؤمن به نصير.
وفي تلك الفترة بدأت المنظمات الارهابية بالقتل وتهجير الناس، واصبح الخوف ملازما للناس، فقد زال حكم الدكتاتور وحلت مكانه الفوضى التي عمت جميع انحاء العراق. وفي تلك الفترة كان نصير يجتمع باعضاء مجلس الحكم، وتمت لجنة لصياغة الدستور ولكن اعتذر نصير عن الاشتراك، وقال لهم ان كتابة دستور يحتاج إلى اصحاب اختصاص وكفاءات عالية.
قضى السنوات الاخيرة من حياته في عمان، ولم يعش وحيدا بعد ان توفيت زوجته (أميرة الرفيعي) بل ظل محاطاً بافراد اسرته واصدقائه.
كان نصير ينتمي الى طبقة فكرية عالية، فقد عاش في دار والده كامل الجادرجي الذي كان رمزاً وطنياً، فامتص قيم النزاهة والصلابة في مواقفه في الدفاع عن حقوق الشعب والامانة الاخلاقية. كان رجل قانون بعيداً عن المحاصصة التي ابتلى بها العراق، داعياً الى اقامة دولة المؤسسات والقانون، حريصا على مصلحة الوطن، وهذا ما يحتاج اليه العراق الآن.