في الوقت الذي تخوض فيه سوريا مرحلة دقيقة لترميم هيكل الدولة وبناء استقرارها السياسي والاقتصادي، تحوّل الفضاء الإعلامي والحقوقي إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى القدرة على إحداث قطيعة جذرية مع آليات الحكم القديمة. وبينما تحاول المؤسسات القائمة تقديم صورة جديدة تستند إلى الشفافية وسيادة القانون، تشير المعطيات الميدانية والتحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث حقوقية ودولية إلى أن تركة التشريعات الإعلامية، الصادرة في عهد نظام الأسد المخلوع، ما تزال تعمل كعكاز قانوني يقيّد حرية التعبير ويتيح التوقيف الانتقائي، بما يهدد السلم الأهلي ومناخ الاستثمار الإقليمي والدولي.
ولا يقتصر خطر استمرار العمل بهذه التشريعات على تقييد صحفي أو ملاحقة ناشط، بل يتعداه إلى ترسيخ حالة من اللا يقين السياسي والاجتماعي، إذ تفتح النصوص الفضفاضة الباب أمام ازدواجية في تطبيق القانون؛ فتُلاحَق الانتقادات الخدمية وإثارة ملفات الفساد بسرعة وحزم، في مقابل تباطؤ واضح في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، الذي يمس بصورة مباشرة تماسك المجتمع السوري ومستقبل تعافيه.
تجريم الانتقاد الخدمي والتغاضي عن التحريض الطائفي
تتجلى أزمة الترسانة التشريعية القديمة في تفاصيل الحوادث الميدانية التي شهدتها الأشهر الأخيرة. فقد أعاد استدعاء إعلاميين وناشطين وتوقيفهم في دمشق، بناءً على شكاوى خاصة أو بتهم فضفاضة تتصل بـ«نشر أخبار كاذبة تضرّ بمكانة الدولة والاقتصاد»، إلى الأذهان أساليب الملاحقة السابقة.
وتجلّى هذا المسار بوضوح في قضية الناشط والإعلامي حسان عقاد، الذي واجه إجراءات احتجاز وتوقيف عقب شكوى قدّمها إعلاميون مقرّبون من دوائر القرار، على خلفية انتقادات تتعلق بآليات المساءلة وشفافية جمع التبرعات؛ وهي قضايا تقع في صميم الشأن العام، وتستدعي الإفصاح والرقابة لا التكميم.
في المقابل، تشير الشواهد إلى مفارقة عميقة في التعاطي الرسمي مع المحتوى الإعلامي الرقمي. فبينما جرى على عجل إنفاذ مواد استثنائية، كالمادتين 24 و25 من قانون الجرائم الإلكترونية رقم 20 لعام 2022، والمرسوم رقم 50 لعام 2001، لتقييد النقد الخدمي، أظهرت السلطات تسامحًا غير مبرر مع منشورات ومواد رقمية صادرة عن شخصيات إعلامية أخرى، طالبت صراحة بإجراءات عقاب جماعي أو باستهداف أحياء ومكونات مجتمعية بكاملها، كما حدث في دعوات تحريض صريحة أطلقها إعلاميون في حمص، من دون أن تتحرك الجهات القضائية أو الأمنية لمساءلتهم.
ولا يمس هذا التفاوت، القائم على هوية المتحدث وموقعه، مصداقية المؤسسة القضائية فحسب، بل ينكأ أيضًا جراح الأقليات والمكونات السورية، ويزيد مخاوفها حيال نية الدولة وقدرتها على إرساء عدالة انتقالية محايدة وشاملة.
المبررات الأمنية وتعطيل قطاع إعادة الإعمار
تتجاوز الآثار السلبية لاستبقاء قوانين النشر القديمة حدود الحريات الشخصية، لتلامس صلب المصلحة الاقتصادية والأمنية للبلاد. فتدفق رؤوس الأموال، ودخول المستثمرين العرب والأجانب، وتفعيل التعهدات المالية للمانحين، كلها أمور تتطلب، أساسًا، توفير بيئة تشريعية مستقرة وشفافة، تضمن حق التداول الحر للمعلومات الاقتصادية والمالية، من دون خشية التعرض للابتزاز أو الاحتجاز بتهم من قبيل تداول «معلومات غير مصرح بها» أو «الإضرار بالاقتصاد الوطني».
وبناءً على قراءات محللين ومؤسسات دولية، من بينها تقارير صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن تحسين البيئة التشريعية يُعد شرطًا موازيًا لمسار رفع العقوبات وتسهيل أعمال الاستثمار. فحالة الغموض المعلوماتي والإجرائي الناجمة عن حظر الشائعات الاقتصادية، في ظل غياب قنوات إفصاح رسمية ودورية، تتسبب في نفور رأس المال، وتدفع القوى الدولية والكونغرس الأميركي إلى ربط تسهيلات إعادة الإعمار، ومدى التجاوب مع رفع القيود الخارجية، بالتقدم الفعلي المحرز في ملف الحريات العامة والعدالة الإجرائية.
وبذلك، يتحول الموروث التشريعي المقيِّد للكلمة من أداة ضبط أمني تنشدها بعض القيادات إلى عائق استراتيجي يحول دون تمكّن السوريين من جني ثمار التعافي والتنمية.
من تعليق المراسيم إلى إصلاح المنظومة القضائية
تؤكد الرؤى الحقوقية السورية أن معالجة هذا الخلل العميق لا تعني إعفاء الخطاب الإعلامي من الرقابة والضوابط الأخلاقية، بل تقتضي وضع معايير واضحة تفرّق بين ممارسة حرية النقد والتعبير المسؤول، وبين الجرائم التي تنطوي على التحريض المباشر على العنف والكراهية.
ويمكن تلخيص خطوات المعالجة التشريعية العاجلة في المحاور العملية الآتية:
تجميد فوري للمراسيم القمعية: أن تبادر النيابة العامة، بالتنسيق مع وزارة العدل، إلى وقف العمل فورًا بالمواد الزجرية الواردة في المرسوم رقم 50 وقانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022، وتعليق الملاحقات المتعلقة بأقوال وكتابات الصحفيين والناشطين إلى حين نفاذ قانون جديد للمطبوعات والنشر، يصدر عن برلمان مكتمل الصلاحيات والتمثيل.
إحالة نزاعات التعبير إلى القضاء المدني: حظر التوقيف الاحتياطي للصحفيين والناشطين من قبل الأجهزة الأمنية من دون إذن من النيابة العامة، ونقل دعاوى التشهير وحقوق النشر إلى المحاكم المدنية، مع اشتراط إثبات سوء النية والقصد الجنائي من قبل الجهة الشاكية، والسماح للمدعى عليه بالتمسك بالدفع القائم على المصلحة العامة وإثبات صحة الوقائع.
اعتماد معيار دولي حاسم للتحريض: قصر التدخل الجزائي والتوقيف الجنائي على المواد والمنشورات التي تستوفي فعليًا شروط التحريض على العنف أو الجرائم الطائفية، وفق معايير تقيس النية، ومدى تأثير صاحب الخطاب، والسياق الذي ورد فيه، واحتمال ترتب ضرر مادي أو جسدي مباشر على الأرض.
إرساء شفافية الاتصال الحكومي: الحد من التكهنات والشائعات الاقتصادية والسياسية عبر تفعيل المكاتب الإعلامية في مؤسسات الدولة، ونشر بيانات دورية حول أموال التبرعات والتسويات وسير المشروعات الخدمية، بدلًا من اللجوء إلى المنع القانوني لمواجهة التساؤلات المشروعة للمواطنين.
تمنح المرحلة الحالية سوريا فرصة لاستكمال استحقاقها الوطني والسياسي عبر التخلص التام من تركة «مملكة الصمت». فإصلاح المنظومة الإعلامية، وتنقية التشريعات من المراسيم القمعية، ليسا مطلبًا فئويًا ولا ترفًا فكريًا، بل يمثلان ركيزة أمنية وتنموية أساسية لبناء دولة المواطنة، وضمان ألا تتحول نصوص الماضي إلى ألغام تفجّر استقرار المستقبل.
أبرز ما صححته: التوافق النحوي مثل «تقارير صادرة»، واستبدال بعض التراكيب الثقيلة مثل «المادة الإعلامية الشابكية» بـ«المحتوى الإعلامي الرقمي»، وتصحيح «التحريض على العنف الكراهية» إلى «التحريض على العنف والكراهية»، إضافة إلى ضبط الفواصل وعلامات الاقتباس وتخفيف التكرار وتحسين الصياغة الصحفية من دون تغيير جوهر المقال.
