في تسعينيات القرن الماضي تفتقت عبقرية رفيق بعثي ما، وخلال استفتاء رئاسي كان بطله الأوحد مؤسس دولة الرعب والخراب “المقبور” حافظ الأسد، فاقترح الرفيق، بدوافع وطنية خالصة طبعاً، أن يتم ثقب الهوية الشخصية للمواطنين، لإثبات أنهم شاركوا في الاستفتاء طواعية، وفعلاً تم تزويد كل مركز انتخابي بأداة تشبه تلك التي يستخدمها صانعو الأحذية، فثُقبت هوياتنا الشخصية، في زاويتها، واحتفلنا جميعاً بنجاح الاستفتاء العظيم الذي تجاوزت نسبة المشاركين فيه ٩٩.٩٩٪، فكان الثقب في هويتنا دليلاً على وطنيتنا، ووفائنا… وأشياء أخرى.
عام ٢٠١١ تفتق ذهن شيخ “ثوري”، فأطلق دعوة استثنائية، ودعا السوريين لتحطيم هوياتهم، تمرداً على النظام، وقد استجاب وقتها عشرات وربما مئات لدعوته “الحماسية”، وحطموا هوياتهم، بعضهم فعلها متفاخراً أمام كاميرا موبايل، وانتشرت مقاطع الفيديو تلك، تماماً كما انتشرت مقاطع المنشقين، لعسكريين من مختلف الرتب، وفيما اعتُبرت الهوية المثقوبة دليلاً على ولاء صاحبها، وانتمائه الوطني الذي لا تشوبه شائبة، فإن الهوية المكسورة شكلت دليلاً دامغاً على الخيانة، والمشاركة في المؤامرة الكونية، كذا إلى آخره، وقد اعتُقل عشرات لمجرد الاشتباه أن ثمة كسراً صغيراً في هوياتهم، حتى لو لم يكن متعمداً.
إذا كانت البيانات التي تحمل صبغة دينية، إسلامية تحديداً، تعتبر كل ما يخالف قناعاتها تعدياً على الهوية السورية
وما بين هوية مثقوبة هنا وهوية محطمة هناك، تظل الهوية السورية معلقة، من دون أن تجد إجابة، وقد بدأ السؤال يطفو على السطح منذ أن تفككت “سوريا الأسد” وأُطيح بكل ما تمثله وما تحمله، فتكاثرت الندوات والمحاضرات والمقالات، والأهم من هذا كله، البيانات، كل بيان يدعي حرصه على تلك “الهوية” الضائعة، التي لم يُتفق بعد على حدودها وتعريفها، وإن كان الرئيس أحمد الشرع قد اختصر ذلك كله في إطار إجابته عن “الهوية السورية”، فقال: “أن تكون سورياً”. فإن ذلك التعريف بحد ذاته يبدو إشكالياً، ولا يقدم إجابة شافية.
وإذا كانت البيانات التي تحمل صبغة دينية، إسلامية تحديداً، تعتبر كل ما يخالف قناعاتها تعدياً على الهوية السورية، ففي المقابل سنجد أن البيانات التي تسلك مسلكاً “علمانياً” ستعتبر كل مظهر ديني اعتداءً صارخاً على تلك الهوية، لذلك فلم يكن مستغرباً، والحالة هذه، أن يثير الإعلان عن حفل غنائي للفنانة أصالة هذا اللغط كله، فكيف يكون غناء أصالة أو منعها من إقامة حفلها الغنائي تعدياً على الهوية؟
وهل هويتنا هي من الهشاشة بحيث تظل عرضة للتعدي كلما وقعت واقعة، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة؟
للأمانة، فقد قرأت الكثير من المقالات، وساهمت شخصياً في كثير من الدراسات والملفات والنقاشات، بل إن بحثاً صغيراً عبر محركات البحث سوف يقدم عشرات وربما مئات النتائج، لكن ذلك كله لا يقدم وصفة جاهزة للهوية الوطنية، لأننا كنا نصطدم دائماً بحقيقة أن سوريا هي أشبه بكيان تم تجميعه، وخاصة بعد سنوات من التمزق والتفكك، وإذا أردت البحث عن سبل لإعادة تركيبه من جديد، فهذا يستوجب عملاً مجتمعياً هائلاً، بدأ، على خجل، في بعض المناطق، من خلال جلسات حوارية محدودة، لكنها لن تكون كافية إن لم تأخذ طابع الاستمرارية، وتشارك السلطة نفسها فيها، من دون أن تفرض رؤيتها قسراً، ولا تقدم دليل عمل للمتحاورين، بل أن تكون شريكاً في الحوار، ربما من خلال شيء يشبه مؤتمر الحوار الوطني، لكن بصورة أوسع وأعم بحيث يشمل كل مدينة ومنطقة، ويكون محوره الوحيد هو “الهوية السورية”. وأن يتم من دون أستذة ولا مزاودة في الوطنية والولاء، فنحن لم نختر أن نصير سوريين، بل وجدنا أنفسنا هكذا، ولم يعلمنا أحد ذلك أيضاً.
هل سوريا بلد عربي؟ نعم، لكنها ليست عربية بالكامل.
هل سوريا بلد إسلامي؟ نعم، لكنها ليست إسلامية بالكامل.
فالكردي السوري لن يقبل أن يُفرض عليه العيش في بلد يلزمه بأن يكون عربياً، ولهذا فإن هويته أو انتماءه سوف يظل موضع شك بالنسبة له، وكذا سيفكر المسيحي أو الدرزي أو العلوي أو اليهودي السوري أو سواهم في حال علا صوت “الإسلاميين” ليفرضوا لونهم الوحيد على المجتمع، ولماذا أصلاً يُسمح للإسلاميين وحدهم بتحديد شكل هويتنا، فيقولون لنا ما يصح وما لا يصح؟ وهل مقولة “من يحرر يقرر” يمكن أن تنسحب على كل شيء، حتى على تحديد “الهوية الوطنية”؟
يبدو أن هذه الأسئلة سوف تظل معلقة، ولن تعثر على إجابات لها بسهولة، ما دامت إثارة الجدل هي ما يحرك حياتنا، وليس الحوار، وما دام ثمة من يعتقد أنه هو فقط من يمتلك الحقيقة، وعلى الآخرين أن يمتثلوا، وسوف تظل هويتنا نهباً لكل تغيّر ولكل حدث مهما كان عابراً.
