ملخص
إعادة تعريف أو تأكيد العلاقة بين النظام والساحة اللبنانية، بما تعنيه من موقع ونفوذ للحليف “حزب الله”، في المعادلة الداخلية اللبنانية، فإنها تعيد أيضاً تأكيد أهمية الدور الذي يلعبه الحزب في معادلة الصراع والنفوذ، والمواجهة بين طهران وتل أبيب، من أجل تكريس كل منهما لدوره وتفوقه في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، والتحول إلى اللاعب الأكثر محورية وقدرة على فرض المعادلات السياسية والجيوسياسية والجيو-اقتصادية فيها.
لم تكن الرسالة التي وجهها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إلى الأمين العام لـ “حزب الله” نعيم قاسم، مجرد رسالة جوابية أو تحية لتجديد البيعة والولاء، التي أعلنها قاسم وقيادة الحزب وعناصره لمجتبى وولاية الفقيه، بل تشكل مؤشراً على موقف المرشد والنظام الإيراني، وكيفية نظرتهما إلى الساحة اللبنانية، والدور الذي لا يزال يحتله “حزب الله” في معادلة القوة والنفوذ الإيراني داخل الإقليم، مما يجعلها تحمل أبعاداً تتجاوز حدود التابع والمتبوع، أو المرشد وأنصاره، لتؤسس إلى ما يمكن اعتباره تأكيداً للإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، وإعادة تظهير حدودها.
عودة خامنئي للتأكيد على البند الأول من مذكرة التفاهم، التي وافق عليها ووقعها رئيسا جمهورية إيران مسعود بزشكيان وأميركا دونالد ترمب، وما جاء فيه من إصرار على تطبيق مبدأ وقف إطلاق النار على كل الجبهات، وإلزام إسرائيل بالانسحاب من كل الأراضي اللبنانية، لم يكن من باب استرضاء هذه الجماعة التي لا تزال تعلن ولاءها للنظام الإسلامي في إيران، وتقرّ بقيادة المرشد والالتزام بتوجيهاته وقراراته، كعقيدة دينية وأيديولوجية لا تخضع لأية متغيرات أو تحديات، فخامنئي أراد من خلال بوابة الساحة اللبنانية، أن يعيد رسم العمق الإستراتيجي لمشروعه الإقليمي، لأن أي ثمن قد يتكبده النظام من أجل الحفاظ على ركائز هذا العمق وأقطابه، قد يكون أقل من أية خسائر وتداعيات داخلية، قد تلحق بإيران الدولة والمؤسسات وبنى تحتية واقتصادية واجتماعية.
وإعادة تعريف أو تأكيد العلاقة بين النظام والساحة اللبنانية، بما تعنيه من موقع ونفوذ للحليف “حزب الله” في المعادلة الداخلية اللبنانية، تعيد أيضاً تأكيد أهمية الدور الذي يلعبه الحزب في معادلة الصراع والنفوذ، والمواجهة بين طهران وتل أبيب، من أجل تكريس كل منهما دوره وتفوقه في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، والتحول إلى اللاعب الأكثر محورية وقدرة على فرض المعادلات السياسية والجيوسياسية والجيو-اقتصادية فيها، وإذا ما كانت الساحة اللبنانية، بما هي الجبهة الأخيرة التي تعطي إيران القدرة للحفاظ على خط تماس مباشر مع إسرائيل، وعرقلة طموحاتها التوسعية في الشرق الأوسط على حساب الدور الإيراني وطموحاته، فإن تحرك خامنئي وتصديه المباشر لمهمة إعلان وتأكيد موقف النظام، من تطورات الساحة اللبنانية وأهميتها في معادلة العمق الإستراتيجي، فلأن طهران والغرفة السوداء التي تقود عملية المواجهة والصراع مع الإقليم والولايات المتحدة، لم تهمل مناطق ودوائر النفوذ الإيراني، وامتداداته الإقليمية على الساحات الأخرى، وما تمثله هذه الساحات من قدرة على دعم ومساندة طهران في التخفيف من الضغوط التي تمارس عليها، وتطالبها بمزيد من التنازلات الإستراتيجية والسياسية، وحتى الأيديولوجية، فتحريك الساحة اليمنية، وما تمثله من استهداف مباشر للسعودية، بخاصة أن دخول صنعاء المباشر هذه المرة على معادلة الصراع، وتحديداً في الحوار الصاروخي الذي سيطر على المفاوضات الأميركية – الإيرانية خلال الأسبوعين الماضيين، لم يدخل في معادلته استهداف العمق الإسرائيلي، باعتبار محورية الصراع معه، بل استهدف بصورة مباشرة هذه المرة العمق الإستراتيجي والاقتصادي والسياسي للعالم العربي، كمدخل لرفع مستوى التحدي أمام إدارة الرئيس ترمب، وإحراجها في محاولتها إدارة الأزمة والصراع مع طهران، وتحديداً حول أزمة مضيق هرمز، فالتصعيد الذي أعلنته الجماعة الحوثية في صنعاء، وإن كان عنوانه مساندة إيران في صراعها وتبادل الضربات مع القوات الأميركية، لكن إغلاق مضيق باب المندب، وإن كان يهدف إلى رفع الأخطار على الاقتصاد العالمي، وإحراج الطرف الأميركي، فقد ترافق أيضاً مع استهداف أكثر المنشآت النفطية إستراتيجية، بخاصة في السعودية، بالتزامن مع عودة الفصائل والجماعات الموالية لإيران على الساحة العراقية لتفعيل نشاطها، الذي تركز أيضاً بعيداً من ساحة الصراع الرئيسة بين طهران وتل أبيب، لتعود وتستهدف العمق السعودي من خلال المسيّرات المتفجرة.
عودة هذه الساحات لتفعيل نشاطها العدائي ضد السعودية، وفي هذا التوقيت بالتحديد، يكشف عن حجم التحديات والضغوط التي يتعرض لها النظام الإيراني، وما تتضمنه من تنازلات قد تكون أكثر إيلاماً من السابق، بخاصة أن منظومة القرار في السلطة الإيرانية باتت تدرك بوضوح أن ثمن الاستمرار في التصعيد والمواجهة مع واشنطن سيكون ثمنه باهظاً، ولن يبقى لإيران أي من الأصول والبنى الاقتصادية والحياتية الأساس، إذ قد يؤدي إلى وضع النظام في مواجهة مصيرية، تهدد وجوده وبمحركات داخلية هذه المرة.
وعودة الحوثيين والفصائل العراقية لتفعيل نشاطاتهم العدائية ضد دول المنطقة العربية، يأتي في سياق يكشف عن أن طهران لم تصل بعد إلى قناعة بتغيير أدواتها وأساليبها في التعامل مع التطورات والتحديات السياسية، وأنها لا تزال تعتمد على الأدوات العسكرية في توجيه رسائلها، فما فعله الحوثي هو رسالة إيرانية إلى الدول العربية، بأن السعي إلى تكريس أية معادلة سياسية وجيو-إستراتيجية في الإقليم، على حساب الدور الإيراني، لن تمرّ، وما فعلته الفصائل العراقية الموالية لإيران، قد لا يخرج عن سياق الرسالة الحوثية، لكنه يحمل بعداً عراقياً خاصاً تجاه رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، بأن تعزيز العلاقة والتعاون مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يكون على حساب إيران وحلفائها على الساحة العراقية، وبالتالي فإن المطلوب منه هو العودة للتوازن، وعدم الدفع باتجاه المواجهة مع هذه الفصائل، وتنفيذ المطالب الأميركية بتفكيك قدراتها.
أما البُعد الذي يتخذ أهمية خاصة في رسالة مجتبى إلى “حزب الله” اللبناني، فيكمن في ما تضمّنه من رسائل إلى الداخل الإيراني، بخاصة الجماعات المتشددة التي تدفع باتجاه الخروج من مذكرة التفاهم، والعودة للحرب المفتوحة مع واشنطن التي تعاني، بحسب اعتقاد هذه الجماعة، كثيراً من الأزمات والخسائر والفشل، فمجتبى في استعادته البند الأول من مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، إنما أراد القول لهؤلاء الراديكاليين، إنه يقف خلف الحكومة، ومع الفريق الذي يدير الأزمة والتفاوض مع واشنطن، وإن تنفيذ هذه المذكرة، وإجبار واشنطن على العودة للالتزام بها وتطبيقها، يشكل انتصاراً للنظام وطموحاته الجيو-إستراتيجية، وتعزيزاً وتكريساً لعمقه الإستراتيجي داخل الإقليم المتفجر.
